تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 302-313
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هود

صفحات 302-313
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: إِلَى عَشِيرَةٍ قَوِيَّة (ل 149) فَدَافَعُوهُ الْبَابَ، وَقَالَتِ الْمَلائِكَةُ: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ من اللَّيْل﴾ أَيْ: سِرْ بِهِمْ فِي ظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُم﴾ فَقَالَ: لَا؛ بَلْ أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ! فَقَالُوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب﴾ فَطَمَسَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَعْيُنَهُمْ بِأَحَدِ جَنَاحَيْهِ، فَبَقَوْا لَيْلَتَهُمْ لَا يبصرون

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سافلها﴾ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ، خَرَجَ لوطٌ وَأَهْلُهُ، وَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أَرْضَهُمْ بِجَنَاحِهِ الآخَرِ، حَتَّى بَلَغَ بِهَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا؛ حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلائِكَةُ نُبَاحَ كِلابِهِمْ وَأَصْوَاتَ دَجَاجِهِمْ، فَقَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ عُهِدَ إِلَى لوطٍ أَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أحدٌ إِلا امْرَأَتَكَ؛ فَلَمَّا سَمِعَتِ الْعَجُوزُ - عَجُوزُ السُّوءِ - الْهَدَّةَ الْتَفَتَتْ، فَأَصَابَهَا مَا أَصَابَ قَوْمَهَا، ثُمَّ اتَّبَعَتِ الْحِجَارَةُ مَنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ مَدَائِنِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ ثَلاثًا.
قَالَ الْحَسَنُ: فَلَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - بَعْدَ لوط نَبِيًّا إِلا فِي عزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ لوطٍ مُنَافِقَةً، تُظْهِرُ الإِسْلامَ، وَقَلْبُهَا عَلَى الْكُفْرِ.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: مِنْ طِينٍ ﴿مَنْضُودٍ﴾ أَي:

بعضه على بعضٍ

﴿مسومة عِنْد رَبك﴾ قَالَ الْحَسَنُ: عَلَيْهَا سَيْمًا؛ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا مِنْ حِجَارَةِ الْعَذَابِ.
قَالَ: وَتِلْكَ السِّيمَا عَلَى الْحَجَرِ مِنْهَا مِثْلَ الْخَاتَمِ ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد﴾ يَقُولُ: وَمَا هِيَ مِنْ ظَالِمِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ بِبَعِيدٍ أَنْ يَحْصُبَهُمْ بِهَا.
يحيى: عَنْ هَمَّامِ بْنِ يحيى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَكْثَرَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لوط ".

سُورَة هود من الْآيَة (84) إِلَى الْآيَة (86).

﴿وَإِلَى مَدين﴾ أَيْ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ ﴿أَخَاهُم شعيبا﴾ أَخُوهُمْ فِي النَّسَبِ، وَلَيْسَ بِأَخِيهِمْ فِي الدِّينِ.
﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أَيْ: بِخَيْرٍ مِنَ اللَّهِ؛ يَعْنِي: السَّعَةَ وَالرِّزْقَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ تَطْفِيفٍ فِي الْكَيْلِ، وَنُقْصَانٍ مِنَ الْمِيزَانِ.

﴿وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم﴾ أَيْ: لَا تَظْلِمُوا ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْض مفسدين﴾ قَدْ مَضَى تَفْسِيرُ ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ فِي سُورَة الْبَقَرَة.

﴿بَقِيَّة الله خيرٌ لكم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: طَاعَةَ اللَّهِ ﴿وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ﴾ أَحْفَظُ عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ حَتَّى أُجَازِيَكُمْ بهَا.
سُورَة هود من الْآيَة (87) إِلَى الْآيَة (90).

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ يَعْنُونَ: أَوْثَانَهُمْ.
قَالَ الْحَسَنُ: لمْ يَبْعَثِ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - نَبِيًّا إِلا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ وَالزَّكَاةَ.
قَالَ محمدٌ: الْمَعْنَى: أَدِينُكَ يَأْمُرُكَ؛ وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ.
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالنَا مَا نشَاء﴾ أَيْ: أَوْ أَنْ نَتْرُكَ أَنْ نَفْعَلَ.
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أَيْ: أَنَّكَ لَسْتَ بِالْحَلِيمِ الرَّشِيدِ.

﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رزقا حسنا﴾ يَعْنِي: النُّبُوَّةَ.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فأفعله

﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أَيْ: لَا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتِي ﴿أَنْ يُصِيبكُم﴾ بِكُفْرِكُمْ بِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قوم نوح﴾ الْآيَة.
قَالَ مُحَمَّد: (يجر مِنْكُم) أَصْلُهُ: يَكْسِبَنَّكُمْ؛ تَقُولُ: جَرِمْتُ كَذَا؛ بِمَعْنَى كَسَبْتُ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: (طَرِيدُ عشيرةٍ وَرَهِينُ ذنبٍ ... بِمَا جَرَمَتْ يَدَيَّ وَجَنَى لِسَانِي)

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا قَوْمُ لوطٍ مِنْكُمْ بيعيد﴾ يَقُولُ: الْعِظَةُ بِقَوْمِ لوطٍ قَرِيبَةٌ

مِنْكُمْ؛ لأَنَّ إِهْلاكَ قَوْمِ لوطٍ كَانَ أَقْرَبَ الإِهَلاكَاتِ الَّتِي عَرَفُوهَا.

﴿إِن رَبِّي رحيمٌ﴾ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، وَتَابَ إِلَيْهِ ﴿ودودٌ﴾ محبٌّ لأهل طَاعَته.
سُورَة هود من الْآيَة (91) إِلَى الْآيَة (95).

﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كثيرا مِمَّا تَقول﴾ أَيْ: إِنَّا لَا نَقْبَلُ، وَقَدْ فَهِمُوهُ وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ ﴿وَإِنَّا لنراك فِينَا ضَعِيفا﴾ قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ أَعْمَى ﴿وَلَوْلا رهطك لرجمناك﴾ ﴿ل 150﴾ بِالْحِجَارَةِ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ بعظيم، وَكَانَ من أَشْرَافهم.

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ، وَرَاءَكُمْ ظهرياًّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: أَعْزَزْتُمْ قَوْمَكُمْ، وَأَظْهَرْتُمْ بِرَبِّكُمْ قَالَ يحيى: أَرَاهُ يَعْنِي: جَعَلْتُمُوهُ مِنْكُمْ بِظَهْرٍ.
قَالَ محمدٌ: يُقَالُ: ظَهْرَتُ بِحَاجَةِ فلانٍ؛ إِذَا نَبَذْتُهَا وَلَمْ تَعْبَأْ بِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:

(تَمِيمُ بْنُ زَيْدٍ لَا تَكُونَنَّ حَاجَتِي ... بظهرٍ فَلا يَعْيَى عَلَيَّ جَوَابُهَا} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ محيطٌ﴾ ﴿خَبِير﴾

﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ ﴿إِنِّي عاملٌ﴾ عَلَى دِينِي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعكُمْ من المنتظرين﴾ يُخَوِّفُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ ثَبَتُوا عَلَى دينهم، جَاءَهُم الْعَذَاب

﴿أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُود﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: أَنَّهُمْ قَدْ بُعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَنَصَبَ (بُعْدًا) عَلَى الْمَصْدِرِ؛ يُقَالُ: بَعِدَ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - يَبْعُدُ؛ إِذَا كَانَ بُعْدَ هلكةٍ، وَبَعُدَ بِضَمِّ الْعَيْنِ يَبْعُدُ بُعْدًا؛ إِذَا نَأَى.
سُورَة هود من الْآيَة (96) إِلَى الْآيَة (100).

﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أَيْ: بِعَلامَاتِنَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِحَة نبوته ﴿وسلطانٍ مُبين﴾ حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ.

قَالَ محمدٌ: وَالسُّلْطَانُ إِنَّمَا سُمِّيَ سُلْطَانًا؛ لأَنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ - عَزَّ وَجل - فِي أرضه.

﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قومه يَوْم الْقِيَامَة﴾ أَيْ: يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ؛ حَتَّى يدخلهَا هُوَ وَقَومه.

﴿وأتبعوا فِي هَذِه﴾ يَعْنِي: الدُّنْيَا ﴿لَعنه﴾ يَعْنِي: الْعَذَابُ الَّذِي عَذَّبَهُمْ بِهِ من الْغَرق ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة﴾ أَيْ: وَأُتْبِعُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَعْنَةً ﴿بئس الرفد المرفود﴾ قَالَ عَطَاءٌ: تَرَادَفَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَعْنَتَانِ: لَعْنَةُ بَعْدَ لَعْنَةٍ؛ لَعْنَةُ الدُّنْيَا، وَلَعْنَةُ الآخِرَةِ.
قَالَ محمدٌ: وَقِيلَ: الْمَعْنَى: بئس الْعَطاء الْمُعْطى.

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْك مِنْهَا قَائِم﴾ تَرَاهُ قَدْ هَلَكَ أَهْلَهُ، وَمِنْهَا ﴿حصيد﴾ لَا ترى لَهُ أثرا.
سُورَة هود من الْآيَة (101) إِلَى الْآيَة (107).

﴿وَمَا زادوهم غير تتبيب﴾ غير تخسير

﴿وَذَلِكَ يومٌ مشهودٌ﴾ يَشْهَدُهُ أَهْلُ

السَّمَاء وَأهل الأَرْض

﴿فَمنهمْ شقي وَسَعِيد﴾.
يحيى: عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَقَةً، ثُمَّ يَكُونُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُضْغَةً، ثُمَّ يَبْعَثُ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ أَنْ يَكْتُبَ أَرْبَعًا: رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَأَثَرَهُ، وَشَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا.
وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلا ذراعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَدْخُلَهَا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى لَا يَكُونُ بَينه وَبَين النَّار إِلا ذراعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ".

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زفيرٌ وشهيق﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا حِينَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ فَيَنْقَطِعُ كَلامُهُمْ؛ فَمَا يَتَكَلَّمُونَ بَعْدَهَا بِكَلِمَةٍ إِلا هَوَاءَ الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ؛ فَشَبَّهَ أَصْوَاتَهُمْ بِأَصْوَاتِ الْحَمِيرِ؛ أَوَّلُهَا زَفِيرٌ، وَآخِرُهَا شَهِيقٌ.
قَالَ محمدٌ: اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي الزَّفِيرِ وَالشَّهِيقِ: ذُكِرَ عَنِ الْخَلِيلِ؛ أَنَّهُ قَالَ: الشَّهِيقُ رَدُّ النَّفَسِ، وَالزَّفِيرُ إِخْرَاجُ النَّفَسِ.
وَقِيلَ: الزَّفِيرُ صَوْتُ الْمَكْرُوبِ بِالأَنِينِ، وَالشَّهِيقُ أَشَدُّ مِنْهُ ارْتِفَاعًا.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْض﴾ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَالنَّارُ فِي الأَرْضِ؛ وَذَلِكَ مَا لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ يَعْنِي: مَا سَبَقَهُمْ بِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَهُمْ؛ قَالَ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا﴾ قَالَ: زُمْرَةٌ تَدْخُلُ بَعْدَ الزُّمْرَةِ.
وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ: إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ لأَهْلِ التَّوْحِيدِ.
. الَّذِينَ (ل 151) يَدْخُلُونَ النَّارَ؛ فَلا يَدُومُونَ فِيهَا يخرجُون مِنْهَا إِلَى الْجنَّة.
سُورَة هود من الْآيَة (108) إِلَى الْآيَة (111).

﴿وَأما الَّذين سعدوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبك﴾ يَعْنِي: مَا سَبَقَهُمْ بِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا قَبْلَهُمْ؛ قَالَ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قَالَ: زُمْرَةٌ تَدْخُلُ بَعْدَ الزُّمْرَةِ.
وَفِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ: ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبك﴾ يَعْنِي: مَا نَقَصَ لأَهْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ.
﴿عَطَاءً غير مجذوذ﴾ أَي: غير مَقْطُوع.

﴿فَلَا تَكُ فِي مرية﴾ فِي شَكٍّ ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ.

﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آباؤهم﴾ أَيْ: إِلا مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ؛ أَيْ: كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ الْعَذَابِ ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أَيْ: آمَنَ بِهِ قومٌ وَكَفَرَ بِهِ قومٌ ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ من رَبك﴾ أَلا يُعَذِّبَ بِعَذَابِ الآخِرَةِ فِي الدُّنْيَا.
﴿لقضي بَينهم﴾ أَيْ: لَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا؛ فَأَدْخَلَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ، وَلَكِنْ أَخَّرَ ذَلِك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالهم﴾ يَعْنِي: الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.
قَالَ محمدٌ: وَمَنْ قَرَأَ (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا) بِتَخْفِيفِ (إِنْ وَلَمَا) فَالْمَعْنَى: إِنَّ كُلًّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ وَتَكُونُ (مَا) صِلَةٌ، وَنَصْبَ (كُلًّا) بِإِنَّ؛ لأَنَّ مِنَ النَّحْوِييِّنَ مَنْ يَقُولُ فِي (إِنْ) الْخَفِيفَةِ: أَصْلُهَا (إِنَّ) الْمُشَدَّدَةُ، فَإِذَا أُدْخِلَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ نُصِبَ بِهَا على تَأْوِيل الأَصْل.
سُورَة هود من الْآيَة (112) إِلَى الْآيَة (116)

﴿فاستقم كَمَا أمرت﴾ عَلَى الإِسْلامِ ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الشّرك ﴿وَلَا تطغوا﴾ فترجعوا عَن الْإِسْلَام.

﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَقُولُ: لَا تَلْحَقُوا بِالشِّرْكِ، فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ؛ أَيْ: تَدْخُلُوهَا.

﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا من اللَّيْل﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ: أَنْ تُقَامَ عَلَى وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها.
وَطَرَفَا النَّهَارِ؛ فِي الطَّرَفِ الأَوَّلِ صَلاةُ الصُّبْحِ، وَفِي الطَّرَفِ الآخَرِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يَعْنِي: صَلاةَ الْمَغْرِبِ وَصَلاةَ الْعِشَاءِ الآخِرِ، وَزُلَفَ اللَّيْلِ: أَدَانِيهِ - يَعْنِي: أَوَائِلَهُ.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدُ الزُّلَفِ: زلفةٌ؛ يُقَالُ: أَزْلَفَنِي عِنْدَكَ كَذَا؛ أَيْ: أَدْنَانِي، وَنَصْبُ ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزلفًا من اللَّيْل﴾ عَلَى الظَّرْفِ؛ كَمَا تَقُولُ: جِئْتُ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَأَوَائِلَ اللَّيْلِ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَات﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يَعْنِي: مَا دُونَ الْكَبَائِرِ.
يحيى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلا إِنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَالْجُمُعَةَ إِلَى الْجُمُعَةِ كفاراتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ؛ مَا اجْتنبت الْكَبَائِر ".

﴿فلولا﴾ فَهَلا ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قبلكُمْ أولو بَقِيَّة﴾ يَعْنِي: طَاعَةٍ.
﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أنجينا مِنْهُم﴾ يَقُولُ: لمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا الدُّنْيَا، وَمَا وَسَّعَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيْهِمْ فِيهَا.
قَالَ محمدٌ: أَصْلُ التَّرَفُّهِ: السَّعَةُ فِي الْعَيْشِ، وَالإِسْرَافُ فِي التَّنْعِيمِ.
الْمَعْنَى: اتَّبَعُوا مَا أُعْطُوا مِنَ الأَمْوَالِ وَأَثْرَوْهُ؛ فَفُتِنُوا بِهِ.
سُورَة هود من الْآيَة (117) إِلَى الْآيَة (120).

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أمة وَاحِدَة﴾ عَلَى الإِيمَانِ ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يَعْنِي: الْكفَّار

﴿إِلَّا من رحم رَبك﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ؛ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْبَعْثِ كَمَا اخْتَلَفَ الْكُفَّارُ فِيهِ ﴿وَلذَلِك خلقهمْ﴾ أَيْ: وَلِذَلِكَ خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ أَلا يَخْتَلِفُوا.

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل