تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 391-405
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النساء

صفحات 391-405
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ فضل الله الْإِسْلَام، وَرَحمته الْقُرْآن.
قَالَ يحيى: قَوْله: ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا﴾ فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير؛ يَقُولُ: لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم إِلَّا قَلِيلا وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ [إِلا قَلِيلا].
قَالَ مُحَمَّد: قِيلَ: إِن هَذِهِ الْآيَة نزلت فِي جمَاعَة من الْمُنَافِقين، وضعفة من الْمُسلمين؛ كَانُوا إِذا أعلم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ ظَاهر على قوم، أَو إِذَا تجمع قوم يخَاف من جمع مثلهم - أذاع ذَلِكَ المُنَافِقُونَ؛ ليحذر من يحبونَ أَن يحذر من الْكفَّار، وليقوى قلب من يحبونَ أَن يقوى قلبه، وَكَانَ ضعفة الْمُسلمين يشيعون ذَلِكَ مَعَهم من غير علم مِنْهُم بِالضَّرَرِ فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الله: ﴿وَلَوْ ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ الْآيَة.

﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تكلّف إِلَّا نَفسك وحرض﴾ (ل 70) أَي: أخْبرهُم بِحسن ثَوَاب الله فِي الْآخِرَة للشهداء.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وَعَسَى من الله وَاجِبَة ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسا﴾ عذَابا ﴿وَأَشد تنكيلا﴾ عُقُوبَة.
[آيَة 85 - 86]

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ أَي: حَظّ (وَمَنْ يَشْفَعْ

شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} أَي: إِثْم.
قَالَ الْحسن: (والشفاعة الْحَسَنَة مَا يجوز} فِي الدّين أَن يشفع فِيهِ، (والشفاعة السَّيئَة مَا يحرم فِي الدّين أَن يشفع فِيهِ).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كل شَيْء مقيتاً﴾ أَي: مقتدرا؛ فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ.
قَالَ مُحَمَّد: وَأنْشد بَعضهم: (وَذي ضغن كَفَفْت النَّفس عَنْهُ ... وَكنت على مساءته مقيتا)

قَوْله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ التَّحِيَّة: السَّلَام، وَمعنى: ﴿أحسن مِنْهَا﴾ إِذَا قَالَ الرجل: السَّلام عَلَيْكُم، رد عَلَيْهِ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله، وَإِذا قَالَ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله رد عَلَيْهِ: السَّلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمعنى: ﴿أَو ردوهَا﴾ أَي: ردوا عَلَيْهِ مثل مَا يسلم؛ وَهَذَا إِذا سلم عَلَيْك الْمُسلم.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كل شَيْء حسيباً﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: محاسبا؛ فِي قَول بَعضهم.
[آيَة 87]

[آيَة 87 - 91]

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا ريب فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ من الله حَدِيثا﴾ أَي: لَا أحد أصدق مِنْهُ.

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قَالَ مُحَمَّد: ﴿فئتين﴾ نصب على الْحَال الْمَعْنى: أَي شَيْء لكم فِي الِاخْتِلَاف فِي أَمرهم؟ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ هُمْ قوم من الْمُنَافِقين كَانُوا بِالْمَدِينَةِ؛ فَخَرجُوا مِنْهَا إِلَى مَكَّة، ثُمَّ خَرجُوا من مَكَّة إِلَى الْيَمَامَة تجارًا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَام، وأظهروا مَا فِي قُلُوبهم من الشّرك، فَلَقِيَهُمْ الْمُسلمُونَ، فَكَانُوا فيهم (فئتين - أَي:)) فرْقَتَيْن - فَقَالَ بَعضهم: قد حلت دِمَاؤُهُمْ؛ هُمْ مشركون مرتدون،

وَقَالَ بَعضهم: لم تحل دِمَاؤُهُمْ؛ هُمْ قوم عرضت لَهُم فتْنَة.
فَقَالَ الله ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ وَلَيْسَ يَعْنِي: أَنهم فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي أظهرُوا فِيهَا الشّرك مُنَافِقُونَ، وَلكنه نسبهم إِلَى (خبثهمْ} الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِمَّا فِي قُلُوبهم من النِّفَاق، يَقُولُ: قَالَ بَعْضكُم كَذَا، وَقَالَ بَعْضكُم كَذَا؛ [هلا] كُنْتُم فيهم فِئَة [وَاحِدَة] وَلم تختلفوا فِي قَتلهمْ؟ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ: ردهم إِلَى الشّرك بِمَا كَانَ فِي قُلُوبهم من الشَّك والنفاق.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فتكونون سَوَاء﴾ أَي: فِي الْكفْر شرعا سَوَاء ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاء﴾ أَي: لَا توالوهم.
﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيل الله﴾ فيرجعوا إِلَى الدَّار الَّتِي خَرجُوا مِنْهَا؛ يَعْنِي: الْمَدِينَة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأبوا الْهِجْرَة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾

ثُمَّ اسْتثْنِي قوما نهى عَنْ قِتَالهمْ؛ فقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يَعْنِي: إِلَّا من اتَّصل بِقوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق، ومعني (اتَّصل): انتسب.
قَالَ يحيى: وَهَؤُلَاء بَنو مُدْلِج كَانَ بَينهم وَبَين قُرَيْش عهد، وَكَانَ بَين رَسُول الله وقريش عهد؛ فَحرم الله من بني مُدْلِج مَا حرم من قُرَيْش؛ وَهَذَا مَنْسُوخ

نسخته الْآيَة ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
﴿أَو جاءوكم حصرت صُدُورهمْ﴾ أَي: كارهة صُدُورُهُمْ.
﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَومهمْ﴾ الْآيَة.
قَالَ مُحَمَّد: وتقرأ ﴿حَصِرَةً صدروهم﴾ أَي: ضَاقَتْ؛ الْحصْر فِي اللُّغَة: الضّيق.
قَوْله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ يَعْنِي: حجَّة؛ وَهَذَا مَنْسُوخ أَيْضا؛ نسخته آيَة الْقِتَال.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ويأمنوا قَومهمْ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: قَالَ [هُمْ] أنَاس من أهل مَكَّة؛ كَانُوا يأْتونَ النَّبي يسلمُونَ عَلَيْهِ رِيَاء، ثُمَّ يرجعُونَ إِلَى قُرَيْش يرتكسون فِي الْأَوْثَان يَبْتَغُونَ (بركتها، أَو يأمنوا} هَا هُنَا وَهَا هُنَا؛ فَأمروا (ل 71) بقتالهم؛ إِن لم يعتزلوا ويصلحوا.
[آيَة 92]

[آيَة 92 - 93]

﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن﴾ يَعْنِي: لَا يَنْبَغِي لمُؤْمِن ﴿أَنْ يقتل مُؤمنا إِلَّا خطئا﴾ أَي إِلَّا أَن يكون لَا يتَعَمَّد لقَتله.
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خطئا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: أهل الْقَتِيل ﴿إِلا أَنْ يصدقُوا﴾ يَعْنِي: إِلَّا أَن يصدق أهل الْقَتِيل؛ فيتجاوزوا عَنِ الدِّيَة.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قَالَ الْحسن: كَانَ الرجل يسلم وَقَومه حَرْب، فيقتله رجل من الْمُسلمين خطأ - فَفِيهِ تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة [وَلَا دِيَة] لِقَوْمِهِ.
﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ مَا كَانَ من عهد بَين الْمُسلمين وَبَين الْمُشْركين، أَو أهل الذِّمَّة؛ فَقتل رجل مِنْهُم - فَفِيهِ الدِّيَة لأوليائه، وَعتق رَقَبَة مُؤمنَة.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعين تَوْبَة من الله﴾ تجاوزا من الله.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿تَوْبَة من الله﴾ الْقِرَاءَة بِالْفَتْح؛ الْمَعْنى: فعل الله ذَلِك تَوْبَة مِنْهُ.

﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا﴾ الْآيَة.
قَالَ يحيى: بَلغنِي أَن عُمَر بْن الخَطَّاب قَالَ: لما أنزل الله الموجبات الَّتِي أوجب عَلَيْهَا النَّار؛ لمن عمل بهَا: وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا (أَو أشباه) ذَلِكَ كُنَّا نبث عَلَيْهِ الشَّهَادَة حتَّى نزلت هَذِهِ الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَكَفَفْنَا عَنِ الشَّهَادَة.
يَحْيَى: عَنْ عَاصِمِ بْنِ حَكِيمٍ، (عَنْ خَالِدِ بن أبي كَرِيمَة، عَن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَيْسُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ)، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((لَا تُنْزِلُوا الْعَارِفِينَ الْمُحَدِّثِينَ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْضِي فِيهِمْ يَوْم الْقِيَامَة)).
[آيَة 94]

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة: هَذَا فِي شَأْن مرداس رجل من غطفان، ذكر لنا أَن نَبِيَّ الله بعث جَيْشًا عَلَيْهِم غَالب اللَّيْثِيّ إِلَى أهل فدك، وفيهَا نَاس من غطفان، وَكَانَ مرداس مِنْهُم ففر أَصْحَابه، وَقَالَ لَهُم مرداس: إِنِّي مُؤمن وَإِنِّي غير متابعكم؛ فصبحته الْخَيل غدْوَة، فَلَمَّا لقُوَّة سلم عَلَيْهِم، فَدَعَاهُ أَصْحَاب نَبِي الله؛

فَقَتَلُوهُ، وَأخذُوا مَا كَانَ مَعْهُ من مَتَاع؛ فَأنْزل الله ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السّلم لست مُؤمنا﴾ لِأَن تَحِيَّة الْمُؤمنِينَ السَّلام؛ بهَا يَتَعَارَفُونَ، ويلقى بَعضهم بَعْضًا.
﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِم كَثِيرَة﴾ يعطيكموها ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أَي: ضلالا ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: وَمن قَرَأَ: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ فَالْمَعْنى: استسلم لكم.
[آيَة 95 - 96]

﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الضَّرَرَ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل الله﴾ - جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛

فَقَالَ: أَنَا كَمَا تَرَى وَكَانَ أَعْمَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ادْعُوا لِي زَيْدًا وَلْيَأْتِ بِاللَّوْحِ أَوِ الْكَتِفِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة ﴿غَيْرَ﴾ بِالْفَتْح؛ على معنى: الِاسْتِثْنَاء.
﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يَعْنِي: الْجنَّة.
وَهَذِه نزلت بَعْدَمَا صَار الْجِهَاد تَطَوّعا.
قَالَ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ الْآيَة.

قَالَ مُحَمَّد: ﴿دَرَجَات﴾ نصب على الْبَدَل، من قَوْله: ﴿أجرا عَظِيما﴾ يَحْيَى: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمِائَةَ دَرَجَةٍ، بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، وَلا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، (ل 72) وَلا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا بَعْدِي، مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ تغزوا، ولوددت أَنِّي أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلَ ثُمَّ أَحْيَا ثمَّ أقتل)).
[آيَة 97 - 101]

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم﴾ قَالَت لَهُم الْمَلَائِكَة: فيمَ كُنْتُم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ يَعْنِي: مقهورين فِي أَرض مَكَّة ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ أَي: إِلَيْهَا.
تَفْسِير قَتَادَة: قَالَ: هَؤُلاءِ قوم كَانُوا بِمَكَّة تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ؛ فَلَمَّا خرج أَبُو جهل وَأَصْحَابه، خَرجُوا مَعْهُ؛ فَقتلُوا يَوْم بدر، وَاعْتَذَرُوا [بالأعذار]، فَأبى الله أَن يقبل ذَلِك مِنْهُم،

ثُمَّ عذر الله الَّذِينَ بِمَكَّة واستثناهم، فَقَالَ: (إِلا

الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والوالدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة} أَي: لَا قُوَّة لَهُم فَيخْرجُونَ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ لَا يعْرفُونَ طَرِيقا إِلَى الْمَدِينَة.

﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ و ﴿عَسى﴾ من الله وَاجِبَة.

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسعة﴾ أَي: مُهَاجرا فيهاجر إِلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّد: المراغم وَالْمُهَاجِر وَاحِد؛ يُقَال: راغمت وَهَاجَرت، وَأَصله: أَن الرجل إِذا أسلم خرج عَنْ قومه مراغما لَهُم؛ أَي: مغاضبا مقاطعا.
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُوله﴾ الْآيَة.
يَحْيَى: عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: ((سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ؛ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ قَدْ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ أَدْنَفَ لِلْمَوْتِ، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إِلَى النَّبِيِّ.
فَوُجِّهَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَانْتَهَى إِلَى عَقَبَةٍ سَمَّاهَا فَتُوُفِّيَ بِهَا؛ فَأَنْزَلَ الله فِيهِ هَذِه الْآيَة)).

﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أَن يقتلكم ﴿الَّذين كفرُوا﴾ هَذَا قصر صَلَاة الْخَوْف.
[آيَة 102 - 104]

[آيَة 102 - 104]

﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾ قَالَ مُجَاهِد: ((إِن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصحابه كَانُوا بعسفان، وَالْمُشْرِكُونَ بضجنان فتواقفوا فصلى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِأَصْحَابِهِ الظّهْر أَرْبعا؛ ركوعهم وسجودهم وقيامهم مَعًا، فهم بهم الْمُشْركُونَ أَن (يُغيرُوا) على أمتعتهم وأثقالهم، فَأنْزل الله ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ الْآيَة).
قَوْله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ﴾ أَي: يضعون أسلحتهم وهم (يحذرون}.
قَالَ مُحَمَّد: ذكر يحيى سُنة صَلَاة الْخَوْف، وَنقل فِيهَا اخْتِلَافا؛ فاختصرت ذَلِكَ؛ إِذْ لَهُ مَوْضِعه من كتب الْفِقْه.

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ (قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى

جنوبكم} تَفْسِير قَتَادَة: افْترض الله ذكره عِنْد الْقِتَال ﴿فَإِذا اطمأننتم﴾ يَعْنِي: فِي أمصاركم.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَقُولُ: فَأتمُّوا الصَّلَاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَي: مَفْرُوضًا

﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أَي: لَا تضعفوا فِي طَلَبهمْ ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تألمون﴾ يَعْنِي: وجع الْجراح ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يرجون﴾ أَي: من ثَوَابه مَا لَا يَرْجُو الْمُشْركُونَ، يرغبهم بذلك فِي الْجِهَاد.
[آيَة 105 - 106]

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله﴾ فِي الْوَحْي ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خصيماً﴾ تَفْسِير الحَسَن: ((أَن رجلا من الْأَنْصَار سرق درعا فاتهم عَلَيْهَا حتَّى فَشَتْ القالة؛ أَنَّهُ سرق الدرْع؛ فَانْطَلق فاستودعها رجلا من الْيَهُود، ثُمَّ أَتَى قومه، فَقَالَ: ألم تروا إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتهموني على الدرْع؛ فوَاللَّه مَا زلت أطلب وأبحث حتَّى وَجدتهَا عِنْد فلَان الْيَهُودِيّ؛ فَأتوا الْيَهُودِيّ فوجدوا عِنْده الدرْع، (ل 73) فَقَالَ: وَالله مَا سرقتها، إنَّمَا استودعنيها ثُمَّ قَالَ الْأنْصَارِيّ لِقَوْمِهِ: انْطَلقُوا إِلَى النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقولُوا لَهُ، فَليخْرجْ فليعذرني، فَتسقط عني القالة، فَأتى قومه رَسُول الله فَقَالُوا: يَا رَسُول االله، اخْرُج فاعذر فلَانا، حتَّى تسْقط عَنْه القالة، فَأَرَادَ رَسُول الله أَن يفعل، فَأنْزل الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا

تكن للخائنين خصيماً} أَي: أَن الْأنْصَارِيّ هُوَ سَرَقهَا؛ فَلَا تعذرنه،

واستغفر الله مِمَّا كنت هَمَمْت بِهِ أَن تعذره.
[آيَة 107 - 113]

﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ أَي: أَن الْأنْصَارِيّ [سَرَقهَا أَي] خانها، والأنصاري: طعمة بْن أُبَيْرِق وَكَانَ منافقاً)).

﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ من الله﴾ ﴿أَي: يستحيون من النَّاس، وَلَا يستحيون من الله﴾.

﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل﴾ يَعْنِي: مَا قَالَ الْأنْصَارِيّ: إِن الْيَهُودِيّ سَرَقهَا.

ثُمَّ أقبل على قوم الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِم وَكيلا﴾ أَي: حفيظا لأعمالهم؛ فِي تَفْسِير الْحسن

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل