الكهف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تَفْسِيرُ سُوْرَةِ الْكَهْفِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كلهَا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 1 آيَة 8).
قَوْله: ﴿الْحَمد لله﴾ حَمِدَ نَفْسَهُ، وَهُوَ الْحَمِيدُ ﴿الَّذِي أنزل على عَبده﴾ مُحَمَّد ﴿الْكتاب﴾ الْقُرْآنَ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ يَقُولُ: لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا اخْتِلَاف
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أَيْ: بِعَذَابٍ شَدِيدٍ مِنْ لَدُنْهُ؛ أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أجرا حسنا﴾ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا ﴿وَلا لآبَائِهِمْ﴾ الَّذِينَ كَانُوا فِي الشِّرْكِ ﴿كَبُرَتْ كلمة تخرج من أَفْوَاههم﴾ (كلمة) بِالنَّصْبِ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْرَؤُهَا (كَلِمَةٌ) بِالرَّفْعِ؛ وَتَفْسِيرُهَا: كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ كَلِمَةً أَنْ قَالُوا أَنَّ لِلَّهِ ولدا.
قَالَ مُحَمَّد: وَمن قَرَأَهَا بِالنَّصْبِ، فَهُوَ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ بِمَعْنَى: كَبُرَتْ مَقَالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولدا كلمة.
﴿فلعلك باخع نَفسك﴾ أَيْ: قَاتِلٌ نَفْسَكَ ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِهِمْ ﴿إِنْ لَمْ يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿أسفا﴾ أَيْ: حُزْنًا عَلَيْهِمُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: (أسفا) مَنْصُوبٌ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
﴿لنبلونهم﴾ لنختبرهم ﴿أَيهمْ أحسن عملا﴾ أَي: أطوع لله.
﴿وَإِنَّا لجاعلون مَا عَلَيْهَا﴾ مَا عَلَى الْأَرْضِ ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: الْجُرُزُ: الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا نَبَاتٌ.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: أَرض جرز، وأراضون أَجْرَازٌ، وَالصَّعِيدُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْمُسْتَوِي.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 9 آيَة 16).
﴿أم حسبت﴾ أَيْ: أَفَحَسِبْتَ ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَقُولُ: قَدْ كَانَ فِي آيَاتِنَا مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْكَهْفُ: كَهْفُ الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ: الْوَادِي الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَة﴾ أَيْ: رِزْقًا.
﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أمرنَا رشدا﴾
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: أَرْشِدْنَا إِلَى مَا يُقَرِّبُ مِنْكَ.
قَالَ يَحْيَى: كَانُوا قَوْمًا قَدْ آمَنُوا، وَفَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانَ قَوْمُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَخَشُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْقَتْل.
قَالَ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْف سِنِين عددا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: و (عددا) مَنْصُوب (ل 192) عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ: تُعَدُّ عَدًا.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أحصى لما لَبِثُوا أمدا﴾ قَالَ مُحَمَّد: (أمدا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ؛ الْمَعْنَى: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِلُبْثِهِمْ فِي الأمد، وَقَوله: ﴿ثمَّ بعثناهم﴾ يَعْنِي: مِنْ نَوْمِهِمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَاكِنٌ حَرَّكْتَهُ لِلتَّصَرُّفِ
فقد بعثته.
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَي: خبرهم.
﴿وزدناهم هدى﴾ يَعْنِي: إِيمَانًا.
﴿وربطنا على قُلُوبهم﴾ بِالْإِيمَانِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: أَلْهَمْنَاهُمُ الصَّبْرَ، وَثَبَّتْنَا قُلُوبَهُمْ.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذا شططا﴾ قَالَ قَتَادَة: يعنون: جورا.
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ؛ بِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِمْ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى على الله كذبا﴾ أَي: لَا أحد أظلم مِنْهُ.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا الله﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وَهَذَا تَفْسِيرُهَا ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْف﴾ أَيْ: فَانْتَهُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أَي: يبسط لكم من رزقه؛ فِي تفسر السّديّ.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 17 آيَة 20).
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ أَيْ: تَمِيلُ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمين وَإِذا غربت تقرضهم﴾ أَي: تتركهم ﴿ذَات الشمَال﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: لَا تَدْخُلُ الشَّمْسُ كَهْفَهُمْ ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أَيْ: فِي فَضَاءٍ مِنَ الْكَهْفِ.
قَالَ مُحَمَّد: (تزاور) الْأَصْلُ فِيهِ: (تَتَزَاوَرُ) فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الزَّاي، و (تفرضهم) أَصْلُ الْقَرْضِ: الْقَطْعُ وَالتَّفْرِقَةُ، وَالْقِرَاءَةُ (تقرضهم) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى (تَقْرُضُهُمْ) بِالضَّمِّ.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾ أَيْ: صَاحِبًا يُرْشِدُهُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: (المهتد) وَقَعَتْ فِي الْمُصْحَفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَوَقَعَتْ فِي الْأَعْرَافِ بِالْيَاءِ، وَحَذْفُ الْيَاءِ جَائِزٌ فِي الْأَسْمَاءِ، وَلَا
يجوز فِي الْأَفْعَال.
﴿وتحسبهم أيقاظا﴾ أَيْ: مُفَتَّحَةٌ أَعْيُنُهُمْ ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْأَيْقَاظُ: الْمُنْتَبِهُونَ، وَالرُّقُودُ: النِّيَامُ.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشمَال﴾ قَالَ قَتَادَةُ: فِي رَقْدَتِهِمُ الْأُوْلَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا.
قَالَ أَبُو عِيَاضٍ: لَهُمْ فِي كُلِّ عَامٍ تَقْلِيبَتَانِ ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ أَيْ: بِفِنَاءِ الْكَهْفِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُم رعْبًا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: (فِرَارًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وليت: فَرَرْت، و (رعْبًا) مَنْصُوب على التَّمْيِيز.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وَكَانُوا دَخَلُوا الْكَهْفَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةٌ، فَقَالُوا: ﴿أَو بعض يَوْم﴾، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا؛ فَرَدُّوا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فَقَالُوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِه﴾ أَي: بدراهمكم ﴿إِلَى الْمَدِينَة﴾ وَكَانَتْ مَعَهُمْ دَرَاهِمَ ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَاما﴾ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَيُّهَا أَحَلُّ.
قَالَ يَحْيَى: وَقَدْ كَانَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِمْ مَا لَا يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَهُ.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يشعرن﴾ يعلمن ﴿بكم أحدا﴾
﴿إِنَّهُم إِن يظهروا عَلَيْكُم﴾ أَي: يطلعوا عَلَيْكُم ﴿يرجموكم﴾ يَقْتُلُوكُمْ بِالْحِجَارَةِ ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي ملتهم﴾ الْكُفْرِ ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ إِن فَعلْتُمْ.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 21 آيَة 22).
﴿وَكَذَلِكَ أعثرنا عَلَيْهِم﴾ أَيْ: أَطْلَعْنَا عَلَيْهِمْ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي أَحْيَاهُمُ اللَّهُ فِيهِ ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لَا شَكَّ فِيهَا ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينهم أَمرهم﴾ يَعْنِي: قَوْمَهُمْ؛ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمَّةُ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنْهُمْ قَدْ بَادَتْ، وَخَلَفَتْ بَعْدَهُمْ أُمَّةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا على الْإِسْلَام، ثمَّ إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْبَعْثِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُبْعَثُ النَّاسُ فِي أَجْسَادِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ كَانَ الْمُلْكُ مِنْهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُبْعَثُ الْأَرْوَاحُ بِغَيْرِ أَجْسَادٍ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ (ل 193) يَرَوْنَ أَنَّهَا تِلْكَ الْأُمَّةُ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْهُمْ.
[وَدَخَلَ] الْمَدِينَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالرُّومِ يُقَالُ لَهَا: قَبْسُوسُ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ؛ لِيَشْتَرِيَ بِهَا الطَّعَامَ، فَاسْتُنْكِرَتِ الدَّرَاهِمُ، وَأُخِذَ فَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَلِكِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِذَا الدَّرَاهِمُ
دَرَاهِمُ الْمَلِكُ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ؛ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ وَجَدَ كَنْزًا، فَلَمَّا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُعَذَّبَ أَطْلَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُمُ الْمَلِكُ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَعْلَمَكُمْ أَنَّ النَّاسَ ليُبْعَثُونَ فِي أَجْسَامِهِمْ، فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَالنَّاسُ مَعَهُ؛ حَتَّى أَتَوْا إِلَى الْكَهْفِ وَتَقَدَّمَهُمُ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَرَأَهُمْ وَرَأَوْهُ مَاتُوا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَتَتْ عَلَيْهِمْ آجَالُهُمْ، فَقَالَ الْقَوْمُ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِهَؤُلَاءِ؟! ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بنيانا﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
قَالَ الله: ﴿سيقولون﴾ سَيَقُولُ أَهْلُ الْكِتَابِ: ﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رجما بِالْغَيْبِ﴾ قَالَ: السُّدِّيُّ: يَعْنِي: رَمْيًا بِقَوْلِ الظَّنِّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى يَقُولُونَ ذَلِكَ ظَنًّا بِغَيْرِ يَقِينٍ.
قَالَ زُهَيْرٌ:
(وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ)
قَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنْهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا مِنْ أُولَئِكَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ اسْتَثْنَى اللَّهُ؛ كَانُوا سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
قَالَ: ﴿فَلا تمار فيهم﴾ يَقُولُ اللَّهُ للنَّبِيِّ: فَلَا تُمَارِ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿إِلَّا مراء ظَاهرا﴾ أَيْ: إِلَّا بِمَا أَخْبَرْتُكَ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: أَفْتِ فِي قِصَّتِهِمْ بِالظَّاهِرِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾ فِي أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ من الْيَهُود.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 23 آيَة 26).
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تَسْتَثْنِي.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: إِلَّا أَنْ تَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَأُضْمِرَ الْقَوْلُ؛ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبك إِذا نسيت﴾.
قَالَ يَحْيَى: " بَلَغَنَا أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله عَلَيْهِ السَّلَام: أُخْبِرُكُمْ عَنْهَا غَدًا.
وَلَمْ يَسْتَثْنِ؛ فَأنْزل اللَّه هَذِه الْآيَة ".
قَالَ الْحَسَنُ: أُمِرَ أَلا يَقُولَ لِشَيْءٍ فِي الْغَيْبِ: إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، دَوْنَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَأُمِرَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إِذَا ذَكَرَ؛ فَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَلَا ثُنْيَا لَهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ نَاسٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ فَلَهُ ثُنْيَاهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ تَكَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَب من هَذَا رشدا﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى: عَسَى رَبِّي أَنْ يُعْطِيَنِي مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَالَاتِ عَلَى النُّبُوَّةِ مَا يَكُونُ أَقْرَبُ فِي الرُّشْدِ، وَأَدَلُّ مِنْ قصَّة أَصْحَاب الْكَهْف.
﴿وَلَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاثمِائَة﴾ ثمَّ أخبر مَا تِلْكَ الثلاثمائة، فَقَالَ: ﴿سِنِين﴾.
قَالَ مُحَمَّد: (سِنِين) عطف على ثَلَاثمِائَة؛ وَهَذَا الْعَطْفُ يُسَمِّيهِ النَّحَوِيُّونَ: عَطْفُ الْبَيَانِ وَالتَّوْكِيدُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أَيْ: تِسْعَ سِنِينَ.
تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَهْلُ الْكِتَابِ، رَجْعٌ إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَة وثامنهم كلبهم﴾ وَيَقُولُونَ: ﴿لَبِثُوا فِي كهفهم ثَلَاثمِائَة سِنِين، وازدادوا تسعا﴾.
قَالَ قَتَادَةُ: فَرَدَّ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غيب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: يعلم غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴿أَبْصِرْ بِهِ وأسمع﴾ يَقُولُ: مَا أَبْصَرَهُ وَمَا أَسْمَعَهُ!
قَوْلِهِ: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من ولي﴾ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴿وَلا يُشْرك فِي حكمه أحدا﴾ أَيْ: وَلَا يُشْرِكُ اللَّهُ فِي حكمه أحدا.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 27 آيَة 31).
﴿لَا مبدل لكلماته﴾ لَا يُغَيِّرُ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِ مَا قَالَ فِي الدُّنْيَا ﴿وَلَنْ تَجِد من دونه ملتحدا﴾ (ل 194) قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي [مَوْئِلًا] قَالَ: مُلْتَحَدًا؛ أَيْ: نَصِيرًا؛ يُقَالُ: لَحَدْتُ وألحدت بِمَعْنى: عدلت.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ قَالَ قَتَادَةُ: هُمَا الصَّلَاتَانِ: صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَصَلَاةُ الْعَصْرِ، وَبَعْدَهُمْا فُرِضَتِ الصَّلَوَات قبل خُرُوج النَّبِي مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ ﴿وَلَا تعد عَيْنَاك عَنْهُم﴾ مَحَقَرَةٌ لَهُمْ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى (لَا تعد): لَا تصرف بَصرك عَنْهُم إِلَّا غَيْرِهِمْ.
قَالَ يَحْيَى: نَزَلَتْ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ؛ قَالَ الْمُشْركُونَ للنَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ نُجَالِسَكَ فَاطْرُدْ عَنَّا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ.
يَحْيَى: عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ (عَمْرِو) بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَذِكْرُ اللَّهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَطْمِ السُّيُوفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمِنْ إِعْطَاءِ الْمَالِ سَحًّا ". يَحْيَى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: " لَأَنْ أُجَالِسَ أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ مَا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَلَأَنْ أُجَالِسَ أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بَعْدَ صَلَاةٍ الْعَصْرِ؛ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أحب إِلَيّ من أُعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ".
قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يَعْنِي: شَهْوَتَهُ ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ يَعْنِي: تضييعا
﴿وَقل الْحق من ربكُم﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: الْقُرْآنَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: وَقُلِ الَّذِي آتَيْتُكُمْ بِهِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هَذَا وَعِيدٌ؛ أَيْ: مَنْ آمَنَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَفَرَ دَخَلَ النَّارَ.
قَوْلُهُ: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ يَعْنِي: سُورُهَا ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمهْلِ﴾ تَفْسِيرِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَا أُذِيبَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: مُهْلٌ.
﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أَيْ: يَحْرِقُهَا إِذَا أَهْوَى لِيَشْرَبَهُ ﴿بئس الشَّرَاب وَسَاءَتْ مرتفقا﴾ أَيْ: مَنْزِلًا وَمَأْوًى؛ وَهَذَا وَعِيدٌ لِمَنْ كَفَرَ.
قَالَ مُحَمَّد: (مرتفقا) مَنْصُوب على التَّمْيِيز.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أساور من ذهب﴾.
يَحْيَى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَوْ بَدَا إِسْوَارُهُ لَغَلَبَ عَلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ ".
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَحَدٌ إِلَّا وَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَسْوِرَةٍ: إِسْوَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَإِسْوَارٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ.
﴿وَيلبسُونَ ثيابًا من سندس وإستبرق﴾ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنَ الْحَرِيرِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: إِنَّ السُّنْدُسَ رَقِيقُ الدِّيبَاجِ، وَالْإِسْتَبْرَقَ ثَخِينُهُ.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك﴾ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَرَائِكَ: السُّرُرَ عَلَيْهَا الحجال.
سُورَة الْكَهْف من (آيَة 32 40).
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ: جَعَلْنَا النَّخْلَ مُطْبِقًا بِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ نَصَبَهُمَا عَلَى مَعْنَى الْمَفْعُولِ؛ أَيْ: اضْرِب لَهُم رجلَيْنِ مثلا.