الرحمن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
تَفْسِير سُورَة الرَّحمن وَهِي مَكِّيَّة كلهَا
بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن من الْآيَة 1 إِلَى الْآيَة 16.
قَوْله: ﴿علمه الْبَيَان﴾ علمه الْكَلَام
﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ تَفْسِير الْكَلْبِيّ: بِحِسَاب ومنازل مَعْدُودَة، كل يَوْم منزل
﴿والنجم وَالشَّجر يسجدان﴾ النَّجْم: مَا كَانَ من النَّبَات على غير سَاق، والشجرُ مَا كَانَ على سَاق.
وسجودهما ظلُّهما.
قَالَ محمدٌ: يُقَال: نَجَمَ النَّبَات ينجم نجوما، وبقل يبقل بقولا.
﴿وَالسَّمَاء رَفعهَا﴾ بَينهَا وَبَين الأَرْض مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ﴿وَوضع الْمِيزَان﴾ أَي: وَجعل الْمِيزَان فِي الأَرْض بَين النَّاس
﴿أَلا تطغوا فِي الْمِيزَان﴾ أَلا تظلموا
﴿وَأقِيمُوا الْوَزْن بِالْقِسْطِ﴾ بِالْعَدْلِ ﴿وَلَا تخسروا الْمِيزَان﴾ أَي: لَا تنقصوا النَّاس.
قَالَ محمدٌ: يُقَال: أَخْسَرتُ الْمِيزَان وخسرت.
وَالْقِرَاءَة بِضَم التَّاء.
﴿وَالْأَرْض وَضعهَا للأنام﴾ لِلْخلقِ
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ قَالَ الْحسن: الأكمام: الليف.
قَالَ محمدٌ: أكمام النَّخْلَة: مَا غطى جُمَّارها من السّعَف والليف والطلعة، كمها: قشرها.
قَوْله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ العصف: سوق الزَّرْع، وَالريحَان: الرزْقُ فِي تَفْسِير الْكَلْبِيّ.
وَكَانَ يقْرَأ ﴿وَالريحَان﴾ بِالْجَرِّ وَيجْعَل العصفَ وَالريحَان جَمِيعًا من صفة الزَّرْع، وَكَانَ الْحسن يقْرَأ (وَالريحَان) بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء أَي: وفيهَا الريحانُ.
وَالريحَان فِي تَفْسِير الْحسن: الرياحين الَّتِي تُشَمُّ.
قَالَ محمدٌ: وَالْعرب تسمي الرزق.
الريحان، يُقَال: خرجت أطلب ريحَان اللَّه.
وَمِنْه قَول النَّمِر بْن توْلَب:
(سَلَامُ الإِلَهِ وَرَيْحانُهُ ... وَرَحْمَتُهُ وَسَمَاءٌ دِرَرْ)
معنى ريحانه: رزقه.
قَوْله: ﴿فَبِأَي آلَاء﴾ أَي: نعماء ﴿رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يَعْنِي: الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس.
قَالَ محمدٌ: قيل: ذكر اللَّه - عز وَجل - فِي هَذِه السُّورَة مَا ذكر من خلق الْإِنْسَان وَتَعْلِيم الْبَيَان، وَمن خلق الشَّمْس وَالْقَمَر وَالسَّمَاء وَالْأَرْض وَغير ذَلِك مِمَّا ذكر من آلائه الَّتِي أنعم بهَا، وَجعلت قِوَامًا ووُصْلَةً إِلَى الْحَيَاة، ثمَّ خَاطب الْإِنْس وَالْجِنّ فَقَالَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أَي: فَبِأَي نعم رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ من هَذِه الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة، أَي: أَنكُمْ تصدقُونَ بِأَن ذَلِك كُله من عِنْده، وَهُوَ أنعم بِهِ عَلَيْكُم، وَكَذَلِكَ فوحِّدوه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ غَيره، والآلاء وَاحِدهَا إِلَّا مثل مَعًا.
قَوْله: ﴿خلق الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: آدم ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ وَهُوَ التُّرَاب الْيَابِس الَّذِي يُسْمَع لَهُ صلصلة إِذا حُرِّك، وَكَانَ آدم فِي حالات قبل أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح، وَقد قَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ وَقَالَ: ﴿من حمإ مسنون﴾.
قَوْله: ﴿وَخلق الجان﴾ إِبْلِيس ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ أَي: من لِسَان النَّار ولهبها فِي تَفْسِير الحَسَن.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال للهب النَّار: مارجٌ لاضطرابه، من مرج الشَّيْء يَعْنِي اضْطربَ وَلم يسْتَقرّ.
قَالَ الْحسن: الْإِنْس كلهم من عِنْد آخِرهم ولد آدم.
(ل 348) وَالْجِنّ كلهم من عِنْد آخِرهم ولد إِبْلِيس.
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن من الْآيَة 17 إِلَى الْآيَة 30.
﴿رب المشرقين وَرب المغربين﴾ مشرق الشتَاء ومشرق الصَّيف، ومغرب الشتَاء ومغرب الصَّيف.
﴿مرج الْبَحْرين يَلْتَقِيَانِ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: أَفَاضَ أَحدهمَا فِي الآخر.
قَالَ محمدٌ: معنى مرج: خلط وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ قَتَادَة.
﴿بَينهمَا برزخ لَا يبغيان﴾ بَين العذب والمالح حاجزٌ من قدرَة اللَّه لَا يَبْغِي أَحدهمَا على صَاحبه، لَا يَبْغِي المالح على العذب فيختلط بِهِ، وَلَا العذب على المالح فيختلط بِهِ.
﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: اللُّؤْلُؤ: الْكِبَار، والمرجان: الصغار.
قَالَ يحيى: وَمعنى (يخرج مِنْهُمَا) أَي: من أَحدهمَا.
قَالَ محمدٌ: قَالَ ﴿يخرج مِنْهُمَا﴾ وَإِنَّمَا يخرج من الْبَحْر المالح؛ لِأَنَّهُ قد
ذكرهمَا وجمعهما، فَإِذا خرج من أَحدهمَا فقد خرج مِنْهُمَا، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ يحيى.
والواحدة: مرْجَانَة.
﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كالأعلام﴾ يَعْنِي: السفن الَّتِي عَلَيْهَا شُرُعها، وَهِي القُلُع.
قَالَ محمدٌ: كتبتْ بِلَا يَاء، وَمن وقف عَلَيْهَا وقف بِالْيَاءِ، وَالِاخْتِيَار وَصْلُها؛ ذكره الزَّجاجُ، وَمعنى الْمُنْشَآت: الَّتِي أُنْشئن، والأعلام: الْجبَال.
﴿كل من عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: على الأَرْض
﴿فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلَال﴾ يَعْنِي: العظمة ﴿وَالْإِكْرَام﴾ لأهل طَاعَته.
﴿يسْأَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ يسْأَله أهل السَّمَاء الرَّحْمَة، ويسأله أهل الأَرْض الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة والرزق وحوائجهم، ويدعوه الْمُشْركُونَ عِنْد
الشدَّة، وَلَا يسْأَله الْمَغْفِرَة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾ يُمِيت وَيحيى مَا يُولد، ويجيب دَاعيا، وَيُعْطِي سَائِلًا، ويشفي مَرِيضا، ويفك عانيًا، وشأنه كثير لَا يُحْصَى؛ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ.
قَالَ محمدٌ: قيل الْمَعْنى: هُوَ فِي تَنْفِيذ مَا قدر اللَّه أَن يكون فِي ذَلِك الْيَوْم، وَهُوَ مَذْهَب يحيى.
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن من الْآيَة 31 إِلَى الْآيَة 40.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ﴾ الْجِنّ وَالْإِنْس؛ أَي: سنحاسبكم فنعذبكم، وَهِي كلمة وَعِيد؛ يَعْنِي: الْمُشْركين مِنْهُم.
قَالَ محمدٌ: لُغَة أهل الْحجاز: فَرَغ يَفْرُغُ - بِضَم الرَّاء - فُرُوغًا، وَتَمِيم تَقول: فَرَغ يفرَغ - بِفَتْح الرَّاء - فراغا.
﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين مِنْهُم ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تنفذوا من أقطار السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ من نَوَاحِيهَا (فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِحجَّة فِي تَفْسِير مُجَاهِد.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ يَعْنِي: الْكفَّار من الْجِنّ وَالْإِنْس ﴿شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ الشُّواظ: اللهب الَّذِي لَا دُخان فِيهِ، والنحاس: الدُّخان الَّذِي لَا
لَهب فِيهِ؛ هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس.
قَالَ محمدٌ: من قَرَأَ (نُحَاس) بِالرَّفْع فعلى معنى: ويُرْسَلُ عَلَيْكُمَا نُحَاس.
﴿فَلَا تنتصران﴾ تمتنعان.
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ محمرة ﴿كالدهان﴾ يَعْنِي: كَعَكرِ الزَّيْت؛ فِي تَفْسِير زيد بن أسلم.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنس وَلَا جَان﴾ أَي: لَا يُطْلب علم ذَلِك من قبلهم.
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن من الْآيَة 41 إِلَى الْآيَة 45.
﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ بسواد وُجُوههم وزرقة أَعينهم.
﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ يجمع بَين ناصيته وقدَميْه من خَلفه، ثمَّ يلقى فِي النَّار.
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ الْمُشْركُونَ
﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ يَعْنِي: الْحَار الَّذِي انْتهى حَرُه.
قَالَ محمدٌ: أَنى يأني وَهُوَ آنٍ.
قَالَ يحيى: بلغنَا أَن شَجَرَة الزقوم نابتة فِي الْبَاب السَّادس من جَهَنَّم على صَخْرَة من نَار، وتحتها عيْنٌ من الْحَمِيم أسود غليظ، فيسلّط على أحدهم الْجُوع، فيُنْطلق بِهِ فيأكل مِنْهَا حَتَّى يمْلَأ بطْنَه، فتغلي فِي بَطْنه كغلي الْحَمِيم، فيطلب الشَّرَاب ليبرد بِهِ جوْفَه، فَينزل من الشَّجَرَة إِلَى تِلْكَ الْعين الَّتِي تخرج من تَحت الصَّخرة من فَوْقهَا الزقوم، وَمن تحتهَا الحميمُ، فتزل قدماه فَيَقَع لظهره وجنبه، فينشوي عَلَيْهَا كَمَا ينشوي الْحُوت على المِقلى، فتسحبه الخُزَّان على وَجهه، فينحدر إِلَى تِلْكَ العَيْنِ، فَلَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا إِلَّا وَقد ذهب لحم وَجهه حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى تِلْكَ الْعين فيسقيه الخُزَّان فِي إِنَاء من فَإِذا (ل 349) فِيهِ اشتوى وَجهه، وَإِذا وَضعه على شَفَتَيْه تقطعت شفتاه وتساقطت أَضْرَاسه وأنيابه من حره؛ فَإِذا اسْتَقر فِي بَطْنه أخرج مَا كَانَ فِي بَطْنه من دُبُره.
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن من الْآيَة 46 إِلَى الْآيَة 61.
﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه﴾ يَعْنِي: الَّذِي يقوم بَين يَدي ربه لِلْحسابِ فِي تَفْسِير
الْحسن ﴿جنتان﴾ قَالَ الْحسن: هِيَ أَربع جنَّات: جنتان للسابقين وهم أَصْحَاب الْأَنْبِيَاء، وجنتان للتابعين.
﴿ذواتا أفنان﴾ أَغْصَان؛ يَعْنِي: ظلال الشّجر؛ فِي تَفْسِير الْحسن.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدهَا فنن.
﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أَي: نَوْعَانِ.