الإسراء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: وَافِرًا:
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: وَفَّرْتُ عَلَيْهِ مَاله أفره فَهُوَ مَوْفُورٌ؛ أَيْ: مُوَفَّرٌ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ زُهَيْرٍ: - (وَمِنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ وَمِنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمُ)
قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بصوتك﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: هُوَ الدُّفُّ وَالْمِزْمَارُ.
قَالَ مُحَمَّد: وَمعنى (استفزز): اسْتَخِفَّ.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ رَاكِبٍ فِي مَعْصِيّة الله فَهُوَ من خَيْلُ إِبْلِيسَ، وَكُلُّ مَاشٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهُوَ مِنْ رَجِلِ إِبْلِيسَ ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: (فِي الْأَمْوَال) يَعْنِي: مَا كَانَ مِنْ مَالٍ بِغَيْر طَاعَة الله، و (الْأَوْلَاد) (ل 187) يَعْنِي: أَوْلَاد الزِّنَا ﴿وعدهم﴾ بِالْأَمَانِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَا بَعْثٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ، وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلشَّيْطَانِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ فَاجْهَدْ عَلَى جَهْدِكَ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ لَهُ بِهِ.
قَالَ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غرُورًا﴾.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 65 آيَة 69).
﴿إِن عبَادي﴾ يَعْنِي: مَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُؤْمِنًا ﴿لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ أَنْ تُضِلَّهُمْ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ أَيْ: حِرْزًا وَمَانِعًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ أَيْ: يُجْرِيهَا ﴿فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا من فَضله﴾ يَعْنِي: طَلَبَ التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ ﴿إِنَّه كَانَ بكم رحِيما﴾ فَبِرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ سَخَّرَ لَكُمْ ذَلِكَ، وَالرَّحْمَةُ لِلْكَافِرِ فِي هَذَا رَحْمَةُ الدُّنْيَا.
﴿وَإِذا مسكم الضّر﴾ يَعْنِي: الْأَهْوَالَ ﴿فِي الْبَحْرِ ضَلَّ من تدعون﴾ يَعْنِي: مَا تَعْبُدُونَ ﴿إِلا إِيَّاهُ﴾ يَقُولُ: إِلَّا إِيَّاهُ تَدْعُونَ كَقَوْلِهِ ﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنَ الْغَرَقِ إِلَّا هُوَ ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبر أعرضتم﴾ عَنِ الَّذِي نَجَّاكُمْ، وَرَجَعْتُمْ إِلَى شرككم ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان كفورا﴾ يَعْنِي: الْمُشرك.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبر﴾ كَمَا خَسَفَ بِقَوْمِ لُوطٍ وَبِقَارُونَ ﴿أَو يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ: حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ يَحْصِبُكُمْ بِهَا كَمَا فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لكم وَكيلا﴾ أَي: منيعا وَلَا نَصِيرًا
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ فِي الْبَحْر ﴿تَارَة أُخْرَى﴾ أَيْ: مَرَّةً أُخْرَى ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصفا من الرّيح﴾ يَعْنِي: الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ (فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ علينا
بِهِ تبيعا} أَيْ: أَحَدًا يَتْبَعُنَا بِذَلِكَ فَيَنْتَصِرَ لكم.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 70 آيَة 77).
﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ أَيْ: فَضَّلْنَا بَنِي آدَمَ عَلَى الْبَهَائِمَ وَالسِّبَاعِ وَالْهَوَامَّ ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ فَجَعَلَ رِزْقَهُمْ أَطْيَبَ مِنْ رِزْقِ الدَّوَابِّ وَالطير وَالْجِنّ.
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ: بِنَبِيِّهِمْ.
قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن يكون نصب (يَوْم) عَلَى مَعْنَى: اذْكُرْ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ.
﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أَيْ: قَدْرَ فَتِيلٍ، وَالْفَتِيلُ: الَّذِي يكون فِي بطن النواة.
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: يَقُولُ: مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَعْمَى عَمَّا عَايَنَ فِيهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَعَجَائِبِهِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ مَعَادًا، فَهُوَ فِيمَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ أَعْمَى ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾ أَيْ: طَرِيقًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا من عمى الْقلب؛ أَي: هُوَ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ عَمًى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ طَرِيقا إِلَى الْهِدَايَة.
﴿وَإِن كَادُوا﴾ أَي: قد كَادُوا ﴿لَيَفْتِنُونَك﴾ أَيْ: يَسْتَزِلُّونَكَ ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذا لاتخذوك خَلِيلًا﴾ لَو فعلت ذَلِك
﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاك﴾ عَصَمْنَاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئا قَلِيلا﴾
﴿إِذا لأذقناك﴾ لَو فعلت ﴿ضعف الْحَيَاة﴾ أَيْ: عَذَابُ الدُّنْيَا ﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أَيْ: عَذَابَ الْآخِرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: ضِعْفَ عَذَابِ الْحَيَاةِ، وَضِعْفَ عَذَابِ الْمَمَاتِ.
قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ قَوْمًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُكَلِّمُونَهُ وَيُفَخِّمُونَهُ، وَكَانَ فِي قَوْلِهِمْ أَنْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ لَا يَأْتِي بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا ... فَمَا زَالُوا يُكَلِّمُونَهُ حَتَّى كَادَ يُقَارِبُهُمْ يَلَيِنُ لَهُمْ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عصمه من ذَلِك.
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ﴾ يَعْنِي بِالْأَرْضِ: مَكَّةَ ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ أَيْ: يُخْرِجُونَكَ مِنْهَا بِالْقَتْلِ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ (خَلفك﴾ إِلَّا قَلِيلا} يَعْنِي: بَعْدَكَ حَتَّى يَسْتَأْصِلَهُمْ بِالْعَذَابِ لَو قتلوك
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ من رسلنَا﴾ أَنَّهُمْ إِذَا قَتَلُوا نَبِيَّهُمْ، أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ.
قَالَ مُحَمَّد: يجوز أَن يكون نصب (ل 188) (سنة) بِمَعْنَى: أَنَا (سَنَنْتُ) السُّنَّةَ فِيمَنْ أرسلنَا قبلك.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 78 آيَة 80).
﴿أقِم الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أَيْ: لِزَوَالِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءَ، يَعْنِي: صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ﴿إِلَى غسق اللَّيْل﴾ يَعْنِي: اجْتِمَاعَهِ وَظُلْمَتَهِ؛ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ عِنْدَ بَدْوِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ اللَّيْلِ، وَظُلْمَتُهُ إِذَا غَابَ الشَّفق ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ وَهِي صَلَاة الصُّبْح ﴿إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ تَشْهُدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ الْمَعْنى: وأقم قُرْآن الْفجْر.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ يَعْنِي: عَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ لَكَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: تَهَجَّدَ الرَّجُلُ إِذَا سَهِرَ، وَهَجَدَ إِذَا نَامَ.
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ: الشَّفَاعَةُ.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَة ابْن الْيَمَانِ قَالَ: " يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ حُفَاةً عُرَاةً؛ كَمَا
خُلِقُوا يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِيَ وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرَ، حَتَّى يُلْجِمَهُمُ الْعَرَقُ، وَلَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
قَالَ: فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالسَّعِيدُ مَنْ هَدَيْتَ، وَعَبْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ، وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، وَعَلَى عَرْشِكَ اسْتَوَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّ الْبَيْتِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اشْفَعْ.
قَالَ: فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وعده الله ".
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ يَعْنِي: الْمَدِينَةَ حِينَ هَاجَرَ إِلَيْهَا؛ أَمَرَهُ اللَّهُ بَهَذَا الدُّعَاءِ ﴿وَأَخْرِجْنِي مخرج صدق﴾ أَيْ: إِلَى قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَقَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَيُظْهِرُهُ عَلَيْهِمُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَنْ قَرَأَ ﴿مُدْخَلَ﴾ بِضَمِ الْمِيمِ، فَهُوَ مَصْدَرٌ أَدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، وَمَنْ قَرَأَ: (مَدْخَلَ) بِنَصْبِ الْمِيمِ، فَهُوَ عَلَى أَدْخَلْتُهُ فَدَخَلَ مَدْخَلَ صِدَقٍ.
وَكَذَلِكَ شَرْحُ (مُخْرَجَ) مِثْلُهُ ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عنْدك ﴿سُلْطَانا نَصِيرًا﴾ أَيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ؛ فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِد.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 81 آيَة 88).
﴿وَقل جَاءَ الْحق﴾ وَهُوَ الْقُرْآن ﴿وزهق الْبَاطِل﴾ وَهُوَ إِبْلِيسُ؛ هَذَا تَفْسِيرُ قَتَادَةَ ﴿إِن الْبَاطِل كَانَ زهوقا﴾ الزهوق: الداحض الذَّاهِب.
﴿وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾ كُلَّمَا جَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ كَذَّبُوا بِهِ، فَازْدَادُوا فِيهِ خَسَارًا إِلَى خسارهم.
﴿وَإِذا أنعمنا على الْإِنْسَان﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكَ؛ أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ السَّلَامَةَ والعافية ﴿أعرض﴾ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ ﴿وَنَأَى بجانبه﴾ تَبَاعَدَ عَنِ اللَّهِ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ ﴿وَإِذا مَسّه الشَّرّ﴾ الْأَمْرَاض والشدائد ﴿كَانَ يئوسا﴾ أَيْ: يَئِسَ أَنْ يُفَرَّجُ ذَلِكَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا حسبَة.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: عَلَى نَاحِيَتِهِ؛ لِذَا يَقْوَى الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَالْكَافِر على كفره.
﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ بَعَثُوا رُسُلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوا الْيَهُودَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفُوا لَهُمْ نَعْتَهُ وَقَوْلَهُ، ثُمَّ ائْتُونَا فَأَخْبِرُونَا.
فَانْطَلَقُوا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَوَجَدُوا بِهَا عُلَمَاءَ الْيَهُودِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ قَدِ اجْتَمَعُوا فِيهَا لِعِيدٍ لَهُمْ فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَنَعَتُوا لَهُمْ نَعْتَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ: إِنَّ هَذَا لَنَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَحَدَّثُ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثُهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ.
فَقَالَتْ لَهُ رُسُلُ قُرَيْشٍ: إِنَّهُ فَقِيرٌ عَائِلٌ يَتِيمٌ لَمْ يَتْبَعُهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ أَحَدٌ، وَلَا مِنْ ذَوِي الْأَسْنَانِ فَضَحِكَ الْحَبْرُ.
وَقَالَ: كَذَلِكَ نَجِدُهُ.
قَالَتْ لَهُ رُسُلُ قُرَيْشٍ: إِنَّهُ يَقُولُ قَوْلًا عَظِيمًا؛ يَدْعُو إِلَى الرَّحْمَنِ
بِالْيَمَامَةِ السَّاحِرُ الْكَذَّابُ يَعْنُونَ: مُسَيْلِمَةَ.
فَقَالَت لَهُم الْيَهُود: اذْهَبُوا (ل 189) فَسَلُوا صَاحِبَكُمْ عَنْ خِلَالٍ ثَلَاثٍ؛ فَإِنَّ الَّذِي بِالْيَمَامَةِ قَدْ عَجَزَ عَنْهُنَّ هُمَا اثْنَانِ مِنَ الثَّلَاثِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُمَا إِلَّا نَبِيٌّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِمَا فَقَدْ صَدَقَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، فَقَالَتْ لَهُمْ رُسُلُ قُرَيْشٍ: أَخْبِرُونَا بِهِنَّ.
فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: سَلُوهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ وَقَصُّوا عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُمْ وَسَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَحَدِّثُوهُمْ بِأَمْرِهِ وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَهُوَ كَاذِبٌ.
فَرَجَعَتْ رُسُلُ قُرَيْشٍ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ فَلَقِيَهُمْ فَقَالُوا: يَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّا سَائِلُوكَ عَنْ خِلَالٍ ثَلَاثٍ، فَإِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهِنَّ فَأَنْتَ صَادِقٌ، وَإِلَّا فَلَا تَذْكُرَنَّ آلِهَتِنَا بِشَيْءٍ.
فَقَالَ لَهُم رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ؛ فَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا عَنْهُمْ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ، وَأَخْبِرْنَا عَنْ ذِي الْقَرَنَيْنِ؛ فِإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا عَنْهُ بَأَمْرٍ بَيِّنٍ، وَأَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: انْظِرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ إِلَيَّ فِيهِ رَبِّي؟ قَالُوا: فَإِنَّا نَاظِرُوكَ فِيهِ ثَلَاثًا.
فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، ثُمَّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَاسْتَبْشَرَ بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، قَدْ رَأَيْتَ مَا سَأَلَ عَنْهُ قَوْمِي ثُمَّ لَمْ تَأْتِنِي! قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ فَإِذَا شَاءَ رَبُّكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾: ثُمَّ قَالَ لَهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَن أَصْحَاب الْكَهْف والرقيم﴾ فَذَكَرَ قِصَّتَهُمْ، وَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القرنين﴾ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ، ثُمَّ
لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ قُرَيْشًا فِي آخِرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: مَا أَحْدَثَ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الَّذِي سَأَلْنَاكَ عَنْهُ؟ فَقَصَّهُ عَلَيْهِمْ فَعَجِبُوا، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُصَدِّقُوهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يَعْنِي بِهِ: الْيَهُود؛ أَي: أَنهم لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.
قَالَ يَحْيَى: وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ؛ أَنَّهُ قَالَ: الرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله لَهُم أيد وأرجل.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَك بِهِ علينا وَكيلا﴾ أَيْ: وَلِيًا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ.
﴿إِلَّا رَحْمَة من رَبك﴾ فِيهَا إِضْمَارٌ يَقُولُ: وَإِنَّمَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ، الْآيَةُ.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ أَي: عوينا.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 89 آيَة 95).
﴿وَلَقَد صرفنَا للنَّاس﴾ أَيْ: ضَرَبْنَا لَهُمْ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآن من كل مثل﴾.
﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ ينبوعا﴾ أَي: عينا ببلدنا هَذَا
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا﴾ خلال تِلْكَ الْجنَّة
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ علينا كسفا﴾ قِطَعًا؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ ﴿أَوْ تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلا﴾ أَيْ: عِيَانًا؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ.
قَالَ مُحَمَّد: (قبيلا) مَأْخُوذ من الْمُقَابلَة.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زخرف﴾ أَيْ: مِنْ ذَهَبٍ ﴿أَوْ تَرْقَى﴾ تَصْعَدُ ﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لرقيك﴾ لِصُعُودِكَ أَيْضًا؛ فَإِنَّ السَّحَرَةَ قَدْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَتَأْخُذُ بِأَعْيُنِ النَّاسِ حَتَّى تُبَدِّلَ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كتابا نقرؤه﴾ إِلَى كُلَّ إِنْسَانِ بِعَيْنِهِ، مِنَ الله إِلَى فلَان ابْن فلَان وَفُلَان ابْن فلَان وَفُلَان ابْن فُلانٍ أَنْ آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ؛ فَإِنَّهُ رَسُولِي.
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كنت إِلَّا بشرا رَسُولا﴾ أَيْ: هَلْ كَانَتِ الرُّسُلُ تَأْتِي فِيمَا مَضَى بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ؟! أَنْتُمْ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يفعل بكم هَذَا.
﴿وَمَا منع النَّاس﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أبْعث الله بشرا رَسُولا﴾ (ل 190) عَلَى الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، فَلَوْ كَانَ من الْمَلَائِكَة لآمَنَّا بِهِ.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلَائِكَة يَمْشُونَ مُطْمَئِنين﴾ أَيْ: قَدِ اطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ فَهِي مَسْكَنُهُمْ ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاء ملكا رَسُولا﴾ وَلَكِنْ فِيهَا بِشْرٌ؛
فَأَرْسَلنَا إِلَيْهِم بشرا مثلهم.
سُورَة الْإِسْرَاء من (آيَة 96 آيَة 98).