تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 176-189
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأنفال

صفحات 176-189
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مكاءً وتصدية﴾ قَالَ الْحَسَنُ: الْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ؛ يَقُولُ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَكَانَ الصَّلاةِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ ليخلطوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم الصَّلَاة.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب﴾ يَعْنِي: الْقَتْلَ بِالسَّيْفِ قَبْلَ عَذَابِ الْآخِرَة ﴿بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (36) إِلَى الْآيَة (40).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ الآيَةَ.

لَمَّا هَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ أَهْلَ بَدْرٍ، رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ، فَأَخَذُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الْعِيرُ مِنَ الشَّامِ، فَتَجَهَّزُوا بِهِ لِقِتَالِ النَّبِيِّ، وَاسْتَنْصَرُوا بِقَبَائِلَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إِلَى قَوْله: (ل 119) ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يَعْنِي: نَفَقَةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَفَقَةِ الْكَافِرِينَ ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّم﴾ مَعَهم ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: تَقُولُ: أَرْكُمُ الشَّيْءَ رَكْمًا؛ إِذَا جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلَى بعض، والركام الِاسْم.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِن يعودوا﴾ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلين﴾ بِالْقَتْلِ وَالاسْتِئْصَالِ فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي غَيْرِهِمْ مِنَ الأَوَّلِينَ

﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ؛ وَهَذِهِ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ خَاصَّةً ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَام.
﴿فَإِن انْتَهوا﴾ عَنْ كُفْرِهِمْ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

﴿وَإِن توَلّوا﴾ يَعْنِي: أَبَوْا إِلا الْقِتَالَ ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنعم النصير﴾.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (41) إِلَى الْآيَة (42).

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: هَذَا عِنْدَ الْقِتَالِ مَا غَنِمُوا مِنَ شيءٍ، فَلِلَّهِ خُمُسُهُ يُرْفَعُ الْخُمْسُ فَيَرُدُّهُ اللَّهُ عَلَى الرَّسُولِ، وَعَلَى قَرَابَةِ الرَّسُولِ وَعَلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ؛ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا يُصْلِحُهُمْ، لَيْسَ لِذَلِكَ وَقْتٌ.
وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ذَكَرَ يحيى فِي قِسْمَةِ الْخُمُسِ اخْتِلافًا؛ وَلِهَذَا مَوْضِعُهُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْم الْفرْقَان﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ؛ فَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَهَزَمَ عَدُوَّهُ ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ جمع الْمُؤمنِينَ، وَجمع الْمُشْركين.

﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بالعدوة القصوى﴾.
قَالَ قَتَادَةُ: الْعُدْوَتَانِ: شَفِيرُ الْوَادِي؛ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِأَعْلاهُ، وَالْمُشْرِكُونَ

بأسفله ﴿والركب أَسْفَل مِنْكُم﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ وَالْعِيرَ؛ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْعِيرُ أَسْفَلَ مِنَ الْوَادِي - زَعَمُوا بِثَلاثَةِ أَمْيَالٍ - فِي طَرِيقِ السَّاحِلِ لَا يَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ مَكَانَ عِيرِهِمْ، وَلا يَعْلَمُ أَصْحَابُ الْعِيرِ مَكَانَ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ مُحَمَّد: الْقِرَاءَة (أَسْفَل) بِالنّصب؛ على معنى: والراكب مَكَانًا أَسْفَلَ مِنْكُمْ.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أَنْتُمْ وَالْمُشْرِكُونَ ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ أَيْ: فِيهِ نَصْرُكُمْ، وَالنِّعْمَةُ عَلَيْكُمْ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ يَعْنِي: بعد الْحجَّة.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (43) إِلَى الْآيَة (45).

﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولتنازعتم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سَارَ إِلَى بَدْرٍ، وَأَخْبَرَهُ اللَّهُ بِسَيْرِ الْمُشْرِكِينَ، أَرَاهُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَنَامِهِ قَلِيلا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَرَانِي الْمُشْرِكِينَ فِي مَنَامِي قَلِيلا ".

﴿وَلَو أراكهم كثيرا لفشلتم﴾ أَيْ: لَجَبُنْتُمْ ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ أَيْ: اخْتَلَفْتُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُوله ﴿وَلَكِن الله سلم﴾ من ذَلِك.
﴿إِنَّه﴾ إِنَّ اللَّهَ ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: بِمَا فِيهَا، يَقُولُ: مِنْ عِلْمِهِ بِمَا فِي صُدُورِكُمْ قَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ، وَأَذْهَبَ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ فِي صدوركم.

﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا عَايَنُوا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأَوْهُمْ قَلِيلا؛ فَصَدَّقُوا رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ، وَقَلَّلَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، فَاجْتَرَأَ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَاجْتَرَأَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿لِيَقْضِيَ الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ أَي: فِيهِ نصركم.

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ يَعْنِي: من الْمُشْركين ﴿فاثبتوا﴾ فِي صُفُوفِكُمْ.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: افْتَرَضَ اللَّهُ ذِكْرَهُ عِنْد الضراب بِالسُّيُوفِ.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (46) إِلَى الْآيَة (48).

﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ أَي: لَا تختلفوا ﴿فتفشلوا﴾ أَي: تجبنوا.
﴿وَتذهب ريحكم﴾ أَي: نصركم.
(ل 120)

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ " مَكَّةَ " إِلَى بَدْرٍ أَتَاهُمُ الْخَبَرُ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى بَدْرٍ أَنَّ عِيرَهُمْ قَدْ نَجَتْ، فَأَرَادَ الْقَوْمُ الرُّجُوعَ، فَأَتَاهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، لَا تَرْجِعُوا حَتَّى تَسْتَأْصِلُوهُمْ؛ فَإِنَّكُمْ كَثِيرٌ، وَعَدُوَّكُمْ قَلِيلٌ فَتَأْمَنَ عِيرُكُمْ، وَأَنَا جارٌ لَكُمْ عَلَى بَنِي كَنَانَةَ، أَلا تَمُرُّوا بِحَيٍّ مِنْ بَنِي كَنَانَةَ إِلا أَمَدَّكُمْ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ وَالسِّلاحِ.
فَمَضَوْا كَمَا أَمَرَهُمْ لِلَّذِي أَرَادَ اللَّهُ مِنْ هَلاكِهِمْ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الْمَلائِكَةُ مَعَ الْمُسلمين فِي صف، وَإِبْلِيسُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ فَلَمَّا نَظَرَ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَلائِكَةِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأَخَذَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ بِيَدِهِ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، عَلَى هَذِهِ الْحَالِ تَخْذُلُنَا؟ ﴿قَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ؛ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: أَلا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ أَمْسِ؟ فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ دَفَعَ فِي صَدْرِ الْحَارِثِ فَخَرَّ، وَانْطَلَقَ إِبْلِيسُ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ قَالُوا: إِنَّمَا انْهَزَمَ بِالنَّاسِ سُرَاقَةُ وَنَقَضَ الصَّفَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُرَاقَةَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ مَكَّةَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّي انْهَزَمْتُ بِالنَّاسِ﴾ فَوَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ سُرَاقَةُ، مَا شَعَرْتُ بِمَسِيرِكُمْ حَتَّى بَلَغَنِي هَزِيمَتُكُمْ.
فَجَعَلُوا يُذَكِّرُونَهُ؛ أَمَا أَتَيْتَنَا يَوْمَ كَذَا، وَقُلْتَ لَنَا كَذَا.
فَجَعَلَ يحلف، فَلَمَّا أَسْلمُوا عَلِمُوا أَنَّهُ الشَّيْطَانُ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَكَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ:

﴿إِنِّي أَخَاف الله﴾ فكذب.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (49) إِلَى الْآيَة (52).

﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَيْ: شَكٌّ ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا نَفَرُوا مِنْ " مَكَّةَ " إِلَى بَدْرٍ، نَفَرَ مَعَهُمْ أُنَاسٌ قَدْ كَانُوا تَكَلَّمُوا بِالإِسْلامِ، فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ الْمُؤْمِنِينَ، ارْتَابُوا وَنَافَقُوا وَقَاتَلُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالُوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دينهم﴾ يَعْنُونَ: الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيز﴾ فِي نقمته ﴿حَكِيم﴾ فِي أمره.

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: هَذَا يَوْم بدر.

﴿كدأب آل فِرْعَوْن﴾ يَعْنِي: كَفِعْلِ.
قَالَ الْحَسَنُ: فِيهَا إِضْمَارٌ: فَعَلُوا كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿وَالَّذين من قبلهم﴾ من الْكفَّار ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (53) إِلَى الْآيَة (59).

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ يَعْنِي: إِذَا جَحَدُوا الرُّسُلَ، أَهْلَكَهُمُ الله.

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الْخَلْقَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿الَّذِينَ كفرُوا فهم لَا يُؤمنُونَ﴾ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ

﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهدهم فِي كل مرّة﴾.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِمَّنْ كَانَ وادع رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا يَنْقُضُونَ الْعَهْدَ، فَأَمَرَ اللَّهُ فِيهِمْ بِأَمْرِهِ، فَقَالَ: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْب﴾ أَيْ: تَظْفَرُ بِهِمْ.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ من خَلفهم﴾ أَيْ: فَعِظْ بِهِمْ مَنْ سِوَاهُمْ ﴿لَعَلَّهُم يذكرُونَ﴾ يَقُولُ: لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِالَّذِينَ نقضوا الْعَهْد

﴿وَإِمَّا تخافن﴾ أَيْ: تَعْلَمَنَّ ﴿مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ يَعْنِي: نَقْضًا لِلْعَهْدِ ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ على سَوَاء﴾ أَيْ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ حَرْبٌ، وَيَكُونُ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ عِنْدَكَ سَوَاءً ﴿إِنَّ الله لَا يحب الخائنين﴾ لَا يُعِينُهُمْ إِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ.

﴿وَلَا تحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا﴾ أَيْ: فَاتُوا.
ثُمَّ ابْتَدَأَ وَقَالَ: (إِنَّهُم لَا

يعجزون} لَا يَفُوتُونَ اللَّهَ حَتَّى لَا يقدر عَلَيْهِم.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (60) إِلَى الْآيَة (61).

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوةٍ﴾ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: الْقُوَّةُ هَا هُنَا: الْقَتْلُ ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أَيْ: تُخِيفُونَ ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
يحيى: عَنْ [ ... ] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عبد الرَّحْمَن (ل 121) الدِّمَشْقِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَن، عَن عَمْرو بن عبسة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنِ رَمَى الْعَدُوَّ بسهمٍ فَبَلَغَ سَهْمُهُ؛ أَصَابَ الْعَدُوَّ أَوْ أَخْطَأَ - فَهُوَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ ". يحيى: عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنِ ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالْبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ ".

﴿وَآخَرين من دونهم﴾ مِنْ دُونِ الْمُشْرِكِينَ؛ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ﴿لَا تَعْلَمُونَهُم الله يعلمهُمْ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: (وَآخَرين) عَطْفٌ عَلَى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوكُمْ﴾ وَتُرْهِبُونَ بِهِ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ.

﴿وَإِن جنحوا﴾ مالوا ﴿للسلم فاجنح لَهَا﴾.
قَالَ مُحَمَّد: السّلم هَا هُنَا: الصُّلْحُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: (السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ... وَالْحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ)

سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (62) إِلَى الْآيَة (64).

قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: إِنْ هُمْ أَظْهَرُوا لَكَ الإِيمَانَ وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ؛ لِيَخْدَعُوكَ بِذَلِكَ؛ لِتُعْطِيَهُمْ حُقُوقَ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكُفَّ عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أيدك﴾ أعانك ﴿بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾

﴿وَألف بَين قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا

فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينهم} يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مُتَعَادِينَ؛ فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى تَحَابُّوا، وَذَهَبَتِ الضَّغَائِنُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ بِالْإِسْلَامِ.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (65) إِلَى الْآيَة (69).

﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ من الْمُؤمنِينَ﴾ أَي: وَحسب من اتبعك.

﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ﴾ حثهم ﴿على الْقِتَال﴾ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الشُّهَدَاءَ وَالْمُجَاهِدِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: التَّحْرِيضُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يَحُثَّ الإِنْسَانُ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّهُ حارضٌ إِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، وَالْحَارِضُ: الَّذِي قَدْ قَارَبَ الْهَلاكَ.
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالله مَعَ الصابرين﴾ قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنْ يَصْبِرُوا لِعَشَرَةِ

أَمْثَالِهِمْ، ثُمَّ نَسَخَهَا ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضعفا فَإِن تكن مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ألفٌ يَغْلِبُوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله﴾ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَصْبِرُوا لمثليهم؛ إِذْ لَقَوْهُمْ فَلَمْ يُقْبَضْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَأَعَزَّهُ، وَصَارَ الْجِهَادُ تَطَوُّعًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَفِرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَلا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفِرَّ مِنْ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ".

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ كَانَ هَذَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ، يَقُولُ: فَأَخَذْتُمُ الْفِدَاءَ مِنَ الأَسْرَى فِي أَوْلِ وَقْعَةٍ كَانَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُثْخِنُوا فِي الأَرْضِ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَلَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إِلَى النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؛ فَاسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَبُولِ الْفِدَاءِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الإِثْخَانُ فِي الشَّيْءِ (قُوَّةُ) الشَّيْءِ، وَمَعْنَى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ أَي يتَمَكَّن.

﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَأْكُلُونَ الْغَنَائِمَ.
﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: لَمْ تَحِلَّ الْغَنِيمَةُ إِلا لِهَذِهِ

الأُمَّةِ؛ كَانَتْ تُجْمَعُ فَتَنْزِلُ عَلَيْهَا النَّار من السَّمَاء فتأكلها.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (70) إِلَى الْآيَة (71).

﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبكُمْ خيرا﴾ يَعْنِي: إسلاماً ﴿يُؤْتكُم خيرا﴾ (ل 122) أَسرُّوا يَوْم بدر

﴿فَقَدْ خَانُوا الله من قبل﴾ يَعْنِي: فَقَدْ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قبل ﴿فَأمكن مِنْهُم﴾ حَتَّى صَارُوا أَسْرَى فِي بَدْرٍ.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (72) إِلَى الْآيَة (75).

﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا﴾ إِلَى " الْمَدِينَةِ " يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ ﴿وَالَّذِينَ آووا ونصروا﴾ يَعْنِي: الأَنْصَارَ؛ أَوَوُا الْمُهَاجِرِينَ، وَنَصَرُوا اللَّهَ وَرَسَوُلَهُ (أُولَئِكَ

بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا [وَلَمْ يُهَاجِرُوا] مَا لَكُمْ مِنْ ولايتهم من شيءٍ﴾ يَعْنِي: فِي الدِّينِ ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ قَالَ قَتَادَة: نزلت هَذِه الْآيَة، فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ زَمَانًا، وَكَانَ لَا يَرِثُ الأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ الْمُسْلِمِ شَيْئًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ؛ فَقَالَ: ﴿وَأولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ فَخَلَطَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَصَارَتِ الْمُوَارِيثُ بِالْمِلَلِ.
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّين﴾ يَعْنِي: الْأَعْرَاب ﴿فَعَلَيْكُم النَّصْر﴾ لَهُمْ؛ لِحُرْمَةِ الإِسْلامِ.
﴿إِلا عَلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْمُوَادَعَةِ وَالْعَهْدِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
قَالَ قَتَادَةُ: نَهَى الْمُسلمُونَ عَن نقض ميثاقهم.

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل