تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 164-176
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأنفال

صفحات 164-176
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأَنْفَالِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كلهَا

سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (1) فَقَط.

قَوْلُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن

قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول﴾ الْآيَةَ.
قَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَافَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ - لِيُحَرِّضَ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ -: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يَفْتَحَ لِي بَدْرًا، وَأَنْ يُغْنِمَنِي عَسْكَرَهُمْ؛ فَمَنْ قَتَلَ قَتِيلا، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ غَنِيمَتِهِمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمَّا تَوَافَدُوا أَدْخَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ الرُّعْبَ فَانْهَزَمُوا، فَأَتْبَعَهُمْ سَرْعَانُ مِنَ النَّاسِ؛ فَقَتَلُوا سَبْعِينَ، وَغَنِمُوا الْعَسْكَرَ وَمَا فِيهِ، وَأَقَامَ وَجُوهُ النَّاسِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي مَصَافِّهِ، فَلَمْ يَشُذْ عَنْهُ مِنْهُمْ أحدٌ، ثُمَّ قَامَ أَبُو الْيَسَرِ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ وَعَدْتَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلا أَوْ أَسَرَ أَسِيرًا مِنْ غَنِيمَةِ الْقَوْمِ الَّذِي وَعَدْتَهُمْ، وَإِنَّا قَتَلْنَا سَبْعِينَ، وَأَسَرْنَا سَبْعِينَ.
ثُمَّ قَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ مَا مَنَعْنَا أَنْ نَطْلُبَ كَمَا طَلَبَ هَؤُلاءِ زِهَادَةٌ فِي الأَجْرِ، وَلا جبنٌ عَنِ الْعَدُوِّ، وَلَكِنَّا خِفْنَا أَنْ نُعَرِّي صَفَّكَ فَتَعْطِفَ عَلَيْكَ خيل الْمُشْركين.
فأرعض عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو الْيَسَرِ مِثْلَ كَلامِهِ الأَوَّلِ، وَعَادَ سَعْدٌ فَتَكَلَّمَ مِثْلَ كَلامِهِ الأَوَّلِ.
وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأُسَارَى وَالْقَتْلَى كثيرٌ، وَالْغَنِيمَةُ قَلِيلَةٌ، وَإِنْ تُعْطِ هَؤُلاءِ

الَّذِي ذَكَرْتَ لَهُمْ، لَمْ يَبْقَ لِسَائِرِ أَصْحَابِكَ كَبِيرُ شيءٍ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ فَقَسمهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ". قَالَ قَتَادَةُ: وَالأَنْفَالُ: الْغَنَائِمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَجَعَلَ حُكْمَهُ إِلَى رَسُولِهِ.
قَالَ محمدٌ: وَاحِدُ الأَنْفَالِ: نفلٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: (إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نفلٍ ... وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وَعَجَلْ} سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (2) إِلَى الْآيَة (4).

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ أَيْ: رَقَّتْ مَخَافَةَ

عَذَابِهِ ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادتهم إِيمَانًا﴾ يَعْنِي: كُلَّمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْء صدقُوا بِهِ.

﴿لَهُم دَرَجَات عِنْد رَبهم﴾ يَعْنِي: فِي الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالهم.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (5) إِلَى الْآيَة (8).

﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يَقُولُ: أَخْرَجَكَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ يَعْنِي: فِي الْقِتَالِ؛ وَمَعْنَى مُجَادَلَتِهِمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ الْعِيرَ، وَرَسُولُ اللَّهِ يُرِيدُ ذَاتَ الشَّوْكَةِ؛ هَذَا تَفْسِير الْحسن

﴿بَعْدَ مَا تبين﴾ لَهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ لَهُمْ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ.

(116) ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وهم ينظرُونَ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: كَانُوا فِي خُرُوجِهِمْ إِلَى الْقِتَالِ كَأَنَّمَا يُسَاقَوْنَ إِلَى الْمَوْتِ؛ لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ وَأَنَّهُمْ رَجَّالَةٌ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِيهِمْ فارسان فخافوا.

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَات الشَّوْكَة

تكون لكم} وَمَعْنَى الشَّوْكَةِ: السَّلاحُ وَالْحَرْبُ.
قَالَ قَتَادَةُ: الطَّائِفَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَبُو سُفْيَانَ أَقْبَلَ بِالْعِيرِ مِنَ الشَّامِ، وَالطَّائِفَةُ الأُخْرَى: أَبُو جَهْلٍ مَعَهُ نَفِيرُ قُرَيْشٍ، فَكَرِهَ الْمُسْلِمُونَ الْقِتَالَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَضُمُّوا الْعِيرَ، وَأَرَادَ اللَّهُ مَا أَرَادَ ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يحِق الْحق بكلماته﴾ يَعْنِي: بِوَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَ بِالنَّصْرِ ﴿وَيقطع دابر الْكَافرين﴾ يَعْنِي: أصل الْكَافرين.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (9) إِلَى الْآيَة (10).

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدكُمْ﴾ مُقَوِّيكُمْ ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ يَعْنِي: مُتَتَابِعِينَ؛ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ، وَقَرَأَ مُجَاهِد (مُردفِينَ) بِفَتْحِ الدَّالِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَرْدَفَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَيْ: أَمَدَّهُمْ.
قَالَ محمدٌ: وَمن قَرَأَ (مُردفِينَ) بِكَسْرِ الدَّالِ، فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَرْدَفْتُ الرَّجُلَ؛ إِذَا جِئْتَ بَعْدَهُ؛ وَمِنْهُ قْولُ الشَّاعِرِ: (إِذَا الْجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظنونا}

قَوْله: ﴿وَمَا جعله الله﴾ يَعْنِي: الْمَدَدَ مِنَ الْمَلائِكَةِ ﴿إِلا بشرى ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ﴾ أَي: تسكن.

سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (11) إِلَى الْآيَة (14).

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذين كفرُوا الرعب﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَبَقُوا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَ حِيَالَهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الْوَادِي، وَنَزَلَ عَلَى غَيْرِ ماءٍ، فَقَذَفَ الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرًا عَظِيمًا، فَقَالَ: زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ عِبَادُ اللَّهِ، وَعَلَى دِينِ اللَّهِ؛ وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُصَلُّونَ مُحْدِثِينَ مُجْنِبِينَ، فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُذْهِبَ مِنْ قُلُوبِهِمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، فَغَشَّى الْمُؤْمِنِينَ نُعَاسًا أَمَنَةً مِنْهُ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِرَهُمْ بِهِ مِنَ الأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَةِ، وَيُذْهِبَ عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ؛ مَا كَانَ قَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ، وَكَانَ بَطْنُ الْوَادِي فِيهِ رملةٌ تَغِيبُ فِيهَا الأَقْدَامُ، فَلَمَّا مُطِرَ الْوَادِي اشْتَدَّتِ الرَّمْلَةُ فَمَشِيَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، وَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ حِيَاضًا عَلَى الْوَادِي، فَشَرِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا، وَاسْتَقَوْا، ثُمَّ صَفُّوا، وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: فَاضْرِبُوا الأَعْنَاقَ (واضربوا

مِنْهُم كل بنانٍ} يَعْنِي: كل عُضْو

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قَالَ قَتَادَة: الشقاق: الْفِرَاق

﴿ذَلِكُم فذوقوه﴾ يَعْنِي: الْقَتْل ﴿وَأَن للْكَافِرِينَ﴾ بعد الْقَتْل ﴿عَذَاب النَّار﴾ فِي الْآخِرَة.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (15) إِلَى الْآيَة (16).

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كفرُوا زحفاً﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: الزَّحْفُ جَمَاعَةٌ يَزْحَفُونَ إِلَى عَدُوِّهِمْ بِمَرَّةٍ - أَيْ: يَنْقَضُّونَ - وَقَدْ يَكُونُ الزَّحْفُ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِكَ: زَحَفْتُ.
﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ أَي: لَا تنهزموا

﴿وَمن يولهم يومئذٍ دبره﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ ﴿إِلَّا متحرفاً لقِتَال﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي يَدَعُ مَوْقِفَ مَكَانٍ لمكانٍ ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة﴾ أَيْ: يَنْحَازُ إِلَى جَمَاعَةٍ ﴿فَقَدْ بَاء بغضب من الله﴾ أَيْ: اسْتَوْجَبَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا متحرفاً لقِتَال﴾ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ: إِلا أَنْ يَتَحَرَّفَ فُلانٌ بِقِتَالٍ، وَكَذَلِكَ ﴿أَوْ متحيزاً﴾.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الاسْتِثْنَاءِ؛ أَيْ: إِلا رَجُلا مُتَحَرِّفًا،

أَوْ يَكُونَ مُنْفَرِدًا لَيْنَحَازَ فَيَكُونَ مَعَ الْمُقَاتِلَةِ.
يُقَالُ: تَحَيَّزْتُ وَتَحَوَّزْتُ، يَعْنِي: انْحَزْتُ.
يحيى: عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ [ ... ] أَنَّ عُمَرَ بن الْخطاب (ل 117) بَلَغَهُ (قَتْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابِهُ بِالْقَادِسِيَّةِ) قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ؛ لَوِ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً ". يحيى: عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صبيحٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَيْسَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بدر ". سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (17) إِلَى الْآيَة (19).

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلكنه الله رمى﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا صَافَّ رَسُولُ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ، دَعَا بقبضةٍ مِنْ حَصْبَاءِ الْوَادِي وَتُرَابِهِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَمَلأَ اللَّهُ مِنْهَا وُجُوهَهُمْ وَأَعْيُنَهُمْ تُرَابًا، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَانْهَزَمُوا، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ ". ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بلَاء حسنا﴾ يُنْعِمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِهِمِ الْمُشْرِكِينَ.

﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافرين﴾ أَي: مضعف.

﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لما صافوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يَوْمَ بَدْرٍ قَالُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَيُّنَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى عِنْدَكَ فَانْصُرْهُ، فَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَقَالَ: ﴿إِن تستفتحوا﴾ يَعْنِي: تَسْتَنْصِرُوا ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ النَّصْرُ؛ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ قَدْ نصر نبيه ﴿وَإِن تنتهوا﴾ يَعْنِي: عَنْ قِتَالِ محمدٍ.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ عَلَيْكُم بالهزيمة.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (20) إِلَى الْآيَة (25).

﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ 6 يَعْنِي: الْحجَّة

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وهم لَا يسمعُونَ﴾ ﴿الْهدى﴾

﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ﴾ ﴿الْخلق﴾ ﴿عِنْد الله الصم﴾ عَنِ الْهُدَى فَلا يَسْمَعُونَهُ ﴿الْبُكْمُ﴾ عَنْهُ فَلا يَنْطِقُونَ بِهِ ﴿الَّذِينَ لَا يعْقلُونَ﴾ الْهدى.

﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هِيَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لما نهوا عَنهُ﴾.

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ يُرِيدُ: الْقُرْآنَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ تَفْسِيرُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ: يَحُولُ بَيْنَ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ، وَبَيْنَ قَلْبِ الْكَافِرِ وَبَيْنَ طَاعَتِهِ.

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾ أَيْ: أَنَّهَا إِذَا نَزَلَتْ تَعُمُّ الظَّالِمَ وَغَيْرَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ: خَاطَبَ بِهَذَا أَصْحَاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (26) إِلَى الْآيَة (29).

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْض﴾ أَيْ: مَقْهُورُونَ فِي أَرْضِ " مَكَّةَ " ﴿تخافون أَن يتخطفكم النَّاس﴾ يَعْنِي: كُفَّارَ أَهْلِ " مَكَّةَ ". ﴿فَآوَاكُمْ﴾ ضمكم إِلَى " المدنية " ﴿وأيدكم﴾ أَعَانَكُمْ عَلَى الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَات﴾ يَعْنِي: الْحَلَال من الرزق.

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وتخونوا أماناتكم﴾.
قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بَيَدِهِ؛ أَلا تَنْزِلُوا عَلَى الْحُكْمِ، فَكَانَتْ خِيَانَةً مِنْهُ وذنباً ﴿وَأَنْتُم تعلمُونَ﴾ أَنَّهَا خِيَانَة

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ بَلِيَّةٌ، ابْتَلاكُمُ اللَّهُ بِهَا لِتُطِيعُوهُ فِيمَا ابتلاكم فِيهِ.

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لكم فرقانا﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: مَخْرَجًا فِي الدّين من الشُّبْهَة والضلالة.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (30) إِلَى الْآيَة (33).

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ عِصَابَةً مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ يَمْكُرُونَ بِنَبِيِّ اللَّهِ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ إِبْلِيسُ عَلَيْهِ ثيابٌ، لَهُ أَظْفَارٌ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: مَا أَدْخَلَكَ فِي جَمَاعَتِنَا بِغَيْرِ إِذْنِنَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ " نَجْدَ " قَدِمْتُ " مَكَّةَ " فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْمَعَ مِنْ حَدِيثِكُمْ، وَأَقْتَبِسَ مِنْكُمْ خَيْرًا، وَرَأَيْتُ وُجُوهَكُمْ حَسَنَةً وَرِيحَكُمْ طَيِّبَةً؛ فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ جَلَسْتُ مَعكُمْ، وَإِذا كرهتم مجلسي (ل 118) خَرَجْتُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تُهَامَةَ، فَلا بَأْسَ عَلَيْكُم [مِنْهُ] تتكلموا بالمكر ببني اللَّهِ، فَقَالَ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ هِشَامٍ - أحد بني أَسد ابْن عَبْدِ الْعُزَّى -: أَمَّا أَنَا فَأَرَى لَكُمْ مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تَأْخُذُوا مُحَمَّدًا، فَتَجْعَلُوهُ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ تَسُدُّوا عَلَيْهِ بَابَهُ، وَتَجْعَلُوا فِيهِ كُوَّةً يَدْخُلُ إِلَيْهِ مِنْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، ثُمَّ تَذْرُوهُ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ.
فَقَالَ إِبْلِيسُ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُمْ، تَعْمَدُونَ إِلَى رَجُلٍ لَهُ فِيكُمْ صَغْوٌ وَقَدْ سَمِعَ بِهِ مَنْ حَوْلَكُمْ فَتَحْبِسُونَهُ، وَتُطْعِمُونَهُ وَتُسْقُونَهُ، فَيُوشِكُ الصَّغْوُ الَّذِي لَهُ فِيكُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ عَلَيْهِ فَتَفْسُدُ فِيهِ جَمَاعَتُكُمْ، وَتُسْفَكُ فِيهِ دِمَاؤُكُمْ.
فَقَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الأَسْوَدِ - وَهُوَ هَاشِمُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - فَقَالَ: أَمَّا أَنَا، فَأَرَى أَنْ تَحْمِلُوا مُحَمَّدًا عَلَى بَعِيرٍ، ثُمَّ تُخْرِجُوهُ مِنْ أَرْضِكُمْ فَيَذْهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَيَلِيَهُ غَيْرُكُمْ.
فَقَالُوا: نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ.
فَقَالَ إِبْلِيسُ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُمْ، تَعْمَدُونَ إِلَى رَجُلٍ أَفْسَدَ جَمَاعَتَكُمْ، وَاتَّبَعَتْهُ مِنْكُمْ

طَائِفَةٌ، فَتُخْرِجُونَهُ إِلَى غَيْرِكُمْ، فَيَأْتِيهِمْ فَيُفْسِدَهُمْ كَمَا أَفْسَدَكُمْ، يُوشِكُ وَاللَّهِ أَنْ يَمِيلَ بِهِمْ عَلَيْكُمْ.
قَالُوا: صَدَقَ وَاللَّهِ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَرَى مِنَ الرَّأْيِ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ بَطْنٍ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلا، ثُمَّ تُعْطُوا كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَيْفًا فَيَأْتُونَهُ [فَيَضْرِبُونَهُ] جَمِيعًا فَلا يَدْرِي قَوْمُهُ مَنْ يَأْخُذُونَ بِهِ، وَتُودِي قُرَيْشٌ دِيَتَهُ.
فَقَالَ إِبْلِيسُ: صَدَقَ وَاللَّهِ هَذَا الشَّابُّ؛ إِنَّ الأَمْرَ لَكَمَا.
قَالَ: فَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ.
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ.
فَخَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ الْغَارَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خير الماكرين﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْمَكْرُ مِنَ اللَّهِ: الْجَزَاءُ وَالْمَثُوبَةُ؛ أَنْ يُجَازِيَهُمْ جَزَاءَ مَكْرهمْ.
وَمعنى: ﴿ليثبتوك﴾ أَي: ليحسبوك، وَمِنْهُ يُقَالُ: فُلانٌ مُثَّبَتْ وَجَعًا إِذا منع من الْحَرَكَة.

قَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلين﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا قَصَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى قَوْمِهِ شَأْنَ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ - أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ -: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مِثْلَ هَذَا، إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ: كَذِبِ الأَوَّلِينَ وَبَاطِلِهِمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الأَسَاطِيرُ: وَاحِدهَا: أسطورة.

﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أَيْ: إِنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً من السَّمَاء﴾.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْقِرَاءَةُ عَلَى نَصْبِ: ﴿الْحق﴾ عَلَى خَبْرِ كَانَ، وَدَخَلَتْ

(هُوَ) للتوكيد.

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فيهم﴾ قَالَ الْحَسَنُ: أَيْ: حَتَّى نُخْرِجَكَ مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
﴿وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يَقُولُ: إِنَّ الْقَوْمَ لمْ يَكُونُوا يَسْتَغْفِرُونَ، وَلَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَمَا عذبُوا.
سُورَة الْأَنْفَال من الْآيَة (34) إِلَى الْآيَة (35).

﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أولياءه﴾ زَعَمَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل