الأنعام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قبلك فأخذناهم بالبأساء وَالضَّرَّاء﴾ الْبَأْسَاءُ: الْبُؤْسُ؛ وَهِيَ الشَّدَائِدُ مِنَ الْجُدُوبَةِ، وَشِدَّةِ الْمَعَاشِ.
وَالضَّرَّاءُ يَعْنِي: الضُّرَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْجَاعِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾
﴿فلولا﴾ يَعْنِي: فَهَلَّا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تضرعوا﴾ أَيْ: أَنَّهُمْ لَمْ يَتَضَرَّعُوا ﴿وَلَكِنْ قست قُلُوبهم﴾ غَلُظَتْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يُصِيبُ الأُمَمَ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَبْتَلِيهِمُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ الْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يُؤْمِنُونَ؛ فَإِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا أَهَلَكَهُمُ الله.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: ﴿كَذَّبُوا﴾ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء﴾ مِنَ الرِّزْقِ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ بِمَا أعْطوا ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَة﴾ يَعْنِي: بِالْعَذَابِ فَجْأَةً ﴿فَإِذَا هُمْ مبلسون﴾ ييأسون
﴿فَقطع دابر﴾ أصل ﴿الْقَوْم الَّذين ظلمُوا﴾ أشركوا.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (46) إِلَى الْآيَة (49).
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سمعكم﴾ [فأصمها] ﴿وأبصاركم﴾ فَأَعْمَاهَا.
﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أَيْ: بِمَا أَذْهَبَ؛ يَقُولُ: لَيْسَ بِفعل ذَلِكَ؛ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ إِنْ شَاءَ إِلَّا هُوَ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَات﴾ نبينها ﴿ثمَّ هم يصدفون﴾ أَي: يعرضون عَنْهَا.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله بَغْتَة﴾ أَي: لَيْلًا ﴿أَو جهرة﴾ نَهَارًا ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يُخَوِّفُهُمُ الْعَذَابَ؛ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ﴾ يَعْنِي: بِالْجنَّةِ ﴿ومنذرين﴾ من النَّار.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (50) إِلَى الْآيَة (51).
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن الله﴾ أَيْ: عِلْمُ خَزَائِنِ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الْعَذَابُ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ الله﴾.
﴿وَلَا أعلم الْغَيْب﴾ فيأتيكم الْعَذَاب.
﴿وَلَا أَقُول إِنِّي ملك﴾ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَكِنِّي رَسُولٌ يُوحَى إِلَيَّ.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحى إِلَيّ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَنِي بِهِ.
﴿قل هَل يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ يَعْنِي: الَّذِي لَا يُبْصِرُ ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ الَّذِي يُبْصِرُ؛ هَذَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر ﴿أَفلا تتفكرون﴾ أَي: أَنَّهُمَا لَا يستويان.
﴿وأنذر بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْقُرْآنِ ﴿الَّذين يخَافُونَ﴾ يَعْنِي: يَعْلَمُونَ ﴿أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبهم﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ؛ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا تنذر بِهِ من اتبع الذّكر﴾ إِنَّمَا يَقْبَلُ مِنْكَ مَنْ آمَنَ.
﴿لَيْسَ لَهُم من دونه﴾ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴿وَلِيٌّ﴾ يَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ يَشْفَعُ لَهُمْ؛ إِنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤمنين.
﴿لَعَلَّهُم﴾ لَعَلَّ الْمُشْركين ﴿يَتَّقُونَ﴾ هَذَا فيؤمنوا.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (52) إِلَى الْآيَة (53).
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: صَلَاةَ مَكَّةَ؛ حِينَ كَانَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَدْوَةً، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّةً، قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
قَالَ قَتَادَةُ:
قَالَ قَائِلُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إِنْ سَرَّكَ أَنْ نَتَّبِعَكَ، فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا - لِأُنَاسٍ كَانُوا دُونَهُمْ [فِي الدُّنْيَا] ازْدَرَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَنْزَلَ
اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ وَجهه﴾ يُرِيدُونَ اللَّهَ وَرِضَاهُ.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ الَّذين قَالَت لَهُ قُرَيْشٌ: اطْرُدْهُمْ.
قَالَ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ من الظَّالِمين﴾ أَيْ: إِنْ طَرَدْتَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: ﴿فَتكون من الظَّالِمين﴾ هُوَ جَوَاب ﴿وَلَا تطرد﴾ وَقَوله: ﴿فَتَطْرُدهُمْ﴾ هُوَ جَوَابُ ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ".
﴿أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُوَحِّدين.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (54) إِلَى الْآيَة (55).
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الْآيَةَ، تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ:
أَنَّ أَبَا طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ: اطرد (ل 94) فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقَ عَمُّكَ؛ فَاطْرُدْ عَنَّا سَفَلَةَ الْمَوَالِي، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، فَجَاءُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِنْ سَقْطَتِهِمْ، وَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم﴾ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَة﴾ [قَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ].
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَمَنْ قَرَأَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ﴾ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، فَالْمَعْنَى: وَكَتَبَ أَنَّهُ، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بِكَسْرِ الْأَلِفِ؛ فَإِنَّهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
قَوْله: ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات﴾ أَي: نبينها ﴿ولتستبين﴾ يَا مُحَمَّد ﴿سَبِيل الْمُجْرمين﴾ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ بِالْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا سَبِيلَ الْهُدَى مِنْ سَبِيل الضَّلَالَة.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (56) إِلَى الْآيَة (58).
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الْأَوْثَانَ.
﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أهواءكم﴾ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذا﴾ إِنِ اتَّبَعْتُ أَهْوَاءَكُمْ ﴿وَمَا أَنَا من المهتدين﴾
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ يَعْنِي: النُّبُوَّة ﴿وكذبتم بِهِ﴾ بِالْقُرْآنِ.
﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ الْعَذَابِ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عَجِّلْ لَنَا قطنا﴾ يَعْنِي: عَذَابَنَا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾، وَلِقَوْلِهِمْ: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ
الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَة من السَّمَاء} وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لله﴾ إِن الْقَضَاء إِلَّا لله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ﴿يَقْضِي الْحَقَّ﴾ وَتُقْرَأُ أَيْضًا ﴿يَقُصُّ الْحق﴾ مِنَ الْقَصَصِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ بالحكم.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُون بِهِ﴾ ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ (لَقُضِيَ الأَمْرُ بيني وَبَيْنكُم} يَعْنِي: السَّاعَةَ، فَأَتَيْتُكُمْ بِالْعَذَابِ ﴿وَاللَّهُ أعلم بالظالمين﴾ الْمَعْنَى.
وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ ظَالِمُونَ؛ أَي: مشركون.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (59) إِلَى الْآيَة (60).
﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ يَعْنِي: خَزَائِنُ الْغَيْبِ ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِيكُمُ الْعَذَابُ؛ هَذَا تَفْسِيرُ الْحَسَنِ ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظلمات الأَرْض﴾ [فِي جَوْفِ الْأَرْضِ] ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبين﴾ {بَين
2 - ! (وَهُوَ الَّذِي يتوفاكم بِاللَّيْلِ} يَعْنِي: النَّوْمَ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ مَا عَمِلْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي النَّهَارِ.
﴿ليقضى أجل مُسَمّى﴾ يَعْنِي: السَّاعَةَ بِاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
﴿ثمَّ إِلَيْهِ مرجعكم﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (61) إِلَى الْآيَة (67).
﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ قَهَرَهُمْ بِالْمَوْتِ، وَبِمَا شَاءَ مِنْ أمره.
﴿وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؛ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَيَكْتُبُونَهَا، وَيَحْفَظُونَهُ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ؛ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَدَرُ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ فِي أَمْرِ اللَّهِ.
يحيى: وَبَلَغَنَا أَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمُ الَّذِينَ يَسِلُّونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ؛ حَتَّى إِذَا [كَانُوا عِنْدَ خُرُوجِهِمْ جَاءَ] مَلَكُ الْمَوْتِ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ آجَالَ الْعِبَادِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ عِلْمُ ذَلِكَ مِنْ قبل الله.
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحق﴾ يَعْنِي: مَالِكَهُمْ، وَالْحَقُّ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أسْرع الحاسبين﴾.
قَالَ يحيى:
سَمِعْتُ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: يَفْرَغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ
إِذَا أَخَذَ فِي حِسَابِهِمْ فِي قَدْرِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبر وَالْبَحْر﴾ يَعْنِي: كُرُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
﴿تَدْعُونَهُ تضرعا وخفية﴾ أَي: سراًّ بالتضرع ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه﴾ الشدَّة ﴿لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كل كرب﴾ أَيْ: كُلِّ كَرْبٍ نَجَوْتُمْ مِنْهُ فَهُوَ الَّذِي أَنْجَاكُمْ مِنْهُ ﴿ثُمَّ أَنْتُم تشركون﴾
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ (ل 95) تَفْسِيرُ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابًا من فَوْقكُم﴾ فَيَحْصِبَكُمْ بِالْحِجَارَةِ كَمَا حَصَبَ قَوْمَ لُوطٍ، أَوْ بِبَعْضِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْعَذَابِ ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلكُم﴾ أَي: بخسف أَو برجفةٍ ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ يَعْنِي: اخْتِلَافًا.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ أَي: فَيقْتل بَعْضكُم بَعْضًا
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بوكيل﴾ بِحَفِيظٍ لِأَعْمَالِكُمْ حَتَّى [أُجَازِيَكُمْ] بِهَا إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ، وَاللَّهُ الْمُجَازِي لكم بأعمالكم.
﴿وَلكُل نبإٍ مُسْتَقر﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَقُولُ: لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ.
﴿وسوف تعلمُونَ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَهَذَا وعيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يقرونَ بِالْبَعْثِ.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (68) إِلَى الْآيَة (69).
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتنَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيره﴾ كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمين﴾ نُهِيَ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَنْسَى فَإِذَا ذَكَرَ فَلْيَقُمْ.
﴿وَمَا على الَّذين يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء﴾ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِ الْمُشْرِكِينَ؛ أَيْ: إِنْ قَعَدُوا مَعَهُمْ ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ:
قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا كُنَّا كُلَّمَا اسْتَهْزَأَ الْمُشْرِكُونَ بِكَتَابِ اللَّهِ قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُمْ لَمْ نَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَلَمْ نَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِن ذكرى لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾ فَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْكُرُوهُمْ مَا اسْتَطَاعُوا.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (70) فَقَط.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا ولهوا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: وَهَذَا مِمَّا نَسَخَ (الْقِتَال).
﴿وَذكر بِهِ﴾ بِالْقُرْآنِ ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كسبت﴾ يَعْنِي: أَنْ تُسْلَمَ ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ عَمِلَتْ؛ أَيْ: تُسْلَمَ فِي النَّارِ ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ولي﴾ يمْنَعهَا مِنْهُ ﴿وَلَا شَفِيع﴾ يَشْفَعُ لَهَا عِنْدَهُ؛ وَهَذَا الْكَافِرُ.
﴿وَإِن تعدل كل عدل﴾ أَيْ: تَفْتَدِي بِكُلِّ فِدْيَةٍ ﴿لَا يُؤْخَذ مِنْهَا﴾ لَا يُقْبَلُ مِنْهَا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أبسلوا﴾ أُسْلِمُوا فِي النَّارِ.
﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ عَمِلُوا ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وَالْحَمِيمُ: الْحَارُّ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حره ﴿وَعَذَاب أَلِيم﴾ موجعٌ.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (71) فَقَط.
﴿قل أندعوا من دون الله﴾ يَعْنِي: نَعْبُدُ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ وَهِيَ الْأَوْثَانُ.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أَيْ: نَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِين فِي الأَرْض﴾ أَيْ: غَلَبَتْ عَلَيْهِ ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ أَيْ: كَرَجُلٍ ضَلَّ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ، لَهُ أَصْحَابٌ كُلُّهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى الطَّرِيقِ فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ؛ هَذَا مِثْلُ مِنْ ضَلَّ بَعْدَ الْهُدَى، قَالَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ: ﴿قُلْ إِنَّ هدى الله هُوَ الْهدى﴾ وَهُوَ الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (72) إِلَى الْآيَة (73).
﴿وَهُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: لِلْحَقِّ؛ يَعْنِي: الْمِيعَادَ ﴿وَيَوْمَ يَقُول كن فَيكون﴾ 6 يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّور﴾ يَنْفُخُ فِيهِ ملكٌ يَقُومُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ قَتَادَةُ:
مِنَ الصَّخْرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالصُّورِ: قَرْنٌ فِيهِ أَرْوَاحُ الْخَلْقِ؟ فَيُنْفَخُ فِيهِ فَيَذْهَبُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُونَ سِرَاعًا إِلَى الْمُنَادِي صَاحِبِ الصُّورِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾ الْغَيْبُ: السِّرُّ، وَالشَّهَادَةُ: الْعَلَانِيَةُ ﴿وَهُوَ الْحَكِيم﴾ فِي أمره ﴿الْخَبِير﴾ بأعمال الْعباد.
سُورَة الْأَنْعَام من الْآيَة (74) إِلَى الْآيَة (79).
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أتتخذ أصناماً آلِهَة﴾ قَالَ قَتَادَةُ: أَبُو إِبْرَاهِيمَ اسْمُهُ: تَارَحُ.
قَالَ يحيى: وَالْمَقْرَأَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِير: ﴿آزر﴾ بِالرَّفْع، وَكَذَلِكَ كَانَ الْحسن (ل 96) يَقْرَؤُهَا بِالرَّفْعِ (آزَرُ) يَقُولُهُ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:
مَقْرَأُ الْحَسَنِ بِالرَّفْعِ؛ هُوَ بِمَعْنَى (يَا آزَرُ).
وَقَالَ الْخَلِيلُ: مَعْنَى (يَا آزَرُ) الشَّيْءُ يُعَيِّرُهُ بِهِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مُعْوَجُّ، يَا ضَالُّ.
قَالَ يحيى: وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا بِالنَّصْبِ، وَيَقُولُ: اسْمُ أَبِيه: (آزر).
﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت﴾ يَعْنِي: ملك ﴿السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْآيَة.
تَفْسِير قَتَادَة قَالَ:
ذكر لَنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فُرَّ بِهِ مِنْ جَبَّارٍ مترفٍ؛ فَجُعِلَ فِي سربٍ، وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَجَعَلَ لَا يَمَصُّ إِصْبَعًا إِلَّا وَجَدَ فِيهَا