تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 386-400
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأحزاب

صفحات 386-400
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

تَفْسِيرُ سُوْرَةِ الْأَحْزَابِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كلهَا

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 1 آيَة 5).

قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافرين﴾ فِي الشّرك بِاللَّه ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ أَي: وَلَا تُطِع الْمُنَافِقين

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قلبين فِي جَوْفه﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: جَمِيلٌ كَانَ حَافِظًا لِمَا سَمِعَ، فَقَالَتْ قُرَيشٌ: مَا يَحْفَظُ جَمِيلٌ مَا يَحْفَظُ بِقَلْبٍ وَاحِدٍ؛ إِنَّ لَهُ لَقَلْبَيْنِ! فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ.
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتكُم﴾ يَعْنِي: إِذَا قَالَ

الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، لَمْ تَكُنْ مِثْلَ أُمِّهِ فِي الْتَحْرِيمِ أَبَدًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أبناءكم﴾ وَكَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ ذَلِيلًا فَيَأْتِي الرَّجُلَ ذَا الْقُوَّةِ وَالشَّرَفِ فَيَقُولُ: أَنَا ابْنُكَ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَإِذَا قَبِلَهُ وَاتَّخَذَهُ ابْنًا أَصْبَحَ أَعَزَّ أَهْلِهِ؛ وَكَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مِنْهُمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّاهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا كَانَ يُصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ؛ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِآبَائِهِمْ؛ فَقَالَ: ﴿وَمَا جعل أدعياءكم ذَلِكُم قَوْلكُم بأفواهكم﴾ يَعْنِي: ادِّعَاءَهُمْ هَؤْلَاءِ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.

﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله﴾ أَيْ: أَعْدَلُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ يَقُولُ: قُولُوا: [وَلِيُّنَا فُلَانٌ]، وَأَخُونَا فلَان.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ إِثْم ﴿فِيمَا أخطأتم بِهِ﴾ (ل 269) إِنْ أَخْطَأَ الرَّجُلُ بَعْدَ النَّهْيِ فَنَسَبَهُ إِلَى [الَّذِي] تَبَنَّاهُ نَاسِيًا؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِثْمٌ ﴿وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ أَنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى غَيْرِ آبَائِهِمْ.
سُورَة الْأَحْزَاب (آيَة 6).

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: يَعْنِي: هُوَ أَبُوهُمْ ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أَيْ: هُنَّ فِي التَّحْرِيمِ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ.
يَحْيَى: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ

عَائِشَةَ " أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّهْ.
فَقَالَتْ: لَسْتُ لَكِ بِأُمٍّ! إِنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ ". ﴿وَأولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: كَانَ نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الْآيةِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يهاجروا﴾ فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ وَكَانَ لَا يَرِثُ الأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ الْمُسْلِمِ شَيْئًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ بِالْمِلَلِ.
﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أوليائكم﴾ يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ﴿مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي: بِالْمَعْرُوفِ: الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فَقَالَ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مسطورا﴾ أَيْ: مَكْتُوبًا: لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسلما، وَقد قَالَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: " لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر ". سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 7 آيَة 8).

﴿وَإِذا أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: فِي ظَهْرِ آدَمَ ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ.
كَانَ قَتَادَةُ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا من النَّبِيين ميثاقهم﴾ قَالَ: قَالَ رَسُول الله: " كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخرهمْ فِي الْبَعْث ".

قَوْله: ﴿ليسئل الصَّادِقين﴾ يَعْنِي: النَّبِيين ﴿عَن صدقهم﴾ أَيْ: عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ إِلَى قَومهمْ من الله.

﴿إِذْ جاءتكم جنود﴾ يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم ريحًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِي الصَّبَا، كَانَتْ تَكُبُّهُمْ عَلَى وَجُوهِهِمْ وَتَنْزِعُ الْفَسَاطِيطَ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة.

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُم﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: جَاءُوا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ أَسْفَلِ الْمَدِينَةِ، وَمِنْ أَعْلَاهَا ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظنونا﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ ظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا سيقتل وَأَنَّهُمْ سيهلكون.

قَالَ اللَّهُ: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: اخْتُبِرُوا ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ أَيْ: حُرِّكُوا بِالْخَوْفِ، وَأَصَابَتْهُمُ الْشِدَّةُ

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبهم مرض﴾ وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، الْمَرَضُ فِي تَفْسِيرِ قَتَادَةَ: النِّفَاقُ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُوله﴾ فِيمَ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُهُ ﴿إِلا غرُورًا﴾ أَيْ: وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ فَلَا تَرَانَا نُنْصَرُ وَتَرَانَا نُقْتَلُ وَنُهْزَمُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ أَلَّا يُقْتَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَلَّا يُهْزَمُوا فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ، وَإِنَّمَا وعدهم النَّصْر فِي الْعَاقِبَة.

سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 13 آيَة 14).

﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ الْأَحْزَابَ جَبُنُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا وَاللَّهِ مَا لَكُمْ مُقَامٌ مَعَ هَؤُلَاءِ؟ فَارْجِعُوا إِلَى قَوْمِكُمْ يَعْنُونَ: الْمُشْرِكِينَ فَاسْتَأْمَنُوهُمْ.
﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَورَة﴾ أَيْ: خَالِيَةٌ نَخَافُ عَلَيْهَا السَّرَقَ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُهَا إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا} يَقُولُ: لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ نَوَاحِيهَا ﴿ثمَّ سئلوا الْفِتْنَة﴾ يَعْنِي: الشّرك ﴿لآتوها﴾ لَجَاءُوهَا وَتُقْرَأُ: (لَآتَوْهَا) بِالْمَدِّ، الْمَعْنَى: لأعطوها.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 15 آيَة 17).

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قبل لَا يولون الأدبار﴾ أَيْ: يَنْهَزِمُونَ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مسئولا﴾ يَعْنِي: يَسْأَلُهُمْ عَنِ الْعَهْدِ الَّذِي لَمْ يَفُوا بِهِ.

يَحْيَى: عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلم نُبَايِعهُ على الْمَوْت ".

﴿وَإِذا لَا تمتعون﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ يَعْنِي: إِلَى آجالكم

﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ (ل 270) أَيْ: يَمْنَعُكُمْ ﴿مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بكم سوءا﴾ يَعْنِي: الْقَتْلَ وَالْهَزِيمَةَ؛ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: النَّصْرَ وَالْفَتْحَ.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 18 آيَة 20).

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْفِرَارِ، وَهُوَ التعويق ﴿وَلَا يأْتونَ الْبَأْس﴾ يَعْنِي: الْقِتَال ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ أَيْ: بِغَيْرِ حِسْبَةٍ، وَإِنَّمَا قَلَّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: إِلَّا إِتْيَانًا قَلِيلًا؛ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ يحيى.

﴿أشحة عَلَيْكُم﴾ يَقُولُ: لَا يَتْرُكُونَ لَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْف﴾ يَعْنِي: الْقِتَالَ ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ من الْمَوْت﴾ خَوْفًا مِنَ الْقِتَالِ ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْف سلقوكم﴾ أَيْ: صَاحُوا عَلَيْكُمْ ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ قَالَ مُحَمَّدٌ: قِيلَ: الْمَعْنَى: خَاطَبُوكُمْ أَشَدَّ مُخَاطَبَةٍ

وَأَبْلَغَهَا فِي الْغَنِيمَةِ، يُقَالُ: خَطِيبٌ مِسْلَاقٌ وَسَلَّاقٌ إِذَا كَانَ بَلِيغًا.
﴿أشحة على الْخَيْر﴾ الْغَنِيمَة ﴿أُولَئِكَ لم يُؤمنُوا﴾ أَيْ: لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَاب يود﴾ الْمَنَافِقُونَ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَاب﴾ أَيْ: فِي الْبَادِيَةِ مَعَ الْأَعْرَابِ ﴿يسْأَلُون عَن أنبائكم﴾ وَهُوَ كَلَام مَوْصُول.

قَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لم يذهبوا﴾ قِيلَ: الْمَعْنَى: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ وَذِهَابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا؛ لِجُبْنِهِمْ وخوفهم.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 21 - آيَة 22).

﴿وَذكر الله كثيرا﴾ وَهَذَا ذِكْرُ التَّطَوُّعِ لَيْسَ فِيهِ وَقت.

﴿وَلما رأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَاب﴾ يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ تَحَازَبُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كَانَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلا إِنَّ نصر الله قريب﴾ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: مَا أَصَابَنَا هَذَا بَعْدُ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِيمَانًا وتسليما﴾ يَعْنِي: تَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 23 آيَة 24).

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ حِينَ بَايَعُوهُ عَلَى أَلَّا يَفِرُّوا وَصَدَقُوا فِي لِقَائِهِمُ الْعَدُوَّ؛ وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نحبه﴾ يَعْنِي: أَجَلَهُ؛ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ ﴿وَمِنْهُم من ينْتَظر﴾ أَجله ﴿وَمَا بدلُوا تبديلا﴾ كَمَا بَدَّلَ الْمُنَافِقُونَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ النَّحْبِ: النَّذْرِ؛ كَأَنَّ قَوْمًا نذورا إِنْ لَقُوا الْعَدُوَ أَنْ يُقَاتِلُوا؛ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يَفْتَحِ اللَّهُ، فَقُتِلُوا فَقِيلَ: فُلَانٌ قَضَى نَحْبَهُ؛ إِذا قتل.

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقين إِن شَاءَ﴾ أَيْ: يَمُوتُوا عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُعَذِّبَهُمْ ﴿أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ فيرجعوا من نفاقهم.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 25 آيَة 27).

﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لم ينالوا خيرا﴾ يَعْنِي: لَمْ يُصِيبُوا ظَفَرًا وَلَا غَنِيمَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ خَيْرًا لَوْ نَالُوهُ ﴿وَكَفَى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال﴾ بِالرِّيحِ وَالْجُنُودِ الَّتِي أَرَسَلَ عَلَيْهِمْ

﴿وَأنزل الَّذين ظاهروهم﴾ يَعْنِي: عَاوَنُوهُمْ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يَعْنِي: حُصُونَهُمْ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ: قُرُونُ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهَا تَمْتَنِعُ بِهَا وَتَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِهَا، فَقِيلَ لِلْحُصُونِ: صَيَاصِيُّ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ وَصِيصِيَةُ الدِّيكِ شَوْكَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يتحصن بهَا.

﴿وأرضا لم تطئوها﴾ وَهِي خَيْبَر؛ فتحت عنْوَة.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 28 آيَة 30).

﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أجرا عَظِيما﴾ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُنَّ الطَّلَاقَ

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُن بِفَاحِشَة مبينَة﴾ يَعْنِي: الزِّنَا؛ فِي تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ ﴿يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: مَعْنَى (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَاب ضعفين) أَيْ: يُجْعَلُ مِثْلَيْنِ؛ الضِّعْفُ فِي اللُّغَةِ: الْمِثْلُ، يُقَالُ: هَذَا ضِعْفُ هَذَا؛ أَي: مثله.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 31 آيَة 32).

﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ: تُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿نُؤْتِهَا أجرهَا مرَّتَيْنِ﴾ قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي: فِي الْآخِرَةِ ﴿وأعتدنا﴾ أعددنا ﴿لَهَا رزقا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: الْجنَّة.

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تخضعن بالْقَوْل﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: (ل 271) هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي فِيهِ مَا يَهْوَى الْمُرِيبُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ: ﴿كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: كَوَاحِدَةٍ لِأَنَّ أَحَدًا مَعْنًى عَامٌّ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ.
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قلبه مرض﴾ أَيْ: فُجُورٌ؛ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يُصِيبُ الْحُدُودَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَام المُنَافِقُونَ.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 33 آيَة 34).

﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ مَنْ قَرَأَهَا بِالْفَتْحِ؛ فَهُوَ مِنَ الْقَرَارِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْأَصْلُ فِيهِ: (اقْرَرْنَ) فَحَذَفَ الرَّاءَ الْأُوْلَى لِثَقَلِ التَّضْعِيفِ،

وَأَلْقَى حَرَكَتُهَا عَلَى الْقَافِ؛ فَصَارَتْ: (وَقَرْنَ).
قَالَ يَحْيَى: وَتُقْرَأُ: (وَقِرْنَ) بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مِنَ الْوَقَارِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَرَ فِي مَنْزِلِهِ يَقِرُّ وُقُورًا.
﴿وَلا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ أَيْ: قَبْلَكُمْ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ، وَلَيْسَ يَعْنِي: أَنَّهَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةً قبلهَا؛ كَقَوْلِه: ﴿عادا الأولى﴾.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَعْنِي الْجَاهِلِيَّةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ قَبْلَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ يَعْنِي: الْمَفْرُوضَةَ ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فِيمَا أَمَرَكُنَّ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ يَعْنِي: الشَّيْطَانَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرِّجْسُ: الْإِثْمُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: الرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: كُلُّ مُسْتَنْكَرٍ مُسْتَقْذَرٍ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ فَاحِشَةٍ، و (أهل الْبَيْت) مَنْصُوبٌ عَلَى وَجْهَيْنِ: عَلَى مَعْنَى: أَعْنِي أَهْلَ الْبَيْتِ، وَعَلَى النِّدَاءِ.
﴿وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾.
يَحْيَى: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ أبي الْحَمْرَاء، قَالَ:

" رابطت الْمَدِينَة سَبْعَة أشهر مَعَ النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، وَسمعت النَّبِي إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ جَاءَ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ: الصَّلَاةَ ثَلَاثًا - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا﴾ ". سُورَة الْأَحْزَاب (آيَة 35)

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ هُوَ كَلَامٌ وَاحِدٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ من الْمُسلمين﴾ وَالْإِسْلَامُ هَوَ اسْمُ الدِّينِ، قَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ وَهُو الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ الْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ والصابرات﴾ عَلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿والخاشعين والخاشعات﴾ وَهُوَ الْخَوْفُ الثَّابِتُ فِي الْقَلْبِ ﴿والمتصدقين والمتصدقات﴾ يَعْنِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾.
قَالَ يَحْيَى: بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَهُوَ مِنَ الصَّائِمِينَ والصائمات ﴿والحافظين فروجهم والحافظات﴾ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُنَّ.
﴿وَالذَّاكِرِينَ الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ يَعْنِي: بِاللِّسَانِ؛ وَلَيْسَ فِي الذّكر وَقت.
سُورَة الْأَحْزَاب من (آيَة 36 - آيَة 39).

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل