آل عمران
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي زَمَنِين
- الكتاب
- تفسير القرآن العزيز
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
- المحقق
- أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
- الناشر
- الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ إِلَى
السيوف بأيدي الرِّجَال.
قَالَ قَتَادَة: أنَاس من الْمُسلمين لم يشْهدُوا يَوْم بدر، فَكَانُوا يتمنون أَن يرَوا قتالا؛ فيقاتلوا، فسيق إِلَيْهِم الْقِتَال يَوْم أحد.
قَالَ غير قَتَادَة: فَلم يثبت مِنْهُم إِلَّا من شَاءَ الله.
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خلت من قبله الرُّسُل﴾ الْآيَة تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: ذَلِك يَوْم أحد حِين أَصَابَهُم الْقرح وَالْقَتْل؛ فَقَالَ أنَاس مِنْهُم: لَو كَانَ نَبيا مَا قتل، وَقَالَ نَاس من علية أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام: قَاتلُوا على مَا قَاتل عَلَيْهِ نَبِيكُم؛ حَتَّى يفتح الله لكم، أَو تلحقوا بِهِ؛ فَقَالَ الله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعقابكم﴾ يَقُول ارتددتم [على أعقابكم] كفَّارًا بعد إيمَانكُمْ ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ إِنَّمَا يضر نَفسه ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ يجزيهم بِالْجنَّةِ.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال لمن كَانَ على شَيْء، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ: انْقَلب على عَقِبَيْهِ.
[آيَة 145]
[آيَة 146 - 148]
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾ لَا يَسْتَقْدِم، وَلَا يسْتَأْخر عَنهُ.
قَالَ مُحَمَّد: وَنصب ﴿كتابا﴾ على معنى: كتب ذَلِك كتابا.
﴿وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا ثؤته مِنْهَا﴾ مثل قَوْله: (ل 53) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيد وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ يَعْنِي: الْجنَّة.
قَالَ مُحَمَّد: وَقَوله: ﴿وَمن يرد ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ قيل: مَعْنَاهُ: من كَانَ إِنَّمَا يقْصد بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا
﴿وكأين من نَبِي﴾ أَي: وَكم من نَبِي ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أَي: جموع كَثِيرَة، وتقرأ: ﴿قَاتل مَعَه﴾ ﴿فَمَا وهنوا﴾ أَي: ضعفوا وعجزوا.
﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أَي: وَمَا ارْتَدُّوا عَن بصيرتهم.
قَالَ مُحَمَّد: الرّبَّة: الْجَمَاعَة، وَيُقَال للْجمع: رِبِّي؛ كَأَنَّهُ نسب إِلَى الربة؛ فَإِذا جمع قيل: ربيون، وَمعنى اسْتَكَانُوا: خشعوا وذلوا.
﴿وَمَا كَانَ قَوْلهم﴾ حِين لقوا عدوهم ﴿إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإسرافنا فِي أمرنَا﴾ يُرِيدُونَ: خطاياهم.
﴿فآتاهم الله﴾ أَعْطَاهُم ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَة﴾ أما ثَوَاب الدُّنْيَا: فالنصر على عدوهم، وَأما ثَوَاب الْآخِرَة: فالجنة.
قَالَ مُحَمَّد: تقْرَأ ﴿وَمَا كَانَ قَوْلهم﴾ بِالرَّفْع وَالنّصب؛ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع: جعل خبر ((كَانَ)) مَا بعد ((إِلَّا)) وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام أَن يكون الِاسْم هُوَ مَا بعد ((إِلَّا)) فَيكون الْمَعْنى: وَمَا كَانَ قَوْلهم إِلَّا استغفارهم.
[آيَة 149 - 151]
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كفرُوا﴾ يَعْنِي: الْيَهُود؛ فِي تَفْسِير الْحسن ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ أَي: إِلَى الشّرك ﴿فتنقلبوا﴾ إِلَى الْآخِرَة ﴿خَاسِرِينَ﴾
﴿بل الله مولاكم﴾ وَلِيكُم ينصركم ويعصمكم من أَن ترجعوا كَافِرين
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرعب﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: مُشْركي الْعَرَب ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ ينزل بِهِ سُلْطَانا﴾ أَي: حجَّة بِمَا هم عَلَيْهِ من
الشّرك ﴿ومأواهم النَّار﴾ أَي: مصيرهم إِلَى النَّار ﴿وَبِئْسَ مثوى الظَّالِمين﴾ منزل الظَّالِمين الْمُشْركين ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ تَفْسِير الْحسن وَغَيره: [إِذا] تقتلونهم.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: سنة حسوس؛ إِذا أَتَت على كل شَيْء، وجراد محسوس؛ إِذا قَتله الْبرد.
﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ الْآيَة، قَالَ الْحسن: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَأَيْتنِي البارحة؛ كَأَن عليَّ درعا حَصِينَة، (فَأَوَّلتهَا} الْمَدِينَة، فأكمِنوا للْمُشْرِكين فِي أزقتها حَتَّى يدخلُوا عَلَيْكُم فِي أزقتها؛ فتقتلوهم.
فَأَبت الْأَنْصَار من ذَلِك فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، منعنَا مدينتنا من تبع والجنود فنخلي بَين هَؤُلَاءِ الْمُشْركين وَبَينهَا يدْخلُونَهَا؟ ﴿فَلَيْسَ رَسُول الله سلاحه، فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده أقبل بَعضهم على بعض، فَقَالُوا: مَا صنعنَا؛ أَشَارَ علينا رَسُول الله، فَرددْنَا رَأْيه، فَأتوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، نكمن لَهُم فِي أزقتها؛ حَتَّى يدخلُوا فنقتلهم فِيهَا؛ فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ لبني لبس لأمته - أَي: سلاحه - أَن يَضَعهَا؛ حَتَّى (يُقَاتل) قَالَ: فَبَاتَ رَسُول الله دونهم بليلة؛ فَرَأى رُؤْيا، فَأصْبح فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت البارحة كَأَن بقرًا ينْحَر، فَقلت: بقر﴾ وَالله خير، وَإنَّهُ كائنة فِيكُم مُصِيبَة، وَإِنَّكُمْ ستلقونهم وتهزمونهم غَدا؛ فَإِذا هزمتموهم فَلَا تتبعوا المدبرين))
فَفَعَلُوا فلقوهم فهزموهم؛ كَمَا قَالَ رَسُول الله فأتبعوا المدبرين على وَجْهَيْن: أما بَعضهم: فَقَالُوا: مشركون وَقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم، فَقَتَلُوهُمْ على وَجه الْحِسْبَة، وَأما بَعضهم: فَقَتَلُوهُمْ لطلب الْغَنِيمَة، فَرجع الْمُشْركُونَ عَلَيْهِم فهزموهم، حَتَّى صعدوا أحدا؛ وَهُوَ قَوْله: [آيَة 152]
﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ لقَوْل رَسُول الله: إِنَّكُم ستلقونهم فتهزمونهم، فَلَا تتبعوا المدبرين.
وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا فشلتم﴾ أَي: ضعفتم فِي أَمر رَسُول الله ﴿وتنازعتم﴾ اختلفتم فصرتم فرْقَتَيْن؛ تقاتلونهم على وَجْهَيْن.
﴿وعصيتم﴾ الرَّسُول ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تحبون﴾ من النَّصْر على عَدوكُمْ ﴿مِنْكُمْ من يُرِيد الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: الْغَنِيمَة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَد عَفا عَنْكُم﴾ حِين لم يستأصلكم ﴿وَاللَّهُ ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾.
[آيَة 153 - 155]
﴿إِذْ تصعدون﴾ إِلَى الْجَبَل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلَى أحد﴾ يَعْنِي: النَّبِي.
(ل 54) ﴿وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم﴾ جعل يَقُول: إليَّ عباد الله حَتَّى خص الْأَنْصَار؛ فَقَالَ: يَا أنصار الله [إليَّ، أَنا] رَسُول الله، فَرَجَعت الْأَنْصَار والمؤمنون.
﴿فَأَثَابَكُمْ غما بغم﴾
قَالَ يحيى: كَانُوا تحدثُوا يَوْمئِذٍ أَن نَبِي الله أُصِيب، وَكَانَ الْغم الآخر قتل أَصْحَابهم والجراحات الَّتِي فيهم؛ وَذكر لنا أَنه قُتِل يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ رجلا: سِتَّة وَسِتُّونَ من الْأَنْصَار، وَأَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بغم﴾ أَي: جازاكم غما مُتَّصِلا بغم.
وَقَوله: ﴿إِذْ تصعدون﴾ تقْرَأ: ﴿تصعدون﴾ و ﴿تَصْعَدُونَ﴾، فَمن قَرَأَ بِضَم التَّاء فَالْمَعْنى: تبعدون فِي الْهَزِيمَة، يُقَال: أصعد فِي الأَرْض؛ إِذا أمعن فِي الذّهاب، وَصعد الْجَبَل والسطح.
﴿لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من الْغَنِيمَة ﴿وَلا مَا أَصَابَكُم﴾ فِي أَنفسكُم من الْقَتْل والجراحات.
قَالَ مُحَمَّد: قيل: أَي: ليَكُون غمكم؛ بأنكم خالفتم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام فَقَط.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ تَفْسِير قَتَادَة: كَانُوا يَوْمئِذٍ فريقين: فَأَما الْمُؤْمِنُونَ: فغشاهم الله النعاس أَمَنَة مِنْهُ وَرَحْمَة، والطائفة الْأُخْرَى: المُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُم هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا من الْأَمر من شَيْء﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: (هم المُنَافِقُونَ) قَالُوا لعبد الله بن أبي بن سلول: قتل بَنو الْخَزْرَج! فَقَالَ: وَهل لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ الله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ﴾ يَعْنِي: النَّصْر ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانَ مَا أخفوا فِي أنفسهم أَن قَالُوا: لَو كُنَّا على شَيْء من الْأَمر - أَي: من الْحق - مَا قتلنَا هَا هُنَا، وَلَو كُنَّا فِي بُيُوتنَا مَا أَصَابَنَا الْقَتْل.
قَالَ الله للنَّبِي: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ} أَي: يطهره ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ بِمَا فِي الصُّدُور
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التقى الْجَمْعَانِ﴾ تَفْسِير قَتَادَة قَالَ: كَانَ أنَاس من أَصْحَاب النَّبِي توَلّوا عَن الْقِتَال، وَعَن نَبِي الله عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم أحد وَكَانَ ذَلِك من أَمر الشَّيْطَان وتخويفه؛ فَأنْزل الله: ﴿وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم ... .﴾ الْآيَة.
[156 - 159]
﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: التِّجَارَة ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ يَعْنِي: فِي الْغَزْو.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿غزى﴾ جمع (غَازٍ} مثل: قَاس وقسى، وعاف وَعفى قَالَ الْحسن: هم المُنَافِقُونَ ﴿وَقَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: إخْوَانهمْ فِيمَا يظْهر المُنَافِقُونَ من الْإِيمَان.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا﴾ قَالُوا هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا نِيَّة لَهُم فِي الْجِهَاد.
قَالَ الله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبهم﴾ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يجاهدون قوما على دينهم، فَذَلِك عَلَيْهِم عَذَاب وحسرة
(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ
مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خير مِمَّا تجمعون} أَي: من الدُّنْيَا.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم﴾ أَي: فبرحمة من الله ورضوان و (مَا) صلَة زَائِدَة ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُم﴾ أمره أَن يعْفُو عَنْهُم مَا لم يلْزمهُم من حكم أَو حد.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمر﴾ أمره الله أَن يشاور أَصْحَابه فِي الْأُمُور؛ لِأَنَّهُ أطيب لأنفس الْقَوْم، وَأَن الْقَوْم إِذا شاور بَعضهم بَعْضًا، وَأَرَادُوا بذلك وَجه الله - عزم الله لَهُم على أرشده.
[آيَة 160 - 163]
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لكم﴾ الْآيَة، وَقد أعلم الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ أَنهم منصورون، وَكَذَلِكَ إِن خذلهم لن ينصرهم من بعده نَاصِر.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قَالَ قَتَادَة: يَعْنِي: أَن يغله أَصْحَابه من الْمُؤمنِينَ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يَحْيَى: عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ((وَالَّذِي نَفسِي (ل 55) بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْمَالِ بَعِيرًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهُ عَلَى عُنُقِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَلا بَقَرَةً إِلا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهَا عَلَى عُنُقِهِ وَلَهَا خُوَارٌ، وَلا شَاةً إِلا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَامِلَهَا عَلَى عُنُقِهِ وَهِيَ تَيْعَرُ)).
قَالَ مُحَمَّد: معنى (تَيْعر): تصيح.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاء بسخط من الله﴾ أَي: اسْتوْجبَ سخط الله؛ يَقُول: أَهما سَوَاء؟! على وَجه الِاسْتِفْهَام أَي: أَنَّهُمَا ليسَا بِسَوَاء ﴿وَمَأْوَاهُ﴾ مصيره.
﴿هم دَرَجَات عِنْد الله﴾ يَعْنِي: أهل النَّار بَعضهم أَشد عذَابا من بعض، وَأهل الْجنَّة بَعضهم أرفع دَرَجَات من بعض.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ الله﴾ الْمَعْنى: هم [ذَوُو] دَرَجَات.
[آيَة 164]
[آيَة 165 - 168]
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يَعْنِي: يصلحهم.
﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ السّنة ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أَن يَأْتِيهم النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام ﴿لفي ضلال مُبين﴾ بَين.
﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة﴾ أَي: يَوْم أحد.
﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مثليها﴾ يَوْم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أَي: من أَيْن أوتينا وَنحن مُؤمنُونَ وَالْقَوْم مشركون؟! ﴿قُلْ هُوَ من عِنْد أَنفسكُم﴾ بمعصيتكم رَسُول الله حِين أَمركُم أَلا تتبعوا المدبرين
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يَعْنِي: جمع الْمُؤمنِينَ، وَجمع الْمُشْركين يَوْم أحد ﴿فبإذن الله﴾ أَي: الله أذن فِي ذَلِك ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ وَهَذَا علم الفعال.
﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادفعوا﴾ أَي: كَثُرُوا السوَاد ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمئِذٍ أقرب مِنْهُم للْإيمَان﴾ وَإِذا قَالَ الله: ﴿أقرب﴾ قَالَ الْحسن: فَهُوَ الْيَقِين؛ أَي: إِنَّهُم كافرون.
قَالَ الْكَلْبِيّ: كَانُوا ثَلَاثمِائَة مُنَافِق؛ رجعُوا مَعَ عبد الله بن أبي ابْن سلول؛
فَقَالَ لَهُم جَابر بن عبد الله: أنْشدكُمْ الله فِي نَبِيكُم ودينكم وذراريكم.
قَالُوا: وَالله لَا يكون الْيَوْم قتال، وَلَو نعلم قتالا لَاتَّبَعْنَاكُمْ.
قَالَ الله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾
﴿الَّذين قَالُوا لإخوانهم﴾ يَعْنِي: من قُتِلَ من الْمُؤمنِينَ يَوْم أُحُد هم فِيمَا أظهره المُنَافِقُونَ من الْإِيمَان إخْوَانهمْ ﴿وَقَعَدُوا﴾ عَن الْقِتَال ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قتلوا﴾ أَي: مَا خَرجُوا مَعَ مُحَمَّد.
قَالَ الله لنَبيه: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين﴾ أَي: لَا تَسْتَطِيعُونَ أَن تدرءوه، يَعْنِي: تدفعوه.
[آيَة 169 - 171]
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿بل أَحيَاء﴾ بِالرَّفْع؛ الْمَعْنى: بل هم أَحيَاء.
﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضله﴾ أَي: من الشَّهَادَة والرزق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلفهم﴾ الْآيَة، يَقُول بَعضهم لبَعض: تركنَا إِخْوَاننَا: فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا يُقَاتلُون الْعَدو؛ فَيُقْتَلون إِن شَاءَ الله؛ فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن.
يَحْيَى: عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَتْ أَرْوَاحُ أَهْلِ أُحُدٍ عَلَى اللَّهِ، جُعِلَتْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ
تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ يُجَاوِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِ؛ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ خَلَّفْنَا مِنْ بَعْدِنَا عَلِمُوا مِثْلَ الَّذِي عَلِمْنَا فَسَارَعُوا إِلَى مِثْلِ مَا سَارَعْنَا فِيهِ؛ فَإِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ لَيُخْبِرَنَّ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُخْبِرَهُمْ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿أجر الْمُؤمنِينَ﴾ [آيَة 172 - 175]
[176 - 177]
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بعد مَا أَصَابَهُم الْقرح﴾ يَعْنِي: الْجراح؛ وَذَلِكَ يَوْم أُحُد؛ حَيْثُ قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رَحِمَ اللَّهُ قوما ينتدبون حَتَّى يعلم الْمُشْركُونَ أَنا لم نستأصل، وَأَن فِينَا بَقِيَّة فَانْتدبَ قوم مِمَّن أَصَابَتْهُم الْجراح)).