تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 296-309
أهل الأثرالأرشيف العلمي

آل عمران

صفحات 296-309
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿يخْتَص برحمته﴾ أَي: بِدِينِهِ؛ وَهُوَ الْإِسْلَام ﴿مَنْ يَشَاء﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ.
[آيَة 75 - 76]

﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك﴾ يَعْنِي: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.

قَالَ قَتَادَة: كُنَّا نُحدث أَن القنطار مائَة رَطْل من ذهب، أَو ثَمَانُون ألفا من الْوَرق.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما﴾ يَعْنِي: إِن سَأَلته حِين تعطيه إِيَّاه رده إِلَيْك، وَإِن أنظرته بِهِ أَيَّامًا ذهب بِهِ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيين﴾ يعنون: مُشْركي الْعَرَب ﴿سَبِيل﴾ إِثْم.
تَفْسِير الْحسن: كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَت لَهُم هَذِه الْحُقُوق وَتجب علينا وهم على دينهم، فَلَمَّا تحولوا عَن دينهم لم يثبت لَهُم علينا حق.
قَالَ الله - عز وَجل -: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ﴾ أَنهم كاذبون

﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: أدّى الْأَمَانَة وآمن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
[آيَة 77 - 79]

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا﴾ هم ﴿أهل الْكتاب﴾ كتبُوا كتبا بِأَيْدِيهِم، وَقَالُوا: هَذَا من عِنْد الله؛ فاشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا؛ أَي عرضا من عرض الدُّنْيَا، وحلفوا أَنه من عِنْد الله.
﴿أُولَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة﴾ أَي: لَا نصيب لَهُم [فِي] الْجنَّة.
﴿وَلَا يكلمهم الله﴾ بِمَا يحبونَ [وَذَلِكَ] يَوْم الْقِيَامَة، وَقد يكلمهم ويسألهم عَن أَعْمَالهم.
قَالَ: ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم﴾ نظرة رَحْمَة [يَوْم الْقِيَامَة] ﴿وَلا يزكيهم﴾ أَي: لَا يطهرهم من ذنوبهم ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ موجع

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكتاب﴾ تَفْسِير قَتَادَة: حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فِيهِ، وَزَعَمُوا أَنه من عِنْد الله.

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة﴾ كَمَا آتى عيسي ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دون الله﴾ أَي: اعبدوني؛ يَقُول: لَا يفعل ذَلِك من آتَاهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة.
قَالَ الْحسن: احْتج (ل 48) عَلَيْهِم بِهَذَا؛ لقَولهم [إِن عيسي يَنْبَغِي لَهُ أَن يعبد] وَأَنَّهُمْ قبلوا ذَلِك عَن الله، وَهُوَ فِي كِتَابهمْ الَّذِي نزل من عِنْد الله.
قَالَ ﴿وَلَكِنْ كُونُوا ربانيين﴾ أَي: وَلَكِن يَقُول لَهُم: كونُوا ربانيين؛ أَي: عُلَمَاء فُقَهَاء ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تدرسون﴾ تقرءون

[آيَة 80 - 82]

﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنبيين أَرْبَابًا﴾ أَي: من دون الله ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ على الِاسْتِفْهَام أَي: لَا يفعل.

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لما آتيناكم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذَلِكُم إصري﴾ [أَي: عهد ثقيل] ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدين﴾.
يَقُوله الله: أَنا شَاهد مَعَهم وَعَلَيْهِم، بِمَا أعْطوا من الْمِيثَاق وَالْإِقْرَار، قَالَ قَتَادَة: هَذَا مِيثَاق أَخذه الله على النَّبِيين أَن يصدق بَعضهم بَعْضًا، وَأَن يبلغُوا كتاب الله ورسالاته إِلَى عباده، وَأخذ مِيثَاق أهل الْكتاب فِي كِتَابهمْ فِيمَا بلغتهم رسلهم؛ أَن يُؤمنُوا بِمُحَمد ويصدقوه وينصروه

﴿فَمن تولى بعد ذَلِك﴾ ﴿أَي:﴾ بعد الْعَهْد والميثاق الَّذِي أَخذ الله عَلَيْهِم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آيَة 83 - 85]

[آيَة 83 - 85]

﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ﴾ (يطْلبُونَ) ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها﴾ تَفْسِير الْحسن: وَله أسلم من فِي السَّمَوَات، ثمَّ انْقَطع الْكَلَام، ثمَّ قَالَ: ﴿وَالأَرْضِ﴾ أَيْ: وَمَنْ فِي الأَرْضِ طَوْعًا وَكرها؛ يَعْنِي: طَائِعا وكارها.
قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَاللَّهِ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ طَوْعًا؛ كم دَخَلَهُ كَرْهًا)).
قَالَ يَحْيَى: لَا أَدْرِي أَرَادَ الْمُنَافِقَ، أَوِ الَّذِي قُوتِلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَّا الْمُؤمن فَأسلم طَائِعا؛ فنفعه ذَلِك وَقُبِلَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَأَسْلَمَ كَارِهًا؛ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.
قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي بِالْكَافِرِ: الْمُنَافِقَ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ قلبه.
قَالَ مُحَمَّد: ﴿طَوْعًا﴾ مصدر، وضع مَوضِع الْحَال.

﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط﴾ الأسباط: يُوسُف وَإِخْوَته، إِلَى قَوْله ﴿مُسلمُونَ﴾ قَالَ الْحسن: هَذَا مَا أَخذ الله على رَسُوله، وَلم يُؤْخَذ عَلَيْهِ مَا أَخذ على الْأَنْبِيَاء فِي قَوْله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ إِذْ لَا نَبِي بعده

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾ خسر نَفسه؛ فَصَارَ فِي النَّار، وخسر أَهله من الْحور الْعين.
[آيَة 86 - 89]

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حق﴾ قَالَ مُجَاهِد: نزلت فِي رجل من بني عَمْرو بن عَوْف كفر بعد إيمَانه.
﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يَعْنِي: الْكتاب فِيهِ الْبَينَات والحجج.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: من لَا يُرِيد أَن يهديه مِنْهُم

﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ يَعْنِي بِالنَّاسِ: الْمُؤمنِينَ خَاصَّة

﴿خَالِدين فِيهَا﴾ أَي: فِي تِلْكَ اللَّعْنَة، وثوابها النَّار.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هم ينظرُونَ﴾ يؤخرون بِالْعَذَابِ.

﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ يَعْنِي: من أَرَادَ الله أَن يهديه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آيَة 90 - 91]

[آيَة 92]

قَوْله عز ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كفرا﴾ قَالَ الْحسن: هم أهل الْكتاب كَانُوا مُؤمنين، ثمَّ كفرُوا ثمَّ ازدادوا كفرا؛ أَي: مَاتُوا على كفرهم.
يَقُول: لن يقبل الله إِيمَانهم الَّذِي كَانَ قبل ذَلِك، [إِذا مَاتُوا] على كفرهم ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ قَالَ مُحَمَّد: يُقَال: هَذَا مِلْءُ هَذَا؛ أَي: مِقْدَار مَا يمْلَأ، والْمَلْءُ الْمصدر فبالفتح، يُقَال: مَلَأت الشَّيْء ملئا؛ هَذَا هُوَ الِاخْتِيَار (عِنْد اللغويين)

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحبون﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي الزَّكَاة (ل 49) الْوَاجِبَة ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِن الله بِهِ عليم﴾ يحفظه لكم حَتَّى يجازيكم بِهِ.
[آيَة 93 - 96]

[آيَة 97 - 98]

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فاتلوها﴾ [أَي: فاقرءوها] ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَن فِيهَا مَا تذكرُونَ [أَنه] حرمه عَلَيْكُم.
قَالَ الْحسن: وَكَانَ الَّذِي حرم إِسْرَائِيل على نَفسه: لُحُوم الْإِبِل، وَقَالَ بَعضهم: أَلْبَانهَا.

﴿قل صدق الله﴾ أَن إِبْرَاهِيم كَانَ مُسلما ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ والحنيف: المخلص.

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ الْحسن: يَعْنِي: وضع قبْلَة لَهُم.
﴿للَّذي ببكة مُبَارَكًا﴾ تَفْسِير حبيب بن أبي ثَابت: قَالَ: الْبَيْت وَمَا حوله بكة، وأسفل من ذَلِك مَكَّة، وَإِنَّمَا سمي الْموضع بكة؛ لِأَن النَّاس يتزاحمون فِيهِ.
قَالَ مُحَمَّد: البك أَصله فِي اللُّغَة: الدّفع، وَنصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الْحَال

﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قَالَ الْحسن: مقَام إِبْرَاهِيم من الْآيَات الْبَينَات ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمنا﴾ قَالَ الحَسَن: كَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة؛ لَو أَن رجلا جر جريرة، ثمَّ لَجأ إِلَى الْحرم - لم يُطْلب وَلم يُتَنَاول، وَأما

فِي الْإِسْلَام؛ فَإِن الْحرم لَا يمْنَع من حد، من أصَاب حدا أقيم عَلَيْهِ.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حج الْبَيْت﴾ قَالَ مُحَمَّد: الْحَج فِي اللُّغَة مَعْنَاهُ: ((الْقَصْد؛ يُقَال: حججْت الشَّيْء أحجه حجا؛ إِذا قصدته مرّة بعد مرّة، وَمن هَذَا قَول الشَّاعِر: (وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة ... يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا)

أَي: يكثرون الِاخْتِلَاف إِلَيْهِ؛ لسؤدده، وَكَانَ الرئيس يعتم بعمامة صفراء تكون علما لرئاسته.
قَوْله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ يَحْيَى: (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ) ((أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [إِنَّ اللَّهَ قَالَ]: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ فَمَا السَّبِيل؟ قَالَ: الزَّاد والراحة)).

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن الْعَالمين﴾ قَالَ الْحسن: الْكفْر: أَن يَقُول:

لَيْسَ بفريضة؛ فيكفر بِهِ.
[آيَة 99 - 100]

﴿قل يَا أهل الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَام ﴿مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عوجا﴾ أَي: تطلبون بهَا العوج.
﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاء﴾ على ذَلِك فِيمَا تقرون من كتاب الله أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، وَأَن الْإِسْلَام دين الله.
قَالَ مُحَمَّد: يُقَال فِي الْأَمر: (عِوَج) بِالْكَسْرِ؛ إِذا كَانَ فِي الدّين، وَيُقَال

لكل شَيْء مائل: فِيهِ (عَوَج) بِالْفَتْح؛ كالعصا والحائط وَشبه ذَلِك.

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ يَعْنِي: من لم يُؤمن مِنْهُم.
[آيَة 101 - 103]

﴿وَمن يعتصم بِاللَّه﴾ أَي: يسْتَمْسك بدين الله

﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاته﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: حق تُقَاته أَن يطاع فَلَا يعْصى، ويشكر فَلَا يكفر، وَيذكر فَلَا ينسى.
قَالَ قَتَادَة: نزلت هَذِه الْآيَة فَثقلَتْ عَلَيْهِم، ثمَّ أنزل الله الْيُسْر وَالتَّخْفِيف، فَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسمعوا وَأَطيعُوا﴾

﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ قَالَ الْحسن وَغَيره: حَبل الله: الْقُرْآن.
قَالَ مُحَمَّد: وأصل الْحَبل فِي اللُّغَة: الْعَهْد.
قَالَ (الْأَعْشَى): (وَإِذا أجوزها حبال قَبيلَة ... أخذت من الْأُخْرَى إِلَيْهَا حبالها}

يَعْنِي: عهودها.
قَوْله: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ أَي: اشكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ﴾ بِالْإِيمَان ﴿فأصبحتم﴾ يَعْنِي: فصرتم ﴿بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنقذكم مِنْهَا﴾ بِالْإِسْلَامِ.
قَالَ مُحَمَّد: قَوْله: ﴿شَفَا حُفْرَة﴾ يَعْنِي: حرف حُفْرَة؛ أَي: قد كُنْتُم أشرفتم على النَّار.
[آيَة 104 - 109]

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: [بتوحيد الله] ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكر﴾ يَعْنِي: الشّرك بِاللَّه.
قَالَ [مُحَمَّد]: قَوْله: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة﴾ قيل: مَعْنَاهُ: ولتكونوا كلكُمْ أمة.

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا﴾ هم أهل الْكتاب، يَقُول: لَا تَفعلُوا كفعلهم.
(ل 50) ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ يَحْيَى: عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [عَنْ أَبِي غَالِبٍ] قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ أَبِي أُمَامَةَ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى دَرَجِ الْمَسْجِدِ بِدِمَشْقَ؛ فَإِذَا بِرُءُوسٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مَنْصُوبَةً، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الرُّءُوسُ؟ ﴿قَالُوا: رُءُوسُ خَوَارِجَ جِيءَ بِهَا مِنَ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: كِلابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ﴾ شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ! خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، خَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ.
ثُمَّ بَكَى، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: رَحْمَةً لَهُمْ؛ إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، فَخَرَجُوا مِنَ الإِسْلامِ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات﴾ حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِهَا، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ فَقُلْتُ: هُمْ هَؤُلاءِ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: شَيْءٌ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ، أَمْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُهُ؟ قَالَ: إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ! لَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ.
حَتَّى بلغ سبعا، وَوضع أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَإِلَّا فصمتا.
ثمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَّ يَقُولُ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى سَبْعِينَ فِرْقَةً؛ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهَا فِي النَّارِ، وَلَتَزِيدَنَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأُمَّةُ وَاحِدَةً؛ فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهَا فِي النَّارِ: فَقُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ.
قَالَ: فَقُلْتُ: فِي السَّوَادِ الأَعْظَمِ مَا قَدْ تَرَى.
قَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ خير من الْفرْقَة وَالْمَعْصِيَة)).

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل