الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -المسألة الأولى

: مثّل المردود من كتب المحدّثين بحديث1: جرير بن عبد الله البجلي في الرّؤية2وهذا من الإغراب الكثير والجهل العظيم, فإنّ المحدّثين يروون في الرّؤية أحاديث كثيرة تزيد على ثمانين حديثاً عن خلق كثير من الصّحابة أكثر من ثلاثين صحابيّاً, منهم: أبو هريرة, وأبو سعيد الخدريّ, وأبو موسى, وعديّ بن حاتم, وأنس بن مالك, وجرير بن عبد الله, وكلّ هؤلاء أحاديثهم متفق عليها مخرّجة في صحيح البخاريّ ومسلم معاً, وفي غيرهما من كتب الحديث.
ومنهم: بُريدة بن الحُصيب, وأبو رزين العُقيلي, وجابر بن عبد الله, وأبو أمامة, وزيد بن ثابت, وعمّار بن ياسر, وعبد الله بن عمر بن الخطّاب, وعمارة ابن رويبة3, وأبو بكر الصّدّيق, وعائشة أمّ المؤمنين, وسلمان الفارسيّ, وحذيفة بن اليمان, وعبد الله بن

العباس, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وكعب بن عجرة, وفضالة بن عبيد, والزّبير بن العوّام, ولقيط بن صبرة, وعمر1بن ثابت الأنصاري2, وعبد الله بن بُريدة, وأبو برزة الأسلميّ, وأبو الدّرداء, وأبو ثعلبة الخشني, وعبادة بن الصّامت, وأُبيّ بن كعب, وروى حديث الرؤية علماء الحديث كلّهم في جميع دواوين الإسلام من طرق كثيرة, حتى رووه من طريق زيد بن عليّ -رضي الله تعالى عنهما-.
وفي الصّحيحين منها ثلاثة عشر حديثاً, اتفقا منها على ثمانية أحاديث, وانفرد البخاريّ بحديثين, ومسلم بثلاثة أحاديث, ولولا خوف التّطويل لذكرت ما في كتب السّنن, وقد استوفاها شيخنا الحافظ3النّفيس العلوي اليمنيّ4-أدام الله علوّه- في كتابه ((الأربعين))5وذكر كثيراً منها الحافظ الكبير البارع الشّهير بابن قيّم الجوزيّة في كتابه ((حادي الأرواح إلى دار الأفراح))6وغيرهما.

فاعتقاد المعترض أنّ حديث الرّؤية مرويّ من طريق جرير بن عبد الله فقط, وأنّ جريراً مطعون فيه بما لم يصحّ, من تخريب عليّ - رضي الله عنه - لداره, بل بما لو صحّ1لم يكن قادحاً على مذهب المحدّثين ولا مذهب الزّيديّة, أمّا [المحدّثون]2فظاهر, وأمّا الزّيديّة فلأنّ المتأوّلين عندهم مقبولون, وإن لم يكونوا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فإذا كانوا أصحابه كانوا أولى بالقبول لأنّ صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أسباب الزّيادة لا من أسباب النّقص, فثبت بهذا أنّه قدح بما لا يقدح به [في مذهبه, ولا]3في مذهب خصمه, وأنّه باعتقاده لانفراد جرير بالحديث في مرتبة ينبغي أن يرحم صاحبها, لما هو عليه من البعد عن المعرفة والتّعاطي للرّدّ على من لم يحط من علمه بشيء يعتدّ به, فالله المستعان!.
وهذا كلّه من /تعرّضه لما لا يحسنه, ودخوله فيما لا يعرفه, فإنّ علم الحديث علم جليل القدر غزير البحر, والخوض مع نقّاده بغير البصيرة يؤدّي إلى التّخبّط في مثل هذه الجهالة.
والتّورّط في مثل هذه الضّلالة, وإنّما الذي كان يحسنه هذا المعترض أن ينقل من (([تعليق]4

الخلاصة))1كلام المعتزلة في الدّليل على استحالة رؤية الله تعالى في جهة, وأنّ الدّليل العقليّ يوجب تأويل ما ورد من السّمع بخلافه, ويقف على هذا الحدّ ولا يتعرّض بعده لأحد.2
## المسألة الثّانية: قال: والقطع أنّه إذا جرح الرّاوي جماعة عدول فإنّ جرحهم مقبول؛ لأنّ الجارح يقدّم على المعدّل.
قلت: هذا القطع الذي ذكره قطع بغير تقدير3, ولا هدى ولا كتاب منير؛ لأنّ المسألة ظنّيّة لا قطعيّة, وخلافيّة لا إجماعيّة, بل الواجب التّفصيل في الجرح: فإن كان مطلقاً غير مفسّر السّبب, فالجرح به مختلف فيه, والصّحيح عند المحقّقين: أنّه لا يجرح [به]4لاختلاف النّاس في الأسباب التي يجرح بها, وتفسير جماعة من الثّقات ما أطلقوه من الجرح بأمور لا يوافقون على الجرح بها.

وأمّا إن كان الجرح مفسّر السّبب, فإما أن يعارضه تعديل جامع لشرائط المعارضة, مثل أن يقول [الجارح: إنّ الرّاوي]1ترك صلاة الظّهر يوم كذا في تاريخ كذا, ويقول المعدّل: إنّه صلّى تلك الصّلاة في ذلك التّاريخ.
أو يقول المعدّل: إنّه كان في ذلك الوقت نائماً أو مغلوباً على اختياره أو صغيراً غير مكلّف أو معدوماً غير مخلوق أو غائباً عن حضرة الجارح, أو نحو ذلك؛ فهنا يجب الرّجوع إلى التّرجيح أيضاً, ولا يجب قبول الجرح مطلقاً لا قطعاً ولا ظنّاً.
وأمّا إن لم يعارض الجرح توثيق معارضة حقيقيّة خاصة, ولكن معارضة عامّة, مثل أن يقول الجارح: إنّ الرّاوي كان ممّن يخلّ بالصّلاة ويتناول المسكر, ويقول المعدّل: إنّه ثقة مأمون ونحو ذلك, فلا يخلو: إمّا أن تكون عدالة الرّاوي معلومة بالتّواتر مثل: مالك والشّافعيّ ومسلم والبخاري, وسائر الأئمة الحفّاظ2, فإنه لا يقبل جرحهم بما يعلم نزاهتهم عنه, ولو كان ذلك مقبولاً لكان الزّنادقة يجدون السّبيل إلى إبطال جميع السّنن المأثورة بأن يتعبد بعضهم ويظهر الصّلاح حتّى يبلغ إلى حدّ يجب في ظاهر الشّرع قبوله, ثمّ يجرح الصّحابة -رضي الله عنهم- فيرمي عمّار بن ياسر يإدمان شرب المسكر, وسلمان الفارسيّ بالسّرقة لما فوق النّصاب, وأبا ذر بقطع الصّلاة, وأُبيّ بن كعب بفطر رمضان, وأمثال هذا في أئمة التّابعين وسائر أئمة المسلمين في كلّ عصر, فإنّ من جوّز هذا فليس بأهل

للمراجعة, ولا جدير بالمناظرة, وكثيراً ما /يقول أئمة الجرح والتّعديل في أهل هذه الطبقة: فلان ((لا يُسأل عن مثله))1فإن تكلّموا فيهم بتوثيق, أو تليين, أو نحو ذلك؛ فإنّما يعنون به التّعريف بمقدار حفظهم, وأنّهم في العليا من مراتب الحفظ أو الوسطى.
وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي مظنونة غير معلومة؛ فظاهر كلام الأصوليين تقديم الجرح المفسّر وقبوله من غير تفصيل, وتعليلهم بالرّجحان يقتضي أنّ ذلك يختلف بحسب اختلاف القرائن والأسباب المرجّحة لأحد الأمرين, وهذا هو القويّ عندي, ولا نضر [للنّظّار]2يخالفه.
فنقول: لا يخلو إمّا أن تكون عدالة الرّاوي أرجح من عدالة الجارح له أو مثلها أو دونها, إن كانت عدالة الرّاوي أرجح وأشهر من عدالة الجارح؛ لم نقبل الجرح؛ لأنّا إنّما نقبل الجرح من الثّقة لرجحان صدقه على كذبه, ولأجل حمله على السّلامة, وفي هذه الصّورة كذبه أرجح من صدقه, وفي حمله على السّلامة إساءة الظّنّ بمن هو خير منه وأوثق وأعدل وأصلح.
وأكثر ما يقول أئمة هذا الشّأن في أهل هذه الطّبقة إذا سُئلوا عنهم: أنا أُسأل عن فلان؟ بل هو يُسأل عنّي!.

وأمّا إن كان مثله في العدالة, فيجب الوقف لتعارض أمارتي صدق الجارح وكذبه, فإنّ عدالة الجارح أمارة صدقه, وعدالة المجروح أمارة كذبه, وهما على1سواء, وليس أحدهما بالحمل على السّلامة أولى من الآخر, فإن انضم إلى عدالة المجروح مُعدّل كان وجهاً لترجيح عدالته.
وأمّا إن كانت عدالة الرّاوي أضعف من عدالة الجارح, فإنّ الجرح هنا يقبل إلا أن تقتضي القرائن والعادة والحال -من العداوة ونحوها- أنّ الجارح واهم في جرحه أو كاذب2, فإنّ القرائن قد يعلّ

بها حديث الثّقة وإن كان معيناً مثبتاً, ويسمّيه المحدّثون: معلّلاً, وقالوا في تفسير العلّة التي يعلّ بها حديث الثّقة: ((هي عبارة عن أسباب خفيّة غامضة طرأت علىالحديث, فأثّرت فيه, أي قدحت في صحّته, وتدرك العلّة بتفرّد الرّاوي وبمخالفة غيره له, مع قرائن تنضمّ إلى ذلك يهتدي النّاقد بها إلى اطلاع على إرسال في الموصول, أو وقف في المرفوع, أو دخول حديث في حديث, أو وهم واهم بغير ذلك بحيث غلب على ظنّه ذلك فأمضاه وحكم به, أو تردّد في ذلك فوقف وأحجم عن الحكم بصحّة الحديث, فإن لم يغلب على ظنّه التّعليل بذلك فظاهر الحديث المعلّ السّلامة من العلّة))1هذا كلامهم بلفظه.
فأيّ فرق يجده النّاظر المنصف بين إعلال رواية الثّقة بحديث معيّن, وإعلال رواية الثّقة بجرح معيّن في رجل معيّن, بل العلل العارضة بين الجارح والمجروح أكثر من العلل العارضة بين الرّاوي والحديث, لما يقع بين النّاس في العادة من العداوة إمّا لأجل الاختلاف في المذاهب أو في غير ذلك, فهذه حجّة قويّة مأخوذة من

نصوص أئمة الحديث.
وأمّا الحجّة على ذلك من أنظار علماء الأصول فهي أن نقول: الجرح المبيّن السبب1إنّما قدّم على التّعديل لأنّه أرجح, إذ كان القريب في المعقول أنّ الجارح يطّلع على ما لم يطّلع عليه المعدّل, وفي قبوله حمل الجارح والمعدّل على السّلامة معاً, ولم يقل أحد: إنّ الجرح مقدّم لمناسبة طبيعيّة ذاتيّة بين اسم الجرح الذي حروفه الجيم والرّاء والحاء المهملة, وبين صدق /من ادّعاه, وحينئذ يظهر أنّ العبرة بالرّجحان الذي هو ثمرة التّرجيح, وإنّما هذا الذي أوجب تقديم الجرح في بعض الصّور, وهو نوع من التّرجيح أوجب الرّجحان, فإذا انقلب الرّجحان في بعض الصّور إلى جَنَبة التّعديل, وقامت على ذلك القرائن وترجّح ذلك في ظنّ النّاظر في التّعارض: فإمّا أن يوجبوا عليه أن يقضي بالرّاجح عنده؛ فذاك الذي نقول, أو يوجبوا عليه العمل بالمرجوح عنده؛ فذلك خلاف المعقول والمنقول.
فتأمّل هذا الكلام فإنّه مفيد مانع من المسارعة إلى قبول الجرح من غير بصيرة, وإيّاك والاغترار بقول الأصوليين: إنّ الجرح المفسّر مقدّم, فإنّ الرّجال ما أرادوا إلا تلك الصّورة التي نظروا فيها إلى تجرّدها عن جميع الأمور إلا الجرح المفسّر والتّعديل الجملي, وهذه الصّورة لم يخالف فيها, وهم أعقل من أن يطردوا هذا القول لما يلزمهم من جرح أئمة الصّحابة والتّابعين بقول من أظهر الصّلاح من

الزّنادقة ليتوصّل1إلى ذلك وأمثاله من مكايد الدّين.
فإن قلت: إنّما تخصّص عموم كلامهم في هذه الصّورة؛ لأنّها تؤدّي إلى تقديم المظنون على المعلوم لو لم يتأوّل كلامهم, بل خبر الثّقة حين صادم المعلوم لا يسمّى مظنوناً بل كذباً.
قلنا: وكذلك الصّور التي ذكرناها يجوز تخصيصها؛ لأنّها من قبيل تقديم الموهوم المرجوح على المظنون الرّاجح, وقد علم من قواعدهم أنّ ذلك لا يجوز فقواعدهم هي المخصّصة لعموم كلامهم, على أنّ مخالفتهم بالدّليل جائزة غير ممنوعة, وقد اتّضح الدّليل على ما أخبرته2, وبان بالإجماع بطلان قطع المعترض على أنّ الجرح مقدّم مطلقاً ولله الحمد.

جارٍ التحميل