: أنّك إمّا أن تقبّح [التّمسّك]4بالإجماع السّكوتي وتحرّم الاحتجاج له أو لا, إن حرّمته وقبّحته لزمك تأثيم أكثر الأمّة والأئمّة فإنّهم يقولون بصحّة الاحتجاج به, فقد ذكره الإمام المنصور بالله في: ((الصّفوة)) وغيره من أئمة الشّيعة وعلمائهم,
وكذلك سائر علماء الفرق1, وأكثر الإجماعات المدّعاة لا تكون إلا منه.
وإن كنت لا تنكر التّمسّك بالإجماع السّكوتي, ولا تحرّمه, فالظّاهر من [أقوال]2أئمّة الزّيديّة من أهل البيت وشيعتهم؛ موافقة سائر العلماء من المحدّثين والفقهاء وأهل السّنّة على ما /ادّعوه من صحّة الصّحيح من حديث هذه الكتب, وإنّما قلنا: إنّ الظّاهر إجماعهم على ذلك, لأنّ الاحتجاج بما صحّحه أهل هذه الكتب ظاهر في كتبهم, شائع بين علمائهم من غير نكير, فقد روى عنهم الإمام أحمد بن سليمان3في كتابه ((أصول الأحكام))4على وجه يوجب القول بصحّتها, فإنّه صنّف كتابه في أحاديث الأحكام, وصرّح في خطبته بالرّواية منها, ولم يميّز حديثها من حديث أهل البيت, فتأمّل ذلك.
وكذلك الإمام المنصور بالله في كثير من مصنّفاته, منها كتاب: ((العقد الثمين))5, ونصّ فيه على صحّة أسانيدها.
وكذلك الأمير العلاّمة الحسين بن محمد1في كتابه ((شفاء الأوام))2الذي لم يصنّف أحد من الزّيديّة في الحديث مثله, فإنّه صرّح فيه3بالرّواية منها على سبيل الاحتجاج بحديثها, وكذلك صاحب ((الكشّاف)) فإنّه روى من ((صحيح مسلم)) وسمّاه: صحيحاً, وفي ((تعليق اللّمع)) الذي هو4مدرس الزّيديّة أنّه يكفي المجتهد في معرفة الحديث: ((الموطأ)) أو ((سنن أبي داود)) , ذكره الفقيه علي بن يحيى الوشلي5في تعليقه6, وكذلك قال القاضي العلاّمة عبد الله بن
حسن الدّوّاري1في تعليقه على ((الخلاصة))2: إنه يكفي المجتهد ((أصول الأحكام)) , وأحد الكتب الصّحيحة المشهورة, وكذا قال علاّمة الشيعة: علي بن عبد الله بن أبي الخير3في تعليقه على ((الجوهرة))4: إنه يكفي المجتهد كتاب جامع لأكثر الأخبار الشّرعيّة كـ ((سنن أبي داود)) وغيره.
فهذه كتب الزّيديّة المشهورة المتداولة بين علمائهم الأفاضل المدروسة على محقّقيهم الأواخر منهم والأوائل قد صرّحوا فيها بما يقتضي صحّة ((سنن أبي داود)) وأمثالها من كتب السّنن, فكيف بصحيحيّ البخاري ومسلم؟! وشاع ذلك وذاع ولم ينكره منهم أحد, فكيف تنكر على مدّعي الإجماع على صحّة مسند حديث البخاري ومسلم, وتقدح فيه بمخالفة أهل البيت وشيعتهم؟!.
وأقصى ما في الباب: أن ينقل إنكار ذلك عن بعض النّاس في بعض الأعصار, فذلك النقل في نفسه ظنّيّ نادر, واعتبار القدح بالنّادر الظّنّي في بعض الأعصار لا يقدح في إجماع أهل عصر آخر, فلا طريق إلى تكذيب مدّعي هذا الإجماع على اعتبار كثير من أهل العلم في طريق الإجماع, وقد رأينا كثيراً من أهل العلم يثبتون الإجماع السّكوتي بمثل هذا وبأقلّ من هذا.