أهل الأثرالأرشيف العلمي

: في بيان أنّ منع الخروج علىالظّلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه, وعظمت المفسدة بولايته, مثل: يزيد بن معاوية, والحجّاج بن يوسف, وأنّه لم يقل أحدّ منهم ممّن يعتدّ به بإمامة من هذه حاله, وإن ظنّ ذلك من لم يبحث, لإيهام ظواهر عباراتهم في بعض الموضع, فقد نصّوا على بيان مرادهم وخصّوا عموم ألفاظهم, فممّن ذكره الإمام الجويني فإنّه قال في كتاب

((الغياثي))1-وقد ذكر أنّ الإمام لا ينعزل بذلك ما لفظه-: ((وهذا في نادر الفسق, فأمّا إذا تواصل منه العصيان, وفشا منه العدوان, وظهر الفساد, وزال السّداد, وتعطّلت الحقوق, وارتفعت الصّيانة, ووضحت الخيانة؛ فلا بدّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم, فإن أمكن كفّ يده وتولية غيره بالصّفات المعتبرة, فالبدار البدار, وإن لم يكن ذلك لاستظهاره بالشّوكة إلا بإراقة الدّماء, ومصادمة الأهوال؛ فالوجه أن يقاس ما النّاس مدفوعون إليه /مبتلون به بما يفرض وقوعه, فإن كان النّاجز الواقع أكثر مما يتوقع؛ فيجب احتمال المتوقّع, وإلا فلا يسوغ التّشاغل بالدّفع, بل يتعيّن الصّبر والابتهال إلى الله تعالى)).
ومن ذلك ما ذكره أبو محمد بن حزم في الرّدّ على أبي بكر بن مجاهد المقرىء2, فإنّه ادّعى الإجماع على تحريم الخروج على الظّلمة, فردّ ذلك عليه ابن حزم, واحتجّ عليه بخروج الحسين بن عليّ -رضي الله عنهما- وخروج أصحابه على يزيد, وبخروج ابن الأشعث, ومن معه من كبار التّابعين, وخيار المسلمين على الحجّاج بن يوسف.
وقال ابن حزم: أترى هؤلاء كفروا؟ بل والله من كفّرهم فهو أحقّ بالتّكفير.
ولقد يحقّ على المرء المسلم أن يزمّ لسانه, ويعلم أنّه مجزيٌّ بما تكلّم به, مسئول عنه غداً, قال: ولو كان خلافاً يخفى لعذرناه؛ ولكنّه أمر ظاهر لا يخفى على المخدّرات في

البيوت)) , ذكره في ((كتاب الإجماع))1رواه عنه الرّيمي2في كتابه ((عمدة الأمّة في إجماع الأئمة)).3
وقد ذكر هذه المسألة القاضي عياض, وذكر دعوى ابن مجاهد للإجماع, قال القاضي عياض4: وردّ عليه هذا بعضهم بقيام الحسين بن علي - رضي الله عنه - وابن الزبير, وأهل المدينة على بني أميّة, وقيام جماعة عظيمة من التّابعين والصّدر الأوّل على الحجّاج مع ابن الأشعث, وتأوّل هذا القائل قوله: ((أن لا ننازع الأمر أهله)) على أئمة العدل, قال عياض: ((وحجة الجمهور: أن قيامهم على الحجّاج ليس لمجرّد الفسق, بل لما غيّر5من الشّرع, وأظهر6من الكفر)) انتهى كلامه.
وفيه: بيان اتفاقهم على تحسين ما فعله الحسين - رضي الله عنه - مع يزيد, وابن الأشعث وأصحابه مع الحجّاج, وأنّ جمهورهم قصروا جواز الخروج على من كان مثل يزيد والحجّاج, ومنهم من

جوّز الخروج على كلّ ظالم.
وفيه أنّهم اتّفقوا على الاحتجاج بفعل الحسين, ولكن منهم من قصره على مثل يزيد, ومنهم من قاس عليه كلّ ظالم.
ومن ذلك كلام ابن بطّال الذي أورده المعترض, وقد مرّ, وهو على المعترض لا له, فإنّه روى عن الفقهاء أنّهم اشترطوا في طاعة المتغلّب إقامة الجمعات والأعياد, والجهاد, وإنصاف المظلوم غالباً, ولم يكن يزيد والحجّاج بهذه الصّفة.
والعجب أنّ المعترض ادّعى على ابن بطّال أنّه نصّ على ما ادّعاه من تصويب يزيد والحجّاج وبغي الحسين, ولم يذكر ذلك ابن بطّال بمنطوق ولا مفهوم, ولا نصّ ولا عموم, وهذا كلام من غفل عن معنى النّصّ.
وقال ابن الأثير في ((نهايته))1ما لفظه: ((فيه أنّه ذكر2/الخلفاء بعده فقال: أوّه لفراخ آل محمد من خليفة يستخلف عتريف مترف, يقتل خلفي وخلف الخلف)).
قال ابن الأثير: العتريف: الغاشم الظّالم, وقيل: الدّاهي الخبيث, وقيل: هو قلب العفريب الشّيطان الخبيث, قال الخطّابي3: قوله: خلفي [يتأوّل على]4ما كان من يزيد بن معاوية

إلى الحسين بن علي وأولاده الذين قتلوا معه, وخلف الخلف: ما كان منه يوم الحرّة إلى أولاد المهاجرين والأنصار)).
انتهى بلفظه من ((النهاية)).
وفيه شهادة على براءة القوم ممّا رماهم به المعترض؛ من تصويب يزيد الخبيث في قتل الحسين الشّهيد.
وكيف يقال ذلك وقد نصّوا على أنّ يزيد ظالم غاشم خبيث شيطان, وروى التّرمذي في ((جامعه))1حديثاً وحسّنه2عن سفينة الصّحابي, مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وفيه أيضاً لما روى الحديث: ((الخلافة في أمّتي ثلاثون سنة, ثم ملك بعد ذلك)) قال له سعيد بن جمهان: إنّ بني أميّة يزعمون أنّ الخلافة فيهم, قال: كذبوا [بنو]3الزّرقاء, هم ملوك من شرّ الملوك. هذه رواية [التّرمذي].4
وفي رواية أبي داود5قال سعيد: قلت لسفينة: إنّ هؤلاء يزعمون أنّ عليّاً لم يكن بخليفة, قال: كذبت أستاه6بني الزّرقاء,

يعني بني مروان.1
وروى التّرمذي2عن [الحسن]3بن عليّ -رضي الله عنهما- أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - أُري بني أميّة على منبره فساءه ذلك فنزلت: ((إنّا أنزلناه في ليلة القدر, وما أدراك ما ليلة القدر, ليلة القدر خير من ألف شهر)) [القدر/1 - 3] يملكها بعدك بنو أميّة يا محمّد.4

قال القاسم بن الفضل: فعددناها فإذا هي ألف شهر1لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.
ولما ذكر ابن حزم2خروم الإسلام عدّها أربعة: قتل عثمان, وقتل الحسين, ويوم الحرّة, ولم يعد قتل عمر ولا قتل علي منها, تعظيماً لقتل الحسين وإظهاراً لبلوغه من القبح إلى حدّ فوق حدّ الكبائر.
وقال الذّهبيّ في ((النّبلاء))3: ((يزيد بن معاوية كان ناصبيّاً فظّاً غليظاً جلفاً, يتناول المسكر ويفعل المنكر, افتتح دولته بقتل الشّهيد الحسين - رضي الله عنه - واختتمها بوقعه الحرّة, فمقته النّاس, ولم يبارك في عمره, وخرج عليه غير واحد بعد الحسين - رضي الله عنه -

كأهل المدينة لله1)) وذكر من خرج عليه. قال: ((وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن مكحول عن أبي عبيدة مرفوعاً: ((لا يزال أمر أمّتي قائماً حتّى يثلمه رجل من بني أميّة يقال له: يزيد)) أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)).2
وروى عن جويرية عن نافع قال: مشى عبد الله بن مطيع إلى ابن الحنفية في خلع يزيد, وقال: إنّه يشرب الخمر, [ويترك]3الصلاة, ويتعدّى حكم الكتاب.4
وعن عمر بن عبد العزيز قال رجل في حضرته: أمير المؤمنين يزيد, فأمر به فضرب عشرين سوطاً)).
قال الذّهبيّ في ((الميزان))5: ((إنّه مقدوح في عدالته ليس بأهل

أن يروى عنه. وقال أحمد بن حنبل: لا ينبغي أن يروى عنه)).1
وقال ابن حزم في ((أسماء الخلفاء)) آخر ((السير النّبويّة))2ما لفظه: ((بويع يزيد بن معاوية إذ مات أبوه, وامتنع من بيعته الحسين بن عليّ - رضي الله عنه - , وعبد الله بن الزّبير بن العوّام, فأمّا الحسين - رضي الله عنه - فنهض إلى الكوفة /فقتل قبل دخولها, وهي ثانية3مصائب الإسلام وخرومه؛ لأنّ المسلمين استُضيموا في قتله ظلماً وعلانية, وأمّا عبد الله بن الزّبير - رضي الله عنه - فاستجار بمكّة, فبقي هنالك إلى أن أغزى يزيد الجيوش, إلى المدينة حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى مكة حرم الله تعالى فقتل بقايا المهاجرين والأنصار يوم الحرّة, وهي ثالثة4مصائب الإسلام وخرومه؛ لأنّ أفاضل الصّحابة وبقيّتهم -رضي الله عنهم- وخيار المسلمين قتلوا جهراً ظلماً في الحرب وصبراً, وجالت الخيل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وراقت وبالت في الرّوضة بين القبر والمنبر, ولم يصلّ جماعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الأيام, ولا كان فيه أحد حاشا سعيد بن المسيب, فإنّه لم يفارق المسجد, ولولا شهادة [عمرو]5بن عثمان بن عفّان, ومروان بن

الحكم له عند مسلم بن عقبة بأنّه مجنون لقتله, وأكره النّاس على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أنّهم عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق, وذكر بعضهم البيعة على حكم القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فأمر بقتله فضربت عنقه صبراً رحمه الله.
وهتك يزيد الإسلام هتكاً وأنهب المدينة ثلاثاً, واستخفّ بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومدّت إليهم الأيدي, وانتهبت دورهم, وحوصرت مكة, ورمي البيت بحجارة المنجنيق, وأخذ الله يزيد1فمات بعد الحرّة بأقل من ثلاثة أشهر, وأزيد من شهرين, في نصف ربيع الأوّل سنة أربع وستّين, وله نيّف وثلاثون سنة)) انتهى كلام [أبي]2محمد بن حزم بلفظه.
وفيه أعظم شهادة لأهل السّنّة على البراءة من تصويب يزيد والتّشيّع له, هذا على أنّ الذّهبي ذكر أنّ ابو حزم قد وصم بالتّعصّب لبني أميّة3, فإذا كان هذا كلام من رمي بالتّعصّب لهم فكيف بمن لم يرم بذلك! على أنّ كلام ابن حزم هذا يرد4على ما رماه بالعصبيّة, ويشهد له بالسّلوك من الإنصاف في طريقة سويّة.

قال الحافظ أبو الخطّاب ابن دحية الكلبي1في كتابه ((العلم المشهور))2ما هذا لفظه مختصراً: ((وفي هذا اليوم -يعني عاشوراء- قتل السيّد الأمير, ريحانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , سيّد شباب أهل الجنّة: الحسين بن فاطمة البتول يوم الجمعة, وقيل: يوم السّبت سنة إحدى وستّين بالطّفّ بكربلاء, وهو ابن ستّ وخمسين سنة, ولما أحاطوا بالحسين - رضي الله عنه - قام في أصحابه خطيباً, فحمد الله, وأثنى عليه, ثمّ قال: قد نزل بي ما ترون من الأمر, وإنّ الدّنيا قد تنكّرت وتغيّرت, وأدبر معروفها [وانشمر, حتّى]3لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء, إلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل, ألا ترون الحقّ لا يعمل به, والباطل لا يتناهى عنه, ليرغب المؤمن في لقاء الله, وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة, والحياة مع الظّالمين إلا برماً.4

وكان عبيد الله بن زياد كتب إلى الحُرّ بن [يزيد]1: أن جعجع بالحسين, أي: ضيّق عليه, ثمّ أمدّه بعمر بن [سعد]2المتكفّل بقتال الحسين / - رضي الله عنه - حتّى ينجز له عبيد الله الرّشد بالغيّ, وهو القائل: أأترك ملك الرّيّ والرّيّ منيتي... وأرجع مأثوماً بقتل حسين فضيّق عليه اللّعين أشدّ تضييق, وسدّ بين يديه واضح الطّريق, إلى أن قتله في التّاريخ المتقدّم ويسمّى عام الحزن, وقتل معه: اثنان وثمانون رجلاً من أصحابه مبارزة, وجميع ولده -إلا علي بن الحسين زين العابدين- وقتل أكثر3إخوة الحسين وبني أعمامه.
لمحمد سلّوا سيوف محمد... قطعوا بها هامات آل محمّد وفي هذا اليوم الذي قتل فيه الحسين - على جدّه وعليه أفضل

السّلام- رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع دم الحسين في قارورة, وإن كانت رؤيا منام فإمها صادقة ليست بأضغاث أحلام, أسند ذلك إمام أهل السّنّة الصّابر على المحنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل1قال: حدّثنا عبد الرّحمن, حدّثنا حمّاد بن سلمة, عن عمّار بن أبي عمّار, عن ابن عبّاس قال: رأيت النّبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام نصف النّهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم يلتقطه فيها, قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبّعه منذ اليوم.
قال عمّار فحفظنا ذلك اليوم, فوجدناه قتل ذلك اليوم)).
قال ابن دحية: هذا سند صحيح, عبد الرّحمن هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث, وحمّاد إمام فقيه ثقة, وعمّار من ثقات التّابعين أخرج مسلم أحاديثه في ((صحيحه))2وتولّى حمل الرّأس: بشر بن مالك الكندي, ودخل به على ابن زياد وهو يقول: املأ ركابي فضة وذهباً... إنّي قتلت الملك المحجّبا قتلت خير النّاس أمّاً وأباً3

وقد صدق هذا القائل الفاسق في المديح, وتقريظ هذا السّيّد الذبيح, ولقي الله بفعله القبيح.
وأمر [عبيد]1الله بن زياد من قوّر2رأس الحسين حتّى ينصب في الرّمح, فتحاماه النّاس حتّى قام طارق بن المبارك, فأجابه إلى ذلك, وفعله ونادى في النّاس وجمعهم في المسجد الجامع, وصعد المنبر, وخطب خطبة لا يحلّ ذكرها, ثمّ دعا عبيد الله3بن زياد زحر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين, ورءوس أهله وأصحابه, فحملها حتّى قدموا دمشق, وخطب زحر خطبة فيها كذب وزور, ثمّ أحضر الرّأس فوضعه بين يدي يزيد, فتكلّم بكلام قبيح قد ذكره الحاكم, والبيهقيّ وغير واحد من أشياخ أهل النّقل بطريق ضعيف وصحيح, وقد ذكر ذلك كلّه أخطب الخطباء ضياء الدّين أبو المؤيّد موفّق الدّين بن أحمد الخوارزمي4في تأليفه في مقتل الحسين - عليه السلام - وهو عندي في مجلّدين.5

وذكر شيخ السّنّة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي, قال: حدّثنا الحافظ أبو عبد الله محمّد بن عبد الله, سمعت أبا الحسن عليّ بن محمد الأديب يذكر بإسناد له أنّ رأس الحسين - عليه السلام - لما صلب بالشّام أخفى خالد بن عفران شخصه من أصحابه وهو من أفاضل التّابعين, فطلبوه شهراً حتّى وجدوه, فسألوه عن عزلته فقال: أما ترون ما نزل بنا؟ ثم أنشأ يقول: جاءوا برأسك يا ابن بنت محمّد... متزمّلاً بدمائه تزميلاَ فكأنّما بك يا ابن بنت محمّد... قتلوا جهاراً عامدين رسولاً /قتلوك عطشاناً ولم يترقّبوا... في قتلك التّنزيل والتّأويلاً ويكبّرون بأنّ قُتلت وإنّما... قتلوا بك التّكبير والتّهليلاً قال ابن دحية: واعجبوا -رحمكم الله- من الأمم الذين كانوا من قبلكم, وقد فضّل الله أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم, منهم: المجوس يعظّمون النّار؛ لأنّها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم, والنّصارى يعظّمون الصّليب لادّعائهم أنّه من جنس العود الذي صلب عليه ابن مريم, وابن مرجانة, وأصحابه العدا قتلوا الحسين ابن نبيّ الهدى, ولم يتلفتوا إلى قول أصدق القائلين: ((قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى)) [الشورى/23].
قال: ولمّا قدموا برأس الحسين صرخت نساء بني هاشم؛ فقال مروان: عجّت نساء بين زياد عجّة... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب قال ابن دحية: وأنا أقول قولاً هو الإيمان: هنيئاً لك الشّماتة

برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا مروان!.
وفي ((صحيح البخاري))1عن ابن عمر أنّه سأله رجل في دم البعوضة, فقال: ممّن أنت؟ فقال: من أهل العراق, فقال: انظروا إلى هذا! يسألني عن دم البعوضة, وقد قتلوا ابن النّبي - صلى الله عليه وسلم -! وسمعت النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((هما ريحانتاي)) وفي رواية: ((هما ريحانتي)).2
قال ابن دحية: تفرّد3بإخراجه البخاريّ من طريقين في كتاب المناقب4, وفي كتاب الأدب.5
وقال إبراهيم النّخعيّ الإمام فيما حكاه أبو [سعد]6السّمان الرّازي7بسنده8إليه قال: لو أني كنت فيمن قاتل الحسين, ثمّ أتيت بالمغفرة من ربّي فأدخلت الجنّة لاستحييت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أمرّ عليه فيراني.

قال ابن دحية: عباد الله! اعجبوا من آراء هؤلاء الملاعين وعقولهم! إذ قتلوا الحسين بن فاطمة [ولد]1رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ثمّ أكبّوا في شمالهم على شرب شمولهم, تعساً لشيوخهم وكهولهم! أفي صلاتهم يصلّون على محمد وآله, ثم يمنعونهم من شرب نطفة2من الفرات وزلاله, ويجتمعون على قتله وقتاله, ويذبحونه ولا يستحيون من نور شيبته وجماله, أما والله إنّ حقّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمّته أن يعظّموا تراب نعل قدمه, بل تراب نعل خادم من خدمه, ليت شعري ما اعتذر هؤلاء (3الشّطّار الخبثة3الأشرار, في قتل هؤلاء الأخيار, عند محمّد المختار, ((يوم لا ينفع الظّالمين معذرتهم ولهم الّلعنة ولهم سوء الدّار)) [غافر/52].
وقد سلّط الله عليهم المختار, فقتلهم حتّى أوردهم النّار.
وأخرج التّرمذي في ((جامعه الكبير))4ما هذا نصّه: ((حدّثنا واصل بن عبد الأعلى, حدّثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, قال: لما جيء برأس [عبيد]5الله بن زياد وأصحابه, نضّدت في المسجد, فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت, قد جاءت, فإذا

حيّة قد جاءت تخلّل الرّءوس حتّى دخلت في منخري عبيد الله, فمكثت هنيهة, ثم خرجت, فذهبت حتّى تغيّبت, ثمّ قالوا: قد جاءت, ففعلت ذلك مرّتين أو ثلاثاً.
هذا حديث حسن صحيح)).
انتهى المنقول من كتاب ((العلم المشهور في فضل الأيّام والشّهور)) للحافظ المحدّث الشّهير بأبي الخطّاب بن دحية.
وفيما ذكره أوضح دليل على براءة المحدّثين وأهل السّنة مما افتراه عليهم المعترض من نسبتهم إلى التّشيّع ليزيد, وتصويب قتلة الحسين بن علي -عليهما السلام- وكيف وهذه رواياتهم مفصحة بضدّ ذلك كما بيّنّاه في ((مسند أحمد)) و ((صحيح البخاري)) و ((جامع التّرمذيّ)) وأمثالها!! وهذه الكتب هي مفزعهم, وإلى ما فيها مرجعهم, /وهي التي يخضعون لنصوصها, ويقصرون التّعظيم عليها بخصوصها.
وقال ابن خلكان1في ترجمة أبي الحسن عليّ بن محمد الملقّب عماد الدّين, المعروف بالكيا الهرّاسي2الشّافعيّ ما لفظه: ((وسئل إلكيا عن يزيد بن معاوية فقال: إنّه لم يكن من الصّحابة, لأنّه ولد في أيّام عمر ابن الخطّاب - رضي الله عنه - , وأمّا قول السّلف؛ ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح, ولمالك قولان: تلويح

وتصريح, ولأبي حنيفة قولان: تلويح وتصريح, ولنا قول واحد: تصريح دون تلويح.
كيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد, والمتصيّد بالفهود, ومدمن الخمر, وشعره في الخمر معلوم, ومنه قوله: أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم... وداعي صبابات الهوى يترنّم خذوا بنصيب من نعيم ولذّة... فكلّ وإن طال المدى يتصرّم وكتب فصلاً طويلاً, ثمّ قلب الورقة وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرّجل؛ وكتب فلان ابن فلان)).
انتهى كلام إلكيا, وفيه ما ترى من نقل مذاهب الأئمة الأربعة؛ فأمّا الشّافعية فقد بيّن أنّ لهم فيه قولاً واحداً تصريحاً غير تلويح, وأمّا سائر الأئمة فقد صرّحوا تارة ولوّحوا أخرى, وإنّما لوّحوا بتضليله في بعض الأحوال, وفي هذا أكبر دليل على عدالتهم؛ لأنّهم حين خافوا لوّحوا بتضليله, ولو عملوا بالرّخصة لصرّحوا بالثناء عليه عند الخوف, وهذا كلام شيخ الشّافعيّة.
قال ابن خلكان1: ((تفقّه بالجويني مدّة إلى أن برع.
قال الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي فيه: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدّروس, وكان ثاني أبي [حامد]2الغزّالي, بل كان

آصل وأصلح وأطيب في [الصّوت]1والنّظر, وارتفع شأنه, وتولّى القضاء, وكان محدّثاً يستعمل الحديث في مناظراته ومجالسه.
ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح, طارت رؤوس المقاييس في مهبّات2الرّياح.
ولمّا حكى ابن خلكان كلام الحافظ3عماد الدّين هذا, أورد بعده كلاماً رواه عن الغزّالي, فكلام الغزّالي ذلك شاهد ببراءة الغزّالي من القول بتصويب يزيد في قتل الحسين, وإنّما تكلّم في مسألتين غير ذلك: إحداهما: تحريم اللّعن ولم يخص [يزيد]4بذلك, فهو مذهبه في كلّ فاسق وكافر كما رواه عنه النّووي في ((الأذكار))5, وقد ذكر النّووي أنّ ظاهر الأخبار خلاف ذلك, وقد أفردت الكلام على ذلك في كرّاس.
وثانيهما: القول بأنّ العلم برضا يزيد بقتل الحسين متعذّر, وليس في هذا نزاع, ولو أقرّ يزيد بلفظ صريح وسمعنا ذلك منه, لم نعلم أن باطنه كما أظهر, وقد جهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواطن المنافقين, ووكل علم ذلك إلى الله تعالى, ولكن الحكم للظّاهر.

وقد روى البخاريّ -رحمه الله- في ((صحيحه))1عن عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنّه قال: ((إنّ ناساً كانوا يؤخذون بالوحي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وإن الوحي قد انقطع, فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه وقرّبناه, وليس بنا من سريرته شيء, ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدّقه, وإن قال: إنّ سريرته حسنة)).

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الفصل الثاني — 106 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل