فإنّه قد ورد في القرآن العظيم أنّ موسى أخذ برأس أخيه -عليهما السلام- يجرّه إليه, وذلك من غير ذنب علمه من أخيه, ولا دفع مضرّة خافها منه, وأخوه هارون نبي كريم بنص القرآن وإجماع المسلمين/, وحرمة الأنبياء مثل حرمة الملائكة, وقد بطش موسى بهارون بطشاً شديداً, ولهذا قال هارون متلطّفاً ومستعطفاً له: يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي, ولا برأسي, ولا تشمت بي الأعداء, فإن كان المعترض يكذّب القرآن فذلك حسبه من الكفران, وإن كان يتأوّل أفعال الأنبياء -عليهم السلام- على ما يليق حسب الإمكان, ويرجع فيما لم يمكن تأويله إلى الإيمان؛ فما باله لا يفعل مثل ذلك في الأحاديث الصّحيحة والسّنن المأثورة؟ وما له والتقحّم في المهالك,
والميل إلى متوعّرات المسالك, والقطع بتكذيب الرّواة, والمتابعة لبادىء رأيه وهواه؟.
فإن قال: إنّ موسى - عليه السلام - إنّما فعل ذلك غضباً لله تعالى؛ لأنّه ظنّ أن هارون قصّر في النّهي عما فعل قومه من عبادة العجل ومجاوزته للحدّ في الغضب لأجل مجاوزة فعلهم للحدّ في القبح, ولما بقي عليه من طبيعة البشر في الغضب, وقد ورد في ((الصّحيح))1عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهمّ إنّي بشر آسف كما يأسف البشر)) فكذلك موسى - عليه السلام -. قلنا: هذا كلام صحيح, ولكن يجب أن نتطلب لما ورد في السّنّة وجهاً حسناً -أيضاً- كما تطلّبنا مثل ذلك لما ورد في القرآن العظيم, فنقول وهو التّحقيق: إنّ ذلك يحتمل وجهين: