: أهل القول بالكسب من الأشعرية ورئيسهم القاضي أبو بكر الباقلاني, ومعنى الكسب عندهم: أنّ قدرة الله تعالى مستقلة بإيجاد ذوات أفعال العباد التي لا توصف بحسن ولا قبح, ولا يستحق عليها ثواب ولا عقاب, وقدرة العبد مستقلة بصفات تلك الأفعال التي توجب وصفها بالحسن والقبح, ويستحق عليها الثواب والعقاب.
مثال ذلك: أنّ أصل الحركة عندهم من الله, وأمّا كون تلك الحركة متّصفة بصفة مخصوصة مثل كونها صلاة أو زنا؛ فذلك أثر قدرة العبد, وهو أقرب الأقوال2إلى قول المعتزلة من الطّائفة الأولى, لأنّ أكثر المعتزلة يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد إلا في صفات الفعل, لكن المعتزلة يقولون أيضاً بمثل ذلك في قدرة الله
تعالى, فإنّها عندهم لا تؤثّر إلا في الصّفات, فإنّ الذّوات عندهم ثابتة في العدم1والقدم, غير موجودة2ويفرّقون بين الثّبوت والوجود, بل المعتزلة يقولون: إنّ الصفة بنفسها غير مقدورة, بل المقدور جعل الذّات /عليها, والقصد: [بيان]3أنّ المعتزلة قد شاركوا هذه الفرقة في القول بأنّ ذوات أفعال العباد غير مقدورة لهم, فالذي قالت هذه الفرقة من الأشعرية: إنّه مخلوق من أفعال العباد, وهو الذي قالت المعتزلة: إنّه ثابت في العدم والقدم, وإنّه غير مقدور لا للخالق ولا للمخلوق.
قالت هذه الفرقة من الأشعرية: ونحن نقول ببعض ما قالت المعتزلة فنقول: إنّ العبد غير مؤثر في ذات الفعل, وهذا صحيح عند المعتزلة.
ونقول: إنّ العبد مؤثر في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عند المعتزلة, ونقول: إنّ العبد مؤثّر في صفة الحسن والقبح, وهذا صحيح عندهم أيضاً, فإنّ جلّة المعتزلة قد أقرّت أنّ الأفعال لا تحسّن وتقبّح لذواتها بل لوقوعها على وجوه4واعتبارات, وذلك لأنّ ذوات أفعال العباد واحدة, فإنّها كلّها راجعة إلى كونها حركة أو سكوناً؛ بل عند الفريقين من المعتزلة والأشعرية أنّ الحركة والسّكون راجعان إلى معنى واحد, وهو لبث المتحيّز في الجهة لكون السّكون لبث المتحيّز وقتين فصاعداً, والحركة لبث المتحيّز في جهة عقيب
لبثه في جهة أخرى, ولهذا سمّوا لبثه في أوّل وجوده إذا انتقل أو عدم في الوقت الثّاني كوناً مطلقاً, ويعنون بذلك: أنّه ليس بحركة لأنّه لم يكن لبث قبل ذلك في جهة أخرى وهذا شرط سميته حركة, وليس بسكون لأنه لبث أقلّ من وقتين, فإذن1أفعال العباد كلّها راجعة إلى شيء واحد, وهو اللبث في جهة.
قال الرّازيّ في تلخيص ذلك: إنّ الحركة هي الكون في الجهة الثّانية في الوقت الأوّل, والسّكون هو الكون في الوقت الثّاني في الجهة الأولى, فبهذا تعرف أنّ الأفعال لا تحسّن ولا تقبّح لذواتها, لأنّه يلزم أن تكون2حسنة قبيحة معاً, ويلزم أن يقبح غير الأجسام والألوان من أفعال الله تعالى, ويرد على المتكلّمين في قولهم: إنّ المرجع بالحركة إلى اللبث إشكالات صعبة قد أشار الرّازيّ في كتبه إلى بعضها, والذي ألجأهم إلى ذلك: القول بأن الحركة والسكون ثبوتيان, وأنّ واحدهما ليس بعدميّ, كما يعرفه من نظر في كتبهم.
فإذا عرفت هذا عرفت أنّ ما ذكره [القاضي]3أبو بكر الباقلاني لازم للمعتزلة ولجميع المتكلّمين, وذلك لأنّ لبث المتحيّز في جهة ما ضروري لا يمكن العبد أن يختار غيره, فثبت أنّه فعل الله تعالى.
وقد ثبت عندهم أنّ أفعال العباد كلّها راجعة إلى لبث المتحيّز في جهة, فثبت أنّ ذوات أفعال العباد فعل الله تعالى, وإنّما يقع اختيارهم على
اكتساب /ذلك الفعل بهيئات مخصوصة, وإيقاعه على مقاصد متغايرة هي منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, والثّواب والعقاب, والذي اختصّت به المعتزلة دون القاضي [أبي] بكر أنّها قالت: إن قدرة العبد تؤثّر في صفة وجود فعله وفي سائر صفاته, والقاضي قال: تؤثّر في صفة الحسن والقبح دون صفة الوجود, لكن المعتزلة تقول: إنّ صفة الوجود ليست منشأ الحسن والقبح, والأمر والنّهي, وإنّما منشأها صفة الحسن والقبح الذي ذكر القاضي أنّها من آثار قدرة العبد, فثبت أنّهم قد اتفقوا في موضع يوجب الاتفاق فيه ترك التأثيم, فتفهّم ذلك فهو سرّ المسألة.