كان المسلمون أمّة واحدة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأيّام الخلفاء الرّاشدين -رضي الله عنهم-, ليس بينهم خلاف في أمر العقيدة, وعلم من النبي - صلى الله عليه وسلم - , ومن الخلفاء الرّاشدين والسّلف الصّالحين أن الذي كان عليه المسلمون في أعصارهم هو: سبيل الهدى ومنهج الحقّ وطريق السّلامة, حتّى مارستم هذه العلوم, وتركتم الجمود, وسالت أذهانكم بالحقائق, وغصتم على هذه الدّقائق, وضلّت اثنتان وسبعون فرقة من ثلاث وسبعين, ولم يبق من الأمّة على الحقّ بتركه1هذه الممارسة عُشْرها, ولا نصف عشرها!!.
والمعتزلة تدّعي أنّها الفرقة النّاجية: دعوى ممزوجة بعجب كثير, واستحقار لكلّ من خالفهم من صغير وكبير! وهم مع ذلك مختلفون غاية الاختلاف, مفترقون عشر فرق في مسائل عقلية قطعية, لا يمكن عندهم فيها تصويب الجميع ولا رفع الإثم عن المخطىء, ولا القطع بانتفاء الفسق بإجماعهم!! ومنهم من يجيز في ذلك الاختلاف الواقع بينهم أن يكون فسقاً فلا خلاف بينهم فيه1, ومنهم من يصرّح بتكفير مخالفه, وبين أصحاب أبي الحسين, وأصحاب أبي هاشم في ذلك ما ليس بين فرق أهل الضلال أكثر منه, من قدح كلّ في علم الآخر, والقطع ببطلان ما هو عليه, وهذا الاضطراب العظيم, والخلاف الشّديد بين المعجبين بدعوى الاختصاص بعلم الحق, والاعتصام بالميزان العدل الذي يرفع الخلاف, ويظهر معه ما خفي من الحقّ, وكلّ هذا حصل بسبب2ممارسة العلوم التي عبتم على المحدّثين الغفلة عنها, فلا عدمكم المسلمون, زيدوا في هذه الممارسة فما يحصل منها غداً إلا3ما حصل منها أمس: تباغض وافتراق, وجدال وشقاق, وتكفير وتفسيق, وهوى من الضّلال إلى مكان سحيق.
فإنْ كان المحدّثون ما استحقوا منك السّخرية والإستهانة إلا
لعدم دخولهم معكم في هذه الممارسة؛ فالأمر [في ذلك]1مجبور, ولهم أسوة يعزّون بها أنفسهم فيمن فاتته هذه الممارسة من الأنبياء والمرسلين, والصّحابة والتّابعين, والأولياء والصّالحين.