أخبرنا ما هذه العقائد التي اختصصتم باعتقادها؟ (4وتميزتم على المحدثين2, وعيّرتم على المخلّين بمعرفتها, ولم تكن معرفتها إلا بممارسة العلوم التي لم يمارسها الصّحابة والسّلف الصّالح, فإنّا رأينا الأمّة قد أجمعت على صحّة عقائد الصّحابة قبل هذه الممارسة, فَمُنّ علينا بالتّعريف بما استفدتموه بذلك.
فإن قلت: إنّ هذه العقائد هي اعتقاد وجود الله عزّ وجلّ, وأنّه عالم قادر, موصوف بجميع صفات الكمال /غير ممثّل بمثال, فقد أمكن الصّدر الأوّل معرفة هذا وأمثاله من الحقّ من غير ممارسة لعلومكم, ولم يصمهم أحد بالبله وجمود الفطنة ممن هو أذكى منك قلباً, وأرجح لبّاً, وأصلب ديناً, وأتمّ يقيناً.
وإن كانت العقائد التي لا تدرك إلا بالممارسة هي قول شيوخكم: إنّ الله لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمونه, وقولهم: إنّ الله لا يقدر على هداية أحد من المذنبين, وقولهم: إنّ الله لم يخلق شيئاً على الحقيقة قطّ, لأنّ الأشياء ثابتة فيما لم يزل, وتذويت الذّات محال, وإنّما الذي هو فعل الله اكتساب3
الذّوات الثّابتة في القدم صفة الوجود, وليس لله تعالى عندهم فعل إلا صفة الوجود, لكن صفة الوجود عندهم وسائر الصفات ليست بشيء, فحصل من هذا أنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً قطّ, وإنّما يقال: إنه خالق كلّ شيء مجازاً.
وقولهم: إنّ الله تعالى غير قادر على إعدام الألوان كلّها وكذلك الطّعوم فلا يقدر على قلب الأسود أغبر لأنّه إنّما يزيل الصّفة بواسطة طروء ضدّها عليه, وأنّ الله تعالى يريد بإرادة محدثة موجودة على حدّ1وجود عرض مستقل بنفسه غير حالّ في ذاته تعالى, ولا في غيره ولا داخل في العالم ولا خارج عنه, وأنّ أوّل الواجبات النّظر في الله, وأنّ النّظر فيه لا يتمّ إلا بالشّكّ فيه فوجب الشّكّ في الله تعالى, بل كان أوّل الواجبات, لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلا به يجب كوجوبه, بحيث يحصل الثّواب على الشّكّ في الله والعقاب على تركه, ويستمرّ وجوب الشّكّ في مهلة النّظر, ويقبح فيها تعظيم الله تعالى لأنّه عندهم في تلك الحال لا يؤمن أن لا يستحق التّعظيم, فتحرم فيها لذلك الصلوات, وسائر العبادات, تحلّ جميع المحرّمات الشّرعيّات2, ويجب فيها استحلال جميع الحرام, وترك جميع الواجب.
وقولهم: إنّ جميع الواجبات وجبت لأنفسها, وجميع المحرّمات كذلك من غير إيجاب موجب, ولا تحريم محرّم, وأنّ الله تعالى غير مختار في التّحليل والتّحريم, وإنّما هو حاكٍ فقط, فالله تعالى عندهم -في ذلك-, والرّسول والمفتي سواء.
وقولهم: إنّ الله تعالى يقبح منه أن يتفضّل على أحد من خلقه بغفران ذنب واحد, وأنّه لا يغفر إلا ما وجب عليه غفرانه وجوباً يقبح خلافه, حتّى لو زادت سيّئات المسلم مثقال حبّة من خردل قبح من الله تعالى مسامحته في ذلك, ووجب على الله تعالى تخليده في النّيران كتخليد فرعون وهامان وعبدة الصّلبان, وأنّه لو فعل لاتّصف بصفة الكاذبين, واستلزم ذلك بطلان هذا الدين, وأنّ من جوّز عليه ذلك فإنّه عند كثير منهم قد صار من المرجئة, وخرج من الفرقة النّاجية, وأنّ من لم يعرف الله تعالى بأحد الأدلّة التي حرّروها فهو جاهل بالله كافر, وهذا يستلزم تكفير السّواد الأعظم /من المسلمين الأوّلين والآخرين, والأنصار والمهاجرين.
وقول شيوخكم البغداديّة: إنّ الله تعالى ليس بسميع, ولا بصير, ولا مريد حقيقة, وإنّما ذلك مجاز, معناه وحقيقته1: أنّه عالم, وأنّ التقليد في الفروع حرام على العامّة من النّساء والعبيد والإماء وأهل الغباوة, وأنّ الاجتهاد في الحوادث ومعرفة أدلتها واجب عليهم مع ترخيص إمام البغداديّة أبي القاسم البَلخِي2في التّقليد في معرفة الله تعالى, فهذا عجيب من ممارسيّ علوم النّظر الدّقيقة أن يجيزوا التّقليد في أصل الدّين ويحرّموه في فرعه! والأصل
أقوى من الفرع بالإجماع من العقلاء!.
وقولهم: إنّ تفضّل الله على عباده بالعفو قبيح عقلاً وشرعاً, إلا أن يجب عليه وجوباً يقبح معه تركه, وسواء كان العفو قبل الوعيد أو بعده, وهذا هو الفرق بين مذاهب البغداديّة والبهاشمة, فإنّ البهاشمة لا يقبّحون العفو قبل الوعيد عقلاً, وقول البغداديّة: إنّه يقبح عقلاً وشرعاً العمل بجميع أخبار الثّقاب من الصّحابة والتّابعين, وأئمة المسلمين, وأنّ العمل بالقياس حرام, وبجميع الأدلّة الظّنيّة.
ومن العجب استحقارهم الظّاهرية وتعظيمهم البغداديّة, والظّاهرية إنّما أنكرت القياس فقط, والبغداديّة أنكرت القياس والأخبار معاً, فهذه العقائد يذهبون إليها ويناظرون عليها, وليست من قبيل الإلزام, فإن كانت هذه العقائد وأمثالها من الأباطيل هي التي اختصصتم بها على المحدّثين, وتميّزتم بمعرفتها1على كثير من بله المسلمين, فلعمري إنّه لم يصر إلى هذه العقائد أحد من المسلمين إلا بعد ممارسة علومكم هذه التي سيّلت أذهانكم إلى هذا الحدّ, وخلصتم به2من عار جمود المحدّثين والسّلف الصّالحين من الصّحابة والتّابعين.
فإن قلت: إنّ أهل الحديث فرق كثيرة ويوجد لهم مثل ما يوجد للمتكلمين من الأقوال النّكيرة.
فالجواب من وجوه: الأول: أنّ تلك الفرق المبتدعة ممن ينسب إلى السّنة فرق شاذّة
منكرة, قد ردّ عليهم أئمة السّنّة, ونصّوا على ضلالهم, كالمرجئة والنّواصب والحشويّة والكرّامية والمشبهة والجبرية, إنّما كلامنا فيما عليه الجمهور, وما هو المصحّح المنصور عند المعتزلة وأهل السّنة, ولم نذكر الفرق الشّاذّة من المعتزلة والشّيعة, ولو تعرّضنا لذكر ذلك لذكرنا فضائح وقبائح تتنزه عنها المعتزلة والزّيديّة ويضلّلون من قال بها, مثل قول الحسينيه من الزّيديّة: إنّ الحسين بن القاسم أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقول الإمامية: إنّ شرط الإمام أن يكون يعلم الغيب, وقول بعض البغدادية من المعتزلة -وهم المطرفية- باستقلال الطبائع بالتّأثير في العالم بعد خلق الله تعالى لها /ونُسِب هذا إلى البغدادية من المعتزلة, وقول بعض المعتزلة: إنّ الله تعالى غير قادر على المقدورات القبيحة عقلاً, وأنّ الأطفال والبهائم لا تدرك شيئاً من الآلام, لأنّ إيلامها قبيح, والله تعالى لا يفعله فأنكر الضّرورة, فهذه المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على المعتزلة, وكذلك المذاهب الشّاذّة لا يشنّع بها على أهل الحديث.
الثّاني: أنّ ذلك إنّما وقع من1بعض أهل الحديث من فيض علومكم هذه التي اقترحتم ممارستها2وتميّزتم عليهم بمعرفتها, ومن بقي منهم على ما كان عليه السّلف الصّالح سلم من جميع ما حدث من التّعمّق في الأنظار, والتّكلّف لاختراع ما لم يكن من العقائد.
وبالجملة؛ فمن أحدث عقيدة لم تكن مشهورة وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا النّاس إليها, وحملهم عليها, مع سكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها, وعدم تعرّضه لها؛ فليس بسنّي العقيدة, ولا سالك عند أهل الحديث الطّريق الحميدة.
الثّالث: أنّ كلامنا إنّما هو من1فوائد ممارسة العلوم العقليّة النّظريّة التي لم يعرفها السّلف, والمحدّث إذا ابتدع ما لم يكن في زمن الصّحابة فلم يؤت من الجمود وإنّما أتي من سيلان الذّهن, وممارسة هذه العلوم, فَبَانَ لك -أيّها المعترض بهذا- وَبَالَ هذه الفيهقة التي توهّمتها لك, لا2عليك.