خبر الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله1- صلى الله عليه وسلم -, قال المعترض: يلزم أنّه عدل.
والجواب من وجوه: الأوّل: من أين صحّ للمعترض أنّه كان في عصره - صلى الله عليه وسلم - أعرابي بال في مسجده؟ فثبوت هذا مبني على صحّة طرق الحديث وقد شكّ في تعذّرها, فلو صحّت طرق هذا بطل الشّكّ, ومن البعيد أن يصحّ طريق هذا الحديث دون غيره, ومن المعلوم أنّ صحة البعض تستلزم بطلان الشّكّ في استحالة الكلّ.
الوجه الثاني: أنّا قد ذكرنا أنّ كلّ مسلم ممن عاصر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنّه عدل ما لم يعلم جرحه, وبيّنّا الحجج على هذا, وأنّه مذهب جلّة علماء2الإسلام, وبيّنّا أنّه مما ادّعي فيه الإجماع, وهذا الأعرابي من جملة من دخل تحت عموم تلك الأدلّة, فيسأل المعترض: ما الموجب لتخصيصه بالذّكر؟ فإنّ الخصم ملتزم لعدالته, فيطالب بإبداء المانع منها.
فإن قال: إن بوله في المسجد يمنع العدالة لأنّه محرّم.
فالجواب عليه: /أنّ الجرح بذلك غير صحيح لأنّه لا دليل على
أنه فعله وهو يعلم بالتّحريم, ويقوّي هذا أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - منع من قطع درّته, ونهى من نهاه وقال: ((إنّ منكم منفّرين)), ولو كان في فعله لارتكاب ما حرّمه الله مجترئاً معانداً لم يكن يستحق هذا الرّفق العظيم, ولكان الأشبه أن يزجر عن الجرأة كما زجر السّائل عن الضّالّة, الذي قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا وجدت))1وإنّما ذكرنا هذا الوجه لزيادة قوّة الحجّة على الخصم, وإلا فالأصل جهل الأعرابيّ بالتّحريم والتّمسك بالأصل كافٍ. فإن قال المعترض: أنّ البول في المسجد يدلّ على الجرح من حيث إنّه يدلّ على الخسّة وقلّة الحياء, إذ البول في حضرة النّاس يدلّ على ذلك كالأكل في السّوق. قلنا: ليس كما توهّم, فإنّ ما يدل على الخسّة, وقلّة الحياء يختلف بحسب اختلاف عرف أهل بلد الفاعل لذلك وأهل زمانه, والأعراب في ذلك الزّمان وفي غيره لا تستنكر ذلك في باديتها غالباً, وكلّ ما كان أهل الصّيانة يفعلونه من المباحات في بلد أو زمان, لم يقدح في عدالة أحد من أهل تلك البلد وذلك الزمان, وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمشي في المدينة بغير رداء, ولا نعل, ولا قلنسوة, يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة, ذكره ابن حزم في ((سيرته)).2
ومثل هذا في بعض الأمصار في هذه الأعصار المتأخّرة مما لا يفعله بعض أهل الحياء, ومما يتكلّم بعض الفقهاء في فاعله,
لعُرف1مختصّ بهذه الأزمنة الأخيرة في الأمصار العظيمة, وإلا فمن أشد حياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها2, وكان لا يثبت بصره في وجه أحد لكثرة حيائه - صلى الله عليه وسلم -, ولكن هذا الذي فعله كان عادتهم في ذلك العصر, وإنّما الحياء يتولّد من مخالفة العادة حتّى إنّ الرّجل الفقير المستمرّ على البذاذة3في الملبس, لو لبس في دفعة واحدة لباس الأكابر الذي لا يعتاده قط, وطاف به الأسواق, لكان معدوداً من أهل المجون, وقلّة الحياء لمجاهرة النّاس بمخالفة العادة من غير تدريج, ولا التماس فضيلة, وكذلك قد ورد عنه - عليه السلام - أنّه أخذ قطعة من لحم وجعل يلوكها في فيه وهو يمشي في السّكة [أو]4يمشي بين أصحابه أو نحو ذلك, ذكر معناه أبو داود5, وقد أردف - عليه السلام - امرأة خلفه في
بعض الغزوات1, وربّما كان [هذا]2ممّا يتجنّبه بعض أهل الحياء في بعض الأزمان والبلدان لاختلاف العرف.
والقصد الاحتجاج بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - على أنّها ليست في ذلك الزّمان مما يستحيى منه, لا على أنّه كان يفعل ما يُستحيى منه في زمانه - عليه السلام -, فتأمّل ذلك ولا تغلط فيه, فإنّ الغلط فيه عظيم.
الوجه الثالث: لو قدّرنا أنّ هذا مما يجرح به لكان مما يحتمل النّظر والاختلاف, ولا يعاب على من جرح به ولا على من لم يجرح.
الوجه الرّابع: سلّمنا تسليم جدل أنّه مجروح فنحبّ3من المعترض أن يبيّن لنا أنّ أهل الصّحاح رووا عن هذا الأعرابي, ويبيّن لنا كم رووا عنه لا سيّما من أحاديث الأحكام, فإنّ الحاجة إلى معرفة ذلك ماسّة.
الوجه الخامس: سلّمنا أنّهم رووا عنه وأنّه مجروح, فما وجه الاحتجاج بذلك على الشّكّ في [تعذّر]4معرفة السّنن وبطلان العلم؟ وليس هذا يمنع من معرفة الحديث الصّحيح, بل كلّما كثر المجروحون قلّ الصّحيح, وكلّما قلّ سهل حفظه وأمكن /ضبطه,
والكلام من أصله إنّما هو متعسّر أو متعذّر.