: أنّ الفلاسفة تدّعي من الذّكاء والفطنة مثل ما أنت مدّع, وتعتقد في المسلمين كلّهم مثل ما أنت معتقد في المحدّثين, فإنّهم يعتقدون أنّ المتكلّمين من المسلمين غير ممارسين للعلوم العقلية على ما ينبغي.
ولا منصفين في متابعة1محض العقل, لمراعاتهم في كثير من المواضع لقواعد الإسلام, وتعصبهم لمذاهب الآباء والمشايخ, وخوف2ما تقرّر في نفوسهم من الصّغر من3خوف عذاب الاخرة, وعندهم أنّهم السُّبَّاق إلى تأسيس قواعد العلوم العقليّة, والقوانين المنطقيّة, وأنّهم استبدّوا باستخراج علم المنطق, وميزان البرهان, بصفاء أذهانهم في النظر في الحقائق, وشدة غوصهم على لطائف الغوامض, فكما أنّ ذلك -وإن صدقوا في بعضه- لا يدلّ على صحة ما هم عليه من الكفر, ولا يرجح ما فرحوا به من الضلال والخسر4, فكذلك ما احتجّ به المعترض على اختصاصه وأصحابه بالذّكاء والفطنة, بسبب ما استعاروه من علم الأوائل, وشمّوا من رائحة الحذق في بعض المسائل, لا يوجب له صحّة دعواه, ولا يستحق به الاختصاص بالنّجاة؛ هذا إن سلّم المعترض أنّ المدقّق قد يضلّ في
تدقيقه ويزلّ عن تحقيقه, وأمّا إن لم يسلّم ذلك فليتخذهم أئمة, وينسلخ عمّا عليه الأمّة, وفي هذا أكبر دليل على فساد ما توهّمه المعترض من تعليل صفاء الأذهان, /والرّجوع في صحّة الإيمان إلى ممارسة تواليف اليونان في علم البرهان, فقد ضلّ سقراط المعلّم الأوّل, واهتدى من الأعراب كثير, وما مارس أحد منهم تلك العلوم ولا تأوّل.
فيا هذا! من أكثر ممارسة للعلوم العقليّة, وأهدى إلى العقائد الإسلامية: أمّ الدرداء, وأمّ سُليم, وخديجة بنت خويلد, أمْ أرسطاطاليس, وأفلاطون, وابن سينا؟ وانظر بعد هذا في ميزانك الذي وزنت به أهل العلم والذّكاء, وأهل الجمود والبله, هل تجده مع مراعاة الإسلام عادلاً, أو تراه إلى تعظيم الفلاسفة مائلاً؟.