ادّعى أنّ التّنقّل ما وقع في المذاهب ألبتة, وأنّ أحداً من المقلّدين ما علم أنّه كان شافعيّاً في مسألة حنفيّاً في أخرى.
وهذا الكلام يدلّ على أحد أمرين: إمّا على شدّة تغفيله, وأنّه لا يدري ما يقول وإمّا على كثرة جرأته وقلّة مبالاته, وذلك أنّه لا يعلم أنّ أحداً من المقلّدين ما عمل بغير مذهب إمامه قطّ إلا الله سبحانه وتعالى, لأنّ الإحاطة بأعمال المقلّدين متعذّرة مع انتشارهم في أقطار الإسلام شرقاً وغرباً وشاماً ويمناً, ومع وجود المتساهلين منهم وجود2الفسّاق المصرّحين.
وليت شعري ما يقول هذا المعترض؟! هل يقطع بأن أحداً من المقلّدين ما زنى ولا سرق, ولا أربى ولا فسق؟ فهذا عناد عظيم, وبهتان مبين, أو يقرّ بذلك, فكيف قطع بأنّهم لا يفعلون -ولا أحد منهم- ما هو جائز عند كثير من علماء الإسلام؟ ومن أين علم عصمتهم عن هذا الذي لم يقل أحد من الأمّة: إنّ فاعله مستحلاًّ له يفسق ولا يعصي؟ والمعلوم خلاف ما ذكره من كثير من العامّة, بل من كثير من أهل التّمييز, بل قد قدّمنا كلام غير واحد من العلماء في وجوب ذلك
على أهل التّمييز, ونصّ بعضهم على جوازه, منهم: المؤيّد والدّاعي من أئمة الزّيديّة, وعزّ الدّين بن عبد السّلام, والنّواوي, وابن الصّلاح من أئمة الشّافعيّة, بل بيّنّا أنّ كلام الإمام الشّافعيّ يقتضي ذلك كما تقدّم.1
وأمّا قول المعترض: إنّه لا يوجد أحد من المقلّدين من يكون هادويّاً في مسألة, ناصريّاً في مسألة؛ فأعجب من هذا كلّه! وهو غفلة كبيرة, أو جحد للضّرورة, فإنّ العمل بمذهب النّاصر في أنّ الطلاق البدعي لا يقع؛ ظاهر مشهور في نجد واليمن من بلاد الزّيديّة, والعمل به معلوم فيما بينهم من المفتين والمستفتين من غير التزام2لمذهب النّاصر, وإنكار هذا خلع لعروة المراعاة [كعادات]3أهل العناد, وغلوّ لم يبلغه أحد من أهل اللّجاج.