أهل الأثرالأرشيف العلمي

وفد عبد القيس, ولم أعلم وجه تخصيصهم بالذّكر؛ فإنّهم من جملة الأعراب, إلا أنّه ارتدّ بعضهم بعد الإسلام.
والجواب على ما ذكره من وجوه: الأوّل: أنّ إسلامهم يقتضي قبول حديثهم ما داموا مسلمين؛ وردّتهم تقتضي ردّ حديثهم من حين ارتدوا, ولا مانع من ورود التّعبّد بهذا في العقل ولا في الشّرع المنقول بالتواتر المعلوم بالضّرورة معناه, بل قد بيّنّا فيما تقدّم قبول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن أسلم عقيب إسلامه, والدّليل عام لوفد عبد القيس ولغيرهم.
الثّاني: إمّا أن يكون المعترض أنكر قبولهم لأنّ من أسلم لا يقبل حتّى يخبر, أو لأنّهم ارتدّوا بعد الإسلام؟ إن كان الأول فلم خصّهم بالذّكر؟ ولم أنكر ذلك المذهب وقد بيّنّا أنّه قول الجمهور, وأنّه

بالأدلة الأثريّة والنّظريّة منصور؟ أقصى ما في الباب: أنّه لم يترجّح للمعترض موافقة الجماهير من علماء الإسلام, لكن لا يحل له الإنكار عليهم.
وإن كان يوافق على أن قبول المسلمين ذلك الزّمان قبل الاختبار مذهب صحيح, غير مدفوع ولا منكر, وإنما الذي أنكره قبول المسلم الذي يريد أن يرتدّ بعد إسلامه, فهذا لا يصح لأمرين: أحدهما: أنّ العلم بأنّه يريد أن يرتد من قبيل علم الغيب الذي استأثر الله به, وقد حكم عليّ - رضي الله عنه - بشهادة رجلين, ثمّ انكشف أنّهما [شهدا زوراً]1فلم يلزمه أحد بذلك محذوراً.
وثانيهما: أنّ العدل المخبور إذا فسق بعد العدالة لم يقدح ذلك في شهادته وروايته قبل الفسق, وقد ثبت أنّ المسلمين في ذلك الزّمان عدول عقيب إسلامهم, فإذا كفروا بعد العدالة لم يقدح كفرهم فيهم قبل أن يكفروا, ولا قال أحد بأنّ الكفر يقدح في الرّاوي قبل أن يكفر.
الثّالث: سلّمنا أنّ وفد عبد القيس مجاهيل أو مجاريح, فما لمعرفة الحديث والتّعذّر أو التعسّر, وأحاديث الصّحابة الكبار هي المتداولة في كتب الحديث والفقه والتّفسير, وأحاديث الأعراب الجفاة غير معروفة إلا أن يكون شيئاً نادراً, وعلى تقدير كثرتها فتركها لا يكون سبباً لتعذّر معرفة الحديث, ولا تعسّرها, بل ذلك من أسباب السّهولة كما بيّنّا, وترك الكثير في السّهولة مثل ترك اليسير, وإنّما يختلف في ذلك حفظ الكثير واليسير, وتمييز أحاديث كبار الصّحابة

عن أحاديث جفاة الأعراب ممكن غير متعذّر, فرجال السّنّة قد صنّفوا كتباً كثيرة في معرفة الصّحابة وبيّنوا فيها من هو معروف العدالة من الأصحاب, ومن لا يعرف إلا بظاهر حاله من الاعراب, ومن له رواية /عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومن ليس له رواية, ومن أطال الصّحبة, ومن لم يطلها, بل تعرّضوا فيها لبيان السّابق من المسبوق, والأفضل من المفضول, والأقضى والأحفظ والأذكى, بل هم بعد هذا يبرزون صفحة الإسناد للنّقّاد, ولا يكتمون شيئاً مما قيل في رجال الحديث وعلله على سبيل الإرشاد, لمن يحبّ التّرجيح في التّقليد والاجتهاد.
وإنّما يلزم اختلاط أحاديث ثقات الأصحاب بأحاديث جفاة الأعراب لو أرسلوا الأحاديث ولم يسندوها, وقطعوها ولم يصلوها, فأين تعذّر معرفة الحديث؟ وما معنى التّشويش على طلبة الحديث بأنّ وفد عبد القيس ارتدّوا؟! وإذا ارتدّ وفد عبد القيس فمه؟! أتبطل السّنن, ويضيع العلم, ويلزم من ذلك ألا يصحّ حديث الثّقات من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ما هذا الكلام [المعتلّ, والاستدلال]1المختلّ؟.
وهذا ذكر جلّة الرّواة من الصّحابة -رضي الله عنهم-, رأيت ذكر أسمائهم ليعرف أنّ حديثهم هو الذي يدور عليه الفقه وينبني عليه العلم, وأنّ أحاديث جفاة الأعراب المجاهيل شيء يسير نادر على تقدير وقوعه, فيعلم أنّه لم يُبنَ على حديث جفاة الأعراب حكم شرعي, فإن اتّفق ذلك ففي نادر الأحوال ممن يستجيز ذلك من أهل العلم من غير ضرورة إلى ذلك.
فإنّه لو لم يستجز الرّواية عنهم كان له

في القرآن وما صحّ من السّنّة والإجماع, وصحيح القياس غنية وكفاية.
وإذا أردتّ أن تعرف صدق هذا الكلام فأرنا المسائل التي احتجّ عليها الفقهاء والمحدّثون بأحاديث الجفاة من الأعراب من غير عموم من القرآن, ولا شاهد من سائر الأدلّة, وفي عدم ذلك أو نذرته ما يدلّك على ما ذكرناه من أنّ جلّة الرّواة هم عيون الأصحاب لا جفاة الأعراب, فدع عنك هذه الشّبه الضّعيفة, والمسالك الوعرة1, وإمّا أن يكون من أهل العلم المجدّدين لما درس من آثاره, المجتهدين [في الردّ على]2من أراد خفض ما رفع الله من مناره, وإلا فبالله عليك أرحنا من تعفيتك لرسومه وتغييرك لوجوهه, فحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركن الشريعة المطهّرة المحفوظة إلى يوم القيامة, وليس يضرّ أهل الإسلام جهالة بعض الأعراب, فلنا من حديثهم غنية بما رواه عيون الأصحاب مثل: الخلفاء الراشدين الأربعة المهديّين -رضي الله عنهم- وسائر إخوانهم العشرة المشهود لهم بالجنّة, وقد جمعتهم في بيت واحد فقلت:

للمصطفى خير صحب نصّ أنّهم... في جنّة الخلد نصّاً زادهم شرفاً هم طلحة وابن عوف والزّبير مع... أبي عبيدة والسّعدان والخلفا ومثل: الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة, وأمّهما سيدة النّساء-رضي الله عنهم- ومثل من لا يتّسع لذكره هذا ((المختصر)) من نبلاء المهاجرين والأنصار, مثل: عمّار بن ياسر, وسلمان الفارسي, وذي الشّهادتين: خزيمة بن ثابت, وخادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنس بن مالك, وأمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وحبر الأمّة المفقّه في الدّين المعلّم التأويل ابن عبّاس رضي الله عنهما, ووالده العبّاس, وأخيه الفضل, وجابر بن عبد الله, وأبي سعيد الخدري, وصاحب السّواك1عبد الله بن مسعود, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, والبراء بن عازب, وأم سلمة أمّ المؤمنين, وأبي ذر الغفاري الذي نصّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أنّ السّماء لم تظل أصدق لهجة منه))2, /وعبد الله بن عمرو الذي أذن له - عليه السلام - بكتابة حديثه الشريف3, وكتب ما

لم يكتبه غيره؛ فاستكثر من طيّب, وأبي أمامة الباهليّ, وحذيفة بن اليمان, والحافظ الكبير: أبي هريرة الدّوسيّ الذي قرأ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نمرته, ثمّ أمره فلفّها فلم ينس شيئاً مما سمعه منه - صلى الله عليه وسلم -1, وأبي أيّوب الأنصاريّ, وجابر بن سمرة الأنصاريّ, وأبي بكرة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأسامة بن زيد مولاه - عليه السلام - , وأبي مسعود الأنصاريّ البدريّ, وعبد الله بن أبي أوفى, وزيد بن ثابت, وزيد بن خالد, وأسماء بنت يزيد بن السّكن, وكعب بن مالك, ورافع بن خديج, وسلمة بن الأكوع, وميمونة أمّ المؤمنين, وزيد بن أرقم, وأبي رافع مولى النّبي - صلى الله عليه وسلم - , وعوف بن مالك, وعديّ بن حاتم, وأمّ حبيبة أمّ المؤمنين, وحفصة أمّ المؤمنين, وأسماء بنت عميس, وجبير بن مطعم, وذات النّطاقين أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق, وواثلة بن الأسقع, وعقبة بن عامر الجهني, وشدّاد بن أوس الأنصاري, وعبد الله بن يزيد, والمقدام أبي كريمة2, وكعب بن عجرة, وأمّ هانىء بنت أبي طالب, وأبي برزة, وأبي جحيفة, وبلال المؤذن, وجندب بن عبد الله بن سفيان, وعبد الله بن مغفّل, والمقداد,

ومعاوية1بن حيدة, وسهل بن حنيف, وحكيم بن حزام, وأبي ثعلبة الخشني, وأمّ عطيّة, ومعقل بن يسار, وفاطمة بنت قيس, وعبد الله بن الزّبير, وخبّاب بن الأرت, ومعاذ بن أنس, وصهيب, وأمّ الفضل بنت الحارث, وعثمان بن أبي العاص الثقفي, ويعلى بن أميّة, [وعتبة بن عبد]2, وأبي أسيد السّاعديّ, وعبد الله بن مالك بن بُحينة3, وأبي مالك الأشعري, وأبي حميد السّاعديّ, ويعلى بن مرّة, وعبد الله بن جعفر, وأبي طلحة الأنصاريّ, وعبد الله بن سلام, وسهل بن أبي حثمة, وأبي المليح الهذلي, وأبي واقد اللّيثي, ورفاعة بن رافع, وعبد الله بن أنيس, وأوس بن أوس, وأمّ قيس بنت محصن, وعامر بن ربيعة, وقرّة, والسّائب, وسعد بن عبادة, والرُّبيّع بنت معوّذ, وأبي بردة, وأبي شريح, وعبد الله بن جراد, والمسور بن مخرمة, وصفوان بن عسّال, وسراقة بن مالك, وسبرة بن معبد الجهني, وتميم الدّاري, وعمرو بن حريث بن خولة الأزديّ,

وأسيد بن الحضير1, والنّوّاس بن سمعان الكلابي, وعبد الله بن [سرجس]2, وعبد الله بن الحارث بن جزء, والصّعب بن جثّامة, وقيس بن سعد بن عبادة, ومحمد بن مسلمة, ومالك بن الحويرث الليثي, وأبي لبابة بن [عبد المنذر]3, وسليمان بن صرد, وخولة بنت حكيم, وعبد الرّحمن بن شبل, وثابت بن الضّحّاك, وطلق بن عليّ, وعبد الرّحمن بن سمرة, و [الحكم]4بن عمير, وسفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكعب بن مرّة, وأبي محذورة, وعروة بن مضرّس, ومجمع بن جارية5, ووابصة بن معبد الأسديّ, وأبي اليسر, وأبي ليلى الأنصاري, ومعاوية بن الحكم, وحذيفة بن أسيد الغفاريّ, وسلمان بن عامر, وعروة البارقيّ, وأبي بصرة الغفاري, وعبد الرحمن بن أبزى, وعمرو بن سلمة6, وسبيعة الأسلميّة,

وزينب بنت جحش أمّ المؤمنين, وضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب, وبسرة بنت صفوان, وصفيّة أمّ المؤمنين, وأمّ هاشم بنت حارثة الأنصاريّة, وأمّ كلثوم, وأمّ كرز, وأمّ سليم بنت ملحان, وأمّ معقل الأسديّة.
وضِعف هؤلاء, بل أكثر من ضعفهم ممّن لو ذكرناهم على الاستقصاء لطال ذكرهم وطاب نشرهم, فطالعهم -إن شئت- في كتاب ابن عبد البرّ ((الإستيعاب)) وغيره من كتب معرفة الأصحاب, فمعرفتهم أحد أنواع علم الحديث كما ذكره المصنّفون فيها كـ ((ابن الصّلاح))1/وزين الدين العراقي2, وغير واحد.
وقد ألّفوا في معرفة الصّحابة كتباً كثيرة.
فمنها: ((الصّحابة))3لابن حبّان مختصر في مجلد.
و ((معرفة الصّحابة))4لابن منده, كتاب جليل, ولأبي موسى

المدينيّ عليه ذيل1كبير.
ومنها: ((الصّحابة))2لأبي نعيم الأصبهاني, جليل القدر, ومنها ((معرفة الصّحابة))3للعسكري.
ومنها كتاب أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الأثير [الجزريّ]4المسمّى بـ ((أسد الغابة في معرفة الصّحابة))5وهو أجمع كتاب في هذا, جمع فيه بين كتاب ابن منده, وذيل أبي موسى عليه, وكتاب أبي نعيم, و ((الاستعياب)) , وزاد من غيرها أسماء.
واختصره6جماعة, منهم: الحافظ أبو عبد الله الذّهبيّ في

مختصر لطيف1, وذيّل عليه [زين الدّين بعدّة أسماء]2لم تقع له.3
ومنهم: الكاشغريّ.4
وقد ذكروهم أيضاً في تواريخ الإسلام5, وكتب رجال الكتب الستة6, وأنفس كتاب فيهم كتاب: عزّ الدّين بن الأثير7, وكتب الحافظين الكبيرين: أبي الحجّاج المزّيّ, وتلميذه أبي عبد الله الذّهبيّ, فبمعرفة هذه الكتب الحافلة أو بعضها يتميّز لك الصّحابي من الأعرابيّ, بل يتميّز معرفة الفاضل من

المفضول, والسّابق من المسبوق, فقد بيّن علماء الحديث -في كتب ((علوم الحديث)) على الإجمال, وفي كتب ((معرفة الصّحابة)) على التّفصيل- أنهم رضي الله عنهم ينقسمون إلى اثنتي عشرة طبقة: الأولى: قدماء السّابقين الذين أسلموا بمكّة كالخلفاء الأربعة... -رضي الله عنهم-.
الثانية: أصحاب دار النّدوة.
الثالثة: مهاجرة الحبشة.
الرّابعة: أصحاب العقبة الأولى.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية.
السّادسة: أوّل المهاجرين الذين وصلوا إليه - عليه السلام - إلى قباء قبل أن يدخل المدينة.
السّابعة: أهل بدر.
الثامنة: المهاجرين بين بدر والحديبية.
التّاسعة: أهل بيعة الرّضوان.
العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.
الحادية عشرة: مسلمة الفتح.
الثّانية عشرة: صبيان وأطفال رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح, وفي حجة الوداع وغيرهما.

قال ابن الصّلاح1: ((ومنهم من زاد على ذلك)).
وأمّا ابن سعد فجعلهم خمس طبقات فقط.
قال ابن عبد البرّ في خطبة ((الاستيعاب))2: ((قال الله جلّ ذكره: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمُ تَرَاهُم رُكَّعاً سُجَّداً يَبتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:29] , إلى أن قال: وليس كذلك جميع من رآه وآمن به وسترى منازلهم من الدّين والإيمان, والله تعالى قد فضّل بعض النّبيين على بعض, وكذلك سائر المسلمين, والحمد لله رب العالمين)) تمّ مختصراً, وفيه ما يدلّ على معرفتهم بدقائق تفاصيل التّفضيل, وتمييزهم للمشاهير عن المجاهيل.
فيا أيها المعترض على أهل السّنّة بأحاديث جفاة الأعراب, واختلاطها بأحاديث الأصحاب, خذ من أحاديث هؤلاء الأعلام ما صفا وطاب, وأجمع على الاعتماد عليه أولوا الألباب, ودع عنك التّشكيك في صحّة السّنن /والاتياب, والتردد في ثبوت الآثار والاضطراب, وليأمن خوفك من ضياع السّنّة والكتاب, ولتطب نفسك بحفظ ما ضمن حفظه ربّ الأرباب.
قال: المسألة الثّانية: إن قيل: الصّحيح من حديث الرّسول ما أخرج البخاري ومسلم وأبو داود, وكذلك أصحاب الصّحاح, وهي معروفة عند المحدّثين والفقهاء, وفي بعضها خلاف.
وأمّا ما روي في

غير تلك الكتب فليس بصحيح -إلى قوله- أمّا هذا الفصل1فزعم القائل به أنّ مؤلّفي الصّحاح أعرف النّاس به, وقد تعرّضوا لحصر2الصّحيح, فما لم يذكروه فليس بصحيح, إلى آخر ما ذكره في هذا المعنى.
أقول: كلام المعترض هنا لا يحتاج إلى جواب أكثر من تعريفه [بأنّه]3أفرط في الجهل, ورمى أهل الحديث بما نصّوا على البراءة منه نصوصاً كثيرة متواترة, فممّن نصّ على ذلك البخاري ومسلم: أمّا البخاريّ فإنّه اشتهر عنه أنّه خرّج صحيحه من مائة ألف حديث صحاح4, مع أنّ صحيحه لا يشتمل إلا على قدر أربعة آلاف5حديث من غير المكرّر, وهذا في رواية الفِربريّ, ورواية

حمّاد بن شاكر دونها بمئتي حديث, ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل1, فمن نصّ على أنّه أخرج أربعة آلاف حديث من مئة ألف صحاح كيف ينسب إلى دعوى حصر الصّحيح؟!.
وأمّا مسلم؛ فروى النّواوي عنه في ((شرح مسلم))2النّصّ الصّريح على أنّه ما قصد حصر الصّحيح, وكذا روى النّواويّ في ((الشّرح))3إنكار ذلك على ابن وارة وأبي زرعة, وذكر الحاكم أبو عبد الله في خطبة ((المستدرك))4أنّ البخاريّ ومسلماً5ما ادّعيا ذلك, وقد نصّ على ذلك علماء الحديث: منهم ابن الصّلاح, وزين الدّين, والحاكم وغيرهم, ولم يختلفوا في ذلك, وإنّما اختلفوا في عدد أقسام الصّحيح.
فالحاكم عدّ أقسامه عشرة6, وجعل حديث البخاريّ ومسلم

قسماً منها, وابن الصّلاح وزين الدّين [جعلا]1أقسام الصّحيح سبعة أقسام2, و [جعلا] حديث البخاري ومسلم ثلاثة أقسام: ما اتفقا عليه قسماً, وما انفرد به كلّ واحد منهما قسماً, وابن الأثير في ((الجامع))3تبع الحاكم في تقسيمه المذكور.
ولم يزل علماء الحديث وأئمّته يستدركون على صاحبي الصّحيح ما تركاه مما هو على شرطهما, ويحتجّون بما حكم بصحّته غيرهما كالبرقانيّ, وابن خزيمة, وابن حبان, والدّارقطنيّ, والبيهقي, والحاكم, وعبد الغني المقدسيّ, وعبد الحقّ, وتقيّ الدين ابن دقيق العيد, وابن سيّد النّاس, وأبي الحسن بن القطّان, والزّكيّ عبد العظيم وغيرهم, وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تطويل, ومعلوم لا يفتقر إلى دليل.
وليس يصحّ في الأفهام4شيء... إذا احتاج النّهار إلى دليل قال: وأمّا الفصل الأوّل -وهو أنّ كلّ ما في هذه الكتب فهو صحيح- ففيه موضعان: الأوّل: في حكاية المذهب, والثّاني: في

الدّليل.
أمّا الأوّل فقد ذهب قوم إلى ذلك, وممّن قال به ابن الصّلاح /وحكى عن إجماع الفقهاء أنهم أفتوا من حلف بطلاق امرأته إن لم يكن [ما]1بين دفّتي ((صحيح البخاري)) قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّ امرأته لا تطلق.
وليت شعري كيف كان هذا الإجماع؟ أكان بأن طاف هذا السّائل جميع البقاع, أم بأن جُمع له علماء الأمّة في صعيد واحد وأذّن فيهم بهذا السّؤال, وأجابوه جميعاً بأنّ امرأته له حلال؟ وأيّ إجماع صحيح بغير علماء أهل البيت الأطهار, وشيعتهم الأخيار؟ أقول: الجواب على هذا الكلام يظهر بإيراد مباحث: البحث الأوّل: أنّ المعترض روى عن ابن الصّلاح, وعن قوم مجاهيل القول بأنّ جميع ما في هذه الكتب صحيح, والظّاهر أنّه أراد بهذه الكتب2: الكتب السّتّة؛ لأن الرّجل نصّ في كتابه ((علوم الحديث))3أنّ كتب (السّنن الأربعة) يدخلها ما هو ضعيف, وإنّما تكلّم الرّجل في صحّة المسند من البخاري ومسلم دون التّعاليق4كما

سيأتي بيانه -إن شاء الله-, فالمعترض إن كان جهل الفرق بين السّتّة والاثنين, فليس من العقلاء, وإن كان حسب أنّ مثل هذا التّجاهل يمضي على أهل الحديث فليس من الفطناء.
وأمّا القوم المجاهيل الذين نسب هذا المذهب الغريب إليهم: فإن كان يريد أنّهم أهل الحديث1؛ فنصوصهم على خلاف ذلك تشهد بتكذيب المعترض عليهم, وتكفي في تسويد وجه المعترض نسبة2ذلك إليهم, فإنّهم قد نصّوا في كتب علوم الحديث, وذِكر شروط الأئمّة على خلاف ذلك, وإن كان يريد أنّ أولئك القوم من غير أهل الحديث؛ فما الموجب للاعتراض على أهل الحديث بذلك؟!.

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الحجة الثّالثة: — 47 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل