أنّه رأى هذا المذهب منسوباً إلى الحشويّة فظنّ أنّ المحدّثين هم الحشويّة كما قد سمّاهم بذلك في رسالته, وليس عليه في مجرّد الجهل ذنب, فأكثر عامّة المسلمين لا يدرون من الحشويّة ولا يعرفون أنّ هذه النّسبة غير مرضيّة, وإنّما الذّنب الرّجم بالظّنون الكاذبة, والخوض مع أهل العلم بغير معرفة.
ومن كان له أدنى تمييز عرف أنّ نقّاد الحديث وأئمة الأثر أعداء الحشويّة, وأكره النّاس لهذه الطائفة الغويّة, فإنّ الحشويّة إنّما سمّوا بذلك لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المرويّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , أي: يدخلونها فيها وليست منها, رواه النّفيس العلوي عن نشوان بن سعيد الحميري1, وذكر ولده محمد بن نشوان2في كتابه ((ضياء الحلوم))3ما يدلّ على ذلك فقال: ((إن الحشويّة سمّوا بذلك لكثرة قبولهم الأخبار من غير إنكار)).
فإذا عرفت هذا تبيّن لك أنّ المحدّثين [هم]4الذين اختصّوا /بالذّبّ عن السّنن النّبويّة والمعارف الأثريّة, وحموا حماها من أكاذيب الحشويّة, وصنّفوا كتب الموضوعات, وناقشوا في دقائق الأوهام حفّاظ الثّقات, وعملوا في ذلك أعمالاً عظيمة, وقطعوا فيها أعماراً طويلة, وقسّموا الكلام فيه في أربعة فصول:5أحدها: معرفة العلل.
وثانيها: معرفة الرّجال.
وثالثها: معرفة علوم الحديث.
ورابعها: معرفة الحديث وطرقه.
واشتملت هذه الفنون من المعارف النّبويّة, والقواعد العلميّة على ما يضطرّ كلّ عارف إلى أنّهم أتمّ الخلق عناية بحماية علم الحديث على التّبديل والتّحريف, وأنّهم الجهابذة النّقاد بعلم المتن والإسناد, فإنّهم الذين بيّنوا أنواع الحديث التي اختلف في قبولها أهل العلم, مثل: التدليس والإعضال, والاضطراب والإعلال, والنّكارة والإرسال, والوصل والقطع, والوقف والرّفع, وغير ذلك من علوم الحديث الغزيرة, وفوائده العزيزة, ولأمر ما سارت تصانيفهم فيه مسير1الكواكب, وانتفع بكلامهم فيه الوليّ الصادق, والعدوّ المناصب, والمتّهم لهم بحشو الأحاديث واختلاق الأباطيل في الحديث لا يكون من أهل العقول التّامّة, دع عنك أهل المعارف الخاصّة.2
وذلك لأنّه لا خفاء على العاقل: أنّ أئمة الفنّ لا يكونون هم المتّهمين فيه, إذ لو كان كذلك لبطل العلم بالمرّة, فإنّا لو اتّهمنا النّحاة في النّحو, واللّغويين في اللّغة, والفقهاء في الفقه, والأطبّاء في الطّبّ؛ لم يتعلّم جاهل, ولا تداوى مريض, فياهذا! من للحديث إذا ترك أهله!؟ فلو عدمت تآليفهم فيه وتحقيقهم لألفاظه ومعانيه؛ لأظلمت الدّنيا على طالبه, وأوحشت المسالك3على مريده.
بل يا هذا! فكر لم سمّوا: أهل الحديث, ولم [سمّي]1أهل الكلام بذلك, وكذلك أهل النّحو وسائر الفنون؟ فإن كان أهل الحديث عندك سمّوا بذلك مع عدم معرفتهم بذلك, وكذبهم فيه, فهلاّ جوّزت مثل ذلك في سائر الفنون, بل في سائر أهل الصّناعات, بل في جميع أهل الأسماء المشتقّات, فيجوز أن يسمى الفقيه نحويّاً, والمتكلم عروضيّاً, والغنيّ فقيراً, والصّغير كبيراً, وهذا ما لا يقول به عاقل, ولا يرتضيه أحد من أهل الباطل.
ومن أحبّ أن يعرف حقّ المحدّثين واجتهادهم [في التّحرّي للمسلمين]2, فليطالع تآليف نقادهم في الرّجال والعلل والأحكام, مثل: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال)) للذّهبيّ, و ((التهذيب)) للمزّيّ, و ((العلل)) للدّارقطني, و ((علوم الحديث)) لابن الصّلاح, وزين الدّين العراقي, وغير ذلك, ثمّ ليطالع بعد ذلك كتب ((الصّحاح)) , و ((السّنن)) لاحظاً لما فيها من اختيار أصحّ الأسانيد, والإشارة إلى مهمّات ما يتعلّق بالأحاديث: من العلل القادحة, والمرجّحات الواضحة, ثمّ ليوازم بينها, وبين مصنّفات سائر الفرق في الحديث, يجد الفرق بين التّصانيف واضحاً, والبون بين الرّجال نازحاً.3
ومن موازين الإنصاف العادلة, وأدلّة الأوصاف الفاضلة: أنّك
تراهم يضعّفون الضّعيف من فضائل أبي بكر, وعمر, /وعثمان... -رضي الله عنهم- ويصدعون بالحقّ في ذلك, وكذلك يضعّفون ما يدلّ على مذهبهم متى كان ضعيفاً, ويضعّفون كثيراً من علمائهم إذا كانوا ضعفاء, نصيحة منهم للمسلمين, واحتياطاً في أمور الدّين.
وهذه إشارة مختصرة على (1 قدر هذا (المختصر)1, دعا إلى ذكرها تعريف من أنكر الجليّات, ودافع ما هو كالمعارف الأوّليّات, إذ من المعلوم أنّ أهل الحديث اسم لمن عني به, وانقطع في طلبه, كما قال بعضهم: إنّ علم الحديث علم رجال... تركوا الابتداع للاتّباع فإذا جنّ ليلهم كتبوه... وإذا أصبحوا غدوا للسّماع فهؤلاء هم من أهل الحديث من أي مذهب كانوا, وكذلك أهل العربيّة, وأهل اللّغة فإنّ أهل كلّ فنّ هم أهل المعرفة فيه, وتحقيق ألفاظه ومعانيه, وقد ذكر أئمة الحديث ما يقتضي ذلك, فإنّهم مجمعون على أنّ أبا عبد الله الحاكم بن البيّع من أئمة الحديث, مع معرفتهم أنّه من الشّيعة2وقد ذكروا في كتب الرّجال كثيراً من أئمة الحديث, ورواة الصّحيح منسوباً إلى البدع, وبهذا تزداد أقوال المعترض بطلاناً في نسبة المحدّثين إلى الحشويّة, ويظهر3أنّه قد
نسب إلى الحشو جماعة من أهل مذهبه1وسائر الفرق, بل نسبة ذلك إلى خير الفرق2, فإنّ المتمسّكين بالآثار3النّبويّة هم خير الفرق الإسلاميّة, لأنّهم أشبه الخلق خلقاً وسيرة وعقيدة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والمحدّث إن كان مراعياً للسّنّة, مجانباً للبدعة, ملاحظاً لما كان عليه السّلف, فهو جدير بإجماع من يعتدّ به على صحّة ما هو عليه وقوّة ما استند إليه.
وإن كان من بعض الفرق المبتدعة؛ فهو خير تلك الفرقة, وأشبههم خلقاً وسيرة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا هو الغالب, ولا عبرة بالنّادر ولا بمن ليس من أهل الدّيانة, فنسبة خير الفرق إلى شرّ فرقة تلقيبهم بأخسّ لقب؛ من التّهافت في مهاوي الضّلال, والخبط في تيه الوبال.
ويلحق بهذا فائدة تزيد ما ذكرناه تحقيقاً, وتزيد أئمة الحديث توثيقاً, وهي: أنّ المشهورين بتجويز الكذب في الحديث من الحشويّة الطّائفة المسمّاة بالكرّاميّة, وقد أطلق1الرّازي2نسبة هذا إلى الكرّاميّة, وحقّقه الإمام أبو بكر محمد بن منصور السّمعاني3فنسبه إلى بعضهم فيما لا يتعلّق بالأحكام مما يتعلّق بالتّرغيب والتّرهيب, والمحدّثون براء من هذه الطّائفة, وقد تكلّموا عليهم في غير كتاب فممن تكلّم عليهم الذّهبيّ في ((ميزان الاعتدال))4, فإنّه قال في ترجمة ابن كرّام -شيخ هذه الطّائفة- ما لفظه: ((محمد بن كرّام العابد المتكلّم ساقط الحديث على بدعته, أكثر عن أحمد الجويباري, ومحمد بن تميم السّعديّ, وكانا كذّابين.
قال ابن حبان /: خُذل حتّى التقط من المذاهب أرداها5, ومن الأحاديث أوهاها.
وقال أبو العبّاس6: شهدت البخاريّ, ودفع إليه كتاب من ابن كرّام يسأله عن أحاديث منها: الزّهري عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ((الإيمان لا يزيد ولا ينقص)) , فكتب البخاريّ على ظهر كتابه: من
حدّث بهذا استوجب الضّرب الشّديد, والحبس الطّويل.
وقال ابن حبان: جعل ابن كرّام الإيمان قولاً1بلا معرفة.
وقال ابن حزم: قال ابن كرّام: الإيمان قول باللّسان, وإن اعتقد الكفر بقلبه.
قال شيخ أهل الحديث ابن الذّهبيّ: ((هذا منافق محض في الدّرك الأسفل من النار, فأيشٍ ينفع ابن كرّام أن يسميه مؤمناً؟ قال الذّهبيّ: وقد سجن ابن كرّام لبدعته بنيسابور ثمانية أعوام.
وقد سقت أخباره في ((تاريخي الكبير))2)) انتهى كلامه.
فيا من لا يفرّق بين الحشويّ والمحدّث! انظر إلى نصوص أئمة الحفّاظ في إنكار مذهب ابن كرّام في رواية الأحاديث الواهية, وفي القول بالإرجاء, وقد نصّ البخاريّ علي: أنّ راوي الحديث المقدّم الذي هو حجّة المرجئة يستوجب الضّرب الشّديد, والحبس الطويل, وعن قريب تأتي نسبتك للإرجاء إلى المحدّثين, وقل لي من الذي حبس ابن كرّام في نيسابور على بدعته؟ ولمن كانت الشّوكة في نيسابور في ذلك العصر وهو بعد المئتين؟ فإن قلت: إنّك إنّما سمّيت المحدّثين بالحشويّة: لكون الحشويّة من فرقهم, والجامع لهم: ردّهم لمذهب الشّيعة والمعتزلة.
قلت: هذا ليس مما تعذر به, فإنّ المنصور بالله روى عن المطرفية وهم من فرق الزّيديّة -أنّهم يستجيزون الكذب في الحديث في نصره ما اعتقدوه حقّاً, وذكر أنّهم صرّحوا له بذلك في المناظرة,
وقد صحّ عنهم من البدع ما هو شرّ من ذلك.
وكذلك الحسينية قد صحّ تواتر أنّهم يفضّلون الحسين بن القاسم1على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهم من فرق الزّيديّة, والزّيديّة يكفّرون هاتين الطّائفتين, فكما لم يلزم الزّيديّة شيء من تلك البدع لقول بعض جهلتهم بها, مع إنكارهم على من قالها؛ فكذلك لا يلزم أهل الحديث كل بدعة قيلت في بلادهم أو قالها من وافقهم في بعض عقائدهم, فزن الأشياء بالموازين العلمية وتعرّف من الحشويّة, واحذر أن تكون من هذه الفرقة الغويّة, لقبول الكثير2من الأحاديث الفريّة, المدسوسة في الأحاديث المرويّة.
السّبب