في بطلان احتجاج الجبريّة بقدر الله تعالى الذي هو علمه السّابق وقضاؤه النّافذ, ولنورد في هذا الفصل فوائد نفيسة من كلام علماء السّنّة وأئمة الحديث, يشتمل على تعريف ماهيّة القدر
عندهم, ويردّ على من يقول بالجبر ممّن ينتحل مذهبهم, فمن ذلك: قول الخطّابي في ((معالم السّنن))1ما لفظه: ((قد يحسب كثير من النّاس أنّ معنى القدر من الله سبحانه والقضاء [منه, معنى] الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدّره, ويتوهّم أنّ قوله: ((فحجّ آدم موسى)) من هذا الوجه, وليس كذلك, وإنّما معنى القدر الإخبار عن تقدّم علم الله تعالى بما يكون من /أفعال العباد وصدورها من تقدير منه وخلق لها.
وكذا ذكر هذا أبو السّعادات ابن الأثير في ((جامع الأصول))2ومحيي الدّين النّووي في ((شرح مسلم)).3
وقال الإمام الجويني في كتابه ((البرهان))4ما لفظه: ((إن قيل: ما علم الله أنّه لا يكون, وأخبر عن وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون, والتّكليف بخلاف المعلوم جائز.
قلنا: إنّما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه وليس امتناعه بالعلم بأنّه لا يقع, ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه؛ فالعلم يتعلّق به على ما هو عليه, وتعلّق العلم بالمعلوم لا يغيّره ولا يوجبه, بل يتبعه في النّفي والإثبات, ولو كان العلم يؤثّر في المعلوم لما تعلّق العلم بالقديم.
وتقرير ذلك في فنّ الكلام)) انتهى كلامه.
وفي كلام الفخر ابن الخطيب الرّازي أشياء في ذلك فاتني لفظها, وقد ذكرت جملة صالحة ممّا يدلّ على براءة أئمة السّنّة من الجبر, ونقلت في ذلك ألفاظهم من كتبهم الشّهيرة, وأشرت إلى معنى قولهم بخلق أفعال العباد, وقد تقدّم ذلك في ((الوهم الثالث عشر)) من هذا ((المختصر))1فخذه من هنالك, فإنّه قد يتوهّم أن قولهم بالاختيار مع قولهم بخلق الأفعال مناقضة صريحة, وليس هذا بلازم من مجرّد إطلاق هذا اللّفظ, مع فرقهم بين خلق الله تعالى وفعله, وقولهم: إن أفعال العباد لا توصف بأنّها فعل الله تعالى, فقد عنوا بخلق الأفعال غير ما توهّمه منهم المعتزلة, ومما يدلّ على ذلك: أنّ العلم لو كان يخرج القادر عن القدرة لقدح ذلك في كونه تعالى قادراً, ولكان تعالى غير قادر على ترك ما علم أنّه سيخلقه, ولا على خلق ما علم أنّه لا يخلقه, ولكان العلم كافياً في إيجاد المخلوقات من غير قدرة ولا خلق, ونحو ذلك مما أجمعت الأمّة بل العقلاء على بطلانه, وقد وردت الآيات الكريمة والأحاديث الصّحيحة بما يدلّ على نفي الجبر وثبوت الاختيار: قال الله تعالى: ((لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها)) [البقرة/286] وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث القسم للنساء: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك, فلا تؤاخذني فيما لا أملك)) رواه أبو داود في ((السّنن))2, قال
الحافظ ابن كثير الشّافعي في كتابه ((إرشاد الفقيه))1: ((إنّه حديث صحيح)).
وروى مسلم بن الحجّاج في ((صحيحه))2من حديث أبي ذرّ... - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد شراً فلا يلومنّ إلا نفسه)).
وفي الأحاديث الصّحيحة من ذلك ما يطول ذكره, والقصد الإشارة, وقد علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعمل ويجتهد في العبادة ويأمر بذلك, ويحترز في الحروب, ويلبس الدّروع, ويستشير في الرّأي ويدبّر الأمور, وقال - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن هذه الشّبهة بعينها: ((اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له))3فصلّى الله عليه وسلّم لقد أوتي جوامع الكلم, (2وجمع في اللفظ القليل متفرّقات الحكم.4
## الفصل الثّالث: في الدّليل على حسن الاحتجاج بالقدر من غير العاصي لله تعالى على ما قدّمنا في (الفصل الأول) من الاعتبار, وعلى شريطة عدم الاحتجاج به على الجبر ونفي الاختيار, والدّليل على ذلك أنّه قد ورد في الشّرع وروداً كثيراً, فمن ذلك قوله تعالى: ((لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) [الحديد/23] فالله تعالى في هذه الآية الكريمة نصّ على حسن التّسلّي بالقدر, ولا معنى للتّسلّي
إلا القطع بأنّ المقدر واقع لا محالة, وإن كان ممكناً في ذاته لم يخرج تركه عن القدرة, ومن ذلك أنّ المنافقين لما قالوا لإخوانهم: ((لو أطاعونا ما قتلوا)) [آل عمران/168] ردّ الله ذلك عليهم1, واحتجّ بالقدر فقال تعالى: ((قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) [آل عمران/154] , وأصرح من هذه الآية في المقصود قوله تعالى: ((قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)) [آل عمران/168] فسوّى بين القتل الذي هو من فعل المخلوقين, وبين الموت الذي هو من فعله تعالى في أنّه لا يغني الاحتراز من (4القتل كما لا يغني الاحتراز من2الموت, ومن ذلك قوله تعالى: ((إلا امرأته قدّرناها من الغابرين)) [النّمل/57] فقوله: ((قدّرناها)) تعليل لهلاكها لا خبر مستقبل3, لأنّه لا يحسن أن يقال: إلا امرأته جعلناها من الغابرين4, لما لم يكن بينهما ملازمة تصلح للتعليل, ومن ذلك قوله تعالى: ((وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه)) [الإسراء/13] قال في ((الكشّاف))5: ((أي عمله)) ومنه قوله تعالى: ((وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين)) [الإسراء/4] قال في ((الكشّاف))6
في تفسيرها: ((وأوحينا إليهم وحياّ مقضيّاً -أي مقطوعاً مبتوتاً- بأنّهم يفسدون في الأرض لا محالة)) , هذا لفظه مع غلوّه في مذهبه.
ومنه قوله تعالى: ((قضي الأمر الذي فيه تستفتيان)) [يوسف/41] وقوله تعالى: ((ولولا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم)) [يونس/19] وقوله تعالى: ((لقد حقّ القول على أكثرهم)) [يس/7] وقول يعقوب - عليه السلام -: ((يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرّقة وما أغني عنكم من الله من شيء)) [يوسف/67] إلى قوله تعالى: ((إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنّه لذو علم لما علّمناه)) [يوسف/68] وقال الزّمخشري1في تفسيرها: ((خاف أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم)) إلى قوله: ((وما أغني عنكم من الله من شيء)) [يوسف/67] يعني إن أراد الله بكم سوءاً لم ينفعكم, ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التّفرق وهو مصيبكم لا محالة ((إن الحكم إلا لله)) [يوسف/67] ثمّ قال: ((ولمّا دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)) [يوسف/68] يعني متفرّقين ((ما كان يغني عنهم)) رأي يعقوب ودخولهم متفرّقين شيئاً حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرّقهم من إضافة السّرقة إليهم, وأخذ أخيهم بوجدان الصّواع2في رحله, وتضاعف المصيبة على أبيهم ((إلا حاجة في نفس يعقوب)) استثناء منقطع على معنى: ولكن حاجة في نفس يعقوب قضاها, وهي: شفقته عليهم وإظهارها بما قال لهم ووصّاهم به: ((وإنّه لذو علم لما علّمناه)) يعني قوله: وما
أغني عنكم, وعلمه بأنّ القدر لا يغني عنه الحذر)) انتهى كلام الزّمخشري.
وإنّما اخترت كلامه دون كلام غيره من المفسّرين؛ ليكون حجّة على المعترض, فإنّه أنكر احتجاج آدم - عليه السلام - بالقدر, والاحتجاج به والتعزّي والاعتذار مشهور في السّنّة والقرآن, وألسنة أهل الإسلام/, وإذا كان هذا الزّمخشري على أنّه داعية الاعتزال كما ترى, فكيف بغيره!؟ ولم يزل العقلاء يتسلّون بالقدر, وينظمون ذلك في أشعارهم, وقد تداول البلغاء هذا المعنى فقال بعضهم: ما قد قضي يا نفس فاصطبري له... ولك الأمان من الذي لم يقدر ثمّ اعلمي أنّ المقدّر كائن... حتماً عليك صبرت أم لم تصبري1وقال آخر: نفذ القضاء بكلّ ما هو كائن... فأرح فؤادك من لعلّ ومن لو وقال آخر: ومن الدّليل على القضاء وكونه... بؤس اللّبيب وطيب عيش الأحمق وقال آخر: ما ثمّ إلا ما يريـ... ـــد فألق همّك واسترح واقطع علائقك التي... يشغلن قلبك واطّرح وهي قصيدة كعب بن زهير الشّهيرة2:
- وكلّ ما قدّر الرّحمن مفعول * ونحو هذا مما لا سبيل إلى التقصّي عليه ممّا اشتهر بين المسلمين من غير نكير على المتعزّي به, فكيف أنكر المعترض ما لا يخفى!؟ فإن قال: إنّما أنكر ذلك لوقوعه من آدم - عليه السلام - جواباً على من لامه على الذّنب, والمذنب لا يجوز له أن يتسلّى بالقدر.
فالجواب: أنّ ذلك صحيح في حقّ المذنب, ولكن آدم - عليه السلام - تائب من الذّنب, والتّائب من الذّنب كمن لا ذنب له.
وعلى هذا الجواب بحث, وهو أن يقال: إنه لا يحسن من التّائب منّا أن يتسلّى بالقدر, بل المشروع من التّائب1أن يلوم نفسه ويتذكّر ما يهيج حزنه على ما فرط منه كما لم يزل عليه أهل الصّلاح.
فالجواب على هذا البحث: أنّ المبالغة في النّدم بعد التّوبة إنّما لزمتنا لبقاء توجّه التّكليف علينا, وأمّا آدم - عليه السلام - فإنّه ما تكلّم بهذا إلا بعد الخروج من دار التّكليف, ولا شكّ أنّه لا يلزم المكلّف في دار الآخرة أن يتأسّف على ما فرط منه, ولو كان ذلك لازماً في دار الآخرة؛ للزم في أهل الجنّة وحسن منهم ولا قائل بهذا, وهذا هو لباب الجواب في هذه المباحث, وقد اقتصرت على هذا ((المختصر)) وقد أودعت ((الأصل))2أكثر من هذا, ولولا لجاج الخصم الألدّ ما احتجنا إلى ذكر هذا ولا بعضه, نسأل الله السّلامة, ونرغب إليه في الاستقامة!.
وقد أورد المعترض في الحديث ما ليس منه, فروى عن آدم - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال -بعد ذكر تقدير الله ذلك عليه-: ((وخلقه فيّ قبل أن يخلقني بألفي عام)) , وأوهم المعترض أنّ هذه الرّواية في الصّحاح, والصّحاح برئية من هذا الإفك, فخلق المعصية في آدم قبل أن يخلق محال, والشيء لا يكون ظرفاً لغيره في حال العدم, وكم بين هذه الرواية وبين ما ثبت في دواوين الإسلام!!.
الحديث السّادس: حديث موسى وملك الموت -عليهما السلام-, وقد جعله المعترض ختام الأحاديث التي لا يمكن تأويلها, لمّا لم يعرف وجه ما ورد فيه من لطم موسى للملك -عليهما السلام- حين جاء الملك ليقبض روحه الشّريفة, وعن هذا الحديث جوابان: معارضة وتحقيق.