منهم: هم الجبرية الخلّص, وهم الذين يقولون: إنّه لا تأثير لقدرة العبد في الفعل ولا في صفة من صفاته, بل الله تعالى يخلق الفعل بقدرته, ويخلق [العبد]1قدرة متعلقة بفعله, مقارنة في حدوثها لحدوثه, غير متقدّمة عليه, ولا مؤثّرة فيه ألبتة, وهذا قول الأشعري وأتباعه, وجماهير المحقّقين من المتأخرين على خلاف هذا, قال الرّازي في ((النهاية)) ما لفظه: ((قالت المعتزلة: لو كان فعل العبد موجوداً بقدرة الله تعالى ما حسن المدح والذّمّ والأمر والنّهي.
ثمّ قال: اختلفوا في الجواب على طريقين:
الأولى: طريقة الأشعري: أنّ قدرة العبد غير مؤثّرة, وأمّا الأمر والنّهي؛ فلأنّ الله أجرى العادة بأنّ العبد متى اختار الطّاعة فإنّه تعالى يخلق الطّاعة فيه عقيب اختياره إيّاها, وكذلك إن اختار المعصية.
وإذا كانت المكنة بهذا المعنى حاصلة لا جرم حسن الأمر والنّهي.
إلى قوله: إذا كان الأمر كذلك؛ كان التّكليف والأمر والنّهي إنّما كان لأنّه [متمكّن]1من اختيار أحد مقدوريه دون الآخر, وإن لم يكن متمكناً من الإيجاد, لا يقال: ترجيحه أحد تعلّقي الإرادة على تعلّقها.
الثّاني: إن وقع بالعبد فقد اعترفتم بتأثير قدرة العبد, وإن وقع بالله فلا يكون ذلك التّرجيح مضافاً إلى العبدأصلاً, لأنّا نقول: إنّ ترجيح أحد التّعلّقين على الآخر ليس أمراً ثبوتياً أصلاً لا في حق الله تعالى, ولا في حق العبد حتّى يلزم من إسناده إلى العبد ما يلزم من الاعتراف بكون قدرته مؤثّرة, فإنّ ذلك لو كان أمراً ثبوتياً لكان وقوعه أيضاً بالاختيار فيلزم التّسلسل.
فهذا صريح منهم في كتبهم مبيّن2معلّل لا يمكن تأويله, وقد أفصحوا بأن مذهب الجبريّة الخلّص أنّ العبد مختار, وأنّه إنّما يستحق الذّمّ والعقاب والأمر والنّهي بسوء اختياره, وبهذا يتخلّص3من قول المعتزلة: إنّهم يجوّزون على الله العبث والقبيح والظلم لقولهم بخلق الأفعال, وهذا من وجه مثل قول الجاحظ وثمامة بن الأشرس: إنّه لا
فعل للعبد إلا الإرادة, وهما من أجلاّء شيوخ الاعتزال.
وذكر الرّازي في هذا الموضع: (3أنّ العبد1يفعل الاختيار عند الدّاعي الرّاجح وجوباً كما يفعل الله الواجب في حكمته, ويترك القبيح في علمه وجوباً عند المعتزلة, ولا ينافي ذلك /الوجوب ثبوت الاختيار, قال: ولا يصح للمعتزلة أن يلزموهم نفي الاختيار بذلك لوجهين: أحدهما: أنّ الدّاعي عند المعتزلة غير موجب, وثانيهما: أنهم يقولون بمثل ذلك في حقّ الله تعالى في أفعاله الواجبة عندهم, ولم يقتض ذلك أنّه تعالى عندهم2غير مختار.
قلت: بل يقولون بذلك في حق العبد في غير موضع: منها في احتجاجهم على ثبوت التّحسين والتّقبيح عقلاً, وقولهم: إذا خيّر العاقل بين الصّدق والكذب وكان النّفع فيهما سواء اختار الصدق وجوباً, بل يقولون بذلك في جميع أفعال العباد كما أشار إليه الرّازيّ في احتجاجهم على أنّ لنا أفعالاً وتصرّفات, فإنّهم احتجوا على ذلك بأنّها تقع عند [وجود]3دواعينا أو تنتفي عند وجود صوارفنا.
وقد ذكر الرّازي أنّ هذا هو مقصود القائلين بأنّ الدّاعي موجب لأنّه لو لم يكن موجباً لم يكن ما ذكروا دائماً, ولكان اتفاقيّاً أو أكثريّاً, ولو كان كذلك لم يكن حجة لهم.
وأمّا قولهم: إنّه وجوب استمرار لا
وجوب اضطرار فقد صرح القوم1بمعنى ذلك, فإنّهم صرّحوا بأنّ معنى ذلك الوجوب لا ينافي الاختيار, بل قال الرّازيّ: إنّ القول بأنّه ينافي الاختيار خروج من الإسلام, لأنّه يستلزم ذلك في حقّ الله تعالى, وينبغي معرفة هذه النّكتة فعليها المدار, وقد قال الرّازيّ: إنّ الجبر حقّ, وفسّر الجبر بوجوب وقوع فعل العبد عند رجحان الدّاعي لانتفاء الاختيار, وصرّح في غير موضع بأنّ القول بوجوب الفعل عند رجحان الدّاعي لا يوجب نفي الاختيار.
فثبت بهذه الجملة أنّ الجبريّة ما أرادوا بالجبر وخلق الأفعال ما فهمته عنهم المعتزلة, ومع تصريحهم بمقصدهم يحرم نسبتهم إلى غيره.