: وفد بني تميم.1
قال المعترض: إنه يلزم قبول حديثهم, وقد قال الله تعالى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:4].
والجواب من وجوه: الأوّل: من أين صحّ أنّها نزلت فيهم؟ وأنّها نزلت بعد إسلامهم؟ والطّريق إلى صحّة ذلك عندك مشكوك في إمكانها وتعذّرها كما في سائر الأخبار.
الثّاني: من أين صحّ فيهم2أن نداءهم له - عليه السلام - من وراء الحجرات كان بعد إسلامهم؟ وما المانع أن يكون قبله فيكون ذمّهم على فعل فعلوه قبل الإسلام, فلا يستحقّون الذّم بعد الإسلام, فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله من الكفر والكبائر, كيف ما لا يعلم أنّه من ذلك؟ ونزول الآية بعد إسلامهم لا يصلح مانعاً في ذلك كما نزل بعد التّوبة على آدم - عليه السلام - قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:121]. الثالث: أنّ قوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُم لاَ يَعْقِلُونَ?﴾ [الحجرات:4] ليس على ظاهره, لوجهين: أحدهما: أنّهم مكلّفون, وشرط التّكليف العقل.
وثانيهما: أنّه سبحانه وتعالى لا يذمّ ما لا يعقل كما لا يذمّ الأنعام لعدم العقل, إذ من لا عقل له لا ذنب له في عدم العقل, وإنّما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ [الفرقان:44]. ذمّاً للغافلين عن تدبّر الآيات, لا ذمّاً للأنعام السّائمات.1
إذا ثبت ذلك فالمراد ذمّهم بالجفاوة, وعدم الفهم للعوائد الحميدة2, وآداب أهل الحياء والمروءة, وهذا ليس من الجرح في شيء, فإنّ لطف الأخلاق, والكيس في الأمور, ليس من شروط الرّواية, لأنّ مبني الرّواية على ظنّ الصّدق, وأولئك الأعراب لا سيما ذلك الزّمان كانوا من أبعد النّاس عن الكذب والظّنّ لصدقهم قوي, لا سيّما في الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -, ولابدّ إن شاء الله تعالى من الإشارة إلى أنّ الكذب على الله ورسوله أبعد ما يجوز وقوع المسلم فيه من المعاصي في غالب الأحوال, إلا أعداء الله تعالى من الدّجالين الكذّابين خذلهم الله تعالى.
الوجه الرّابع: أنّ صدور مثل هذه القوارع على جهة التّأديب للجاهلين والإيقاظ للغافلين من الله تعالى, أو من رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يدلّ على فسقه وخروجه من ولاية الله تعالى, فقد نزل من الآيات القرآنية ما فيه تقريع لبعض الصّالحين, وتأديب لبعض الأنبياء والمرسلين, وقد قال الله تعالى لخيار المهاجرين والأنصار: ﴿لَولاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَا
أَخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:68], وأنزل الله في الممتحنة في شأن حاطب بن أبي بلتعة, وشدّد فيها على من والى أعداء الله تعالى, ولم يكن ذلك جرحاً في حاطب, فقد عذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه عمر - رضي الله عنه -, وقال له: ((إنّك لا تدري لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).1
وقد ثبت في ((صحيح مسلم))2مرفوعاً: أنّ حاطباً يدخل الجنة - رضي الله عنه -. وقد نزل الوعيد في رفع الأصوات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فأشفق بعض أصحابه -رضي الله عنهم- من ذلك, وكان جهوري الصّوت3, ولم يكن شيء من ذلك جرحاً في أحد من أولئك.
وقد أنزل الله تعالى سورة (عبس) في تأديب صفوته من خلقه - صلى الله عليه وسلم - وأنزل في أوّل أنبيائه آدم - عليه السلام -: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:121].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر -الذي ورد فيه أنّه: ((ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة منه))1-: ((إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة)) /قاله - عليه السلام - وقد سبّ امرأة, رواه البخاري.2
وقد روى عن علي أنّه قال لابن عبّاس -رضي الله عنهم- وقد راجعه في المتعة: ((إنّك امرؤٌ تائه))3, ولم يدلّ شيء من ذلك على الجرح, فكذلك الآية.4
الوجه الخامس: أنّ هذا يؤدّي إلى جرح قبيلة من قبائل المسلمين, وهذا لا يصحّ عند أحد من أهل العلم, لأنّ العادة الغالبة تمنع من وجود [مثل ذلك]1, ولهذا لم يقع إلى الآن من أوّل الإسلام.
الوجه السّادس: سلّمنا أنّ ذلك الجرح مانع من قبول الرّواية, فإنّما يستلزم ترك حديثهم, وترك حديثهم متيسّر غير متعسّر ولا متعذّر, فما وجه الاحتجاج بذلك على تعسّر معرفة الحديث وتعذّرها إذا تركنا حديث وفد تميم؟!.