في بيان موضع الخلاف.
فاعلم أنّ الفقهاء [لم يخالفونا]2في شرائط الإمامة التي زعم المعترض أنّهم خالفوا فيها, قال النّووي /في ((الرّوضة))3: ((شروط الإمامة: أن يكون الإمام: مكلّفاً, مسلماً عدلاً حرّاً ذكراً, عالماً مجتهداً, شجاعاً ذا رأي وكفاية, سميعاً بصيراً, ناطقاً قرشيّاً)) ونحو ذلك, [قاله]4العمراني في كتابه ((البيان)).5
وقال القاضي عيّاض: لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداءً1, بل قال النّووي في ((الرّوضة))2في كتاب الزّكاة: ((يشترط في السّاعي كونه مكلّفاً مسلماً, عدلاً حرّاً, فقهياً بأبواب الزّكاة)) إلى آخر كلامه في ذلك.
وقال الإمام إبراهيم بن تاج الدين3في كتابه إلى الملك المظفّر ما لفظه: ((هذا والجهابذة من أتباع الحبر العلامة محمد بن إدريس4- رضي الله عنه - يقولون: إنّه لا بدّ أن يكون في الأمّة من قائم بأمر الإسلام, من حقّه بعد المنصب أن يكون جامعاً للفضائل منزّهاً عن الرّذائل)).
انتهى كلامه.
وفيه شهادة لهم من خصومهم, وممن هو مقبول النّقل عند المعترض, فإن قلت: فأين موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة والشّيعة؟ قلت: في موضعين: الموضع الأوّل: أنّهم ذكروا أنّ الخروج على أئمة الجور متى كان مؤدياً إلى أعظم من جورهم؛ من إراقة الدّماء, وفساد ذات البين,
حرّم تحريماً ظنّياً اجتهاديّاً [مختلفاً]1في صحّته بين علمائهم وسائر علماء الإسلام, كما قدّمنا في الفصل الثّاني2, وللزّيديّة والمعتزلة ما يلزمهم موافقة الفقهاء على هذا, فإنّهم نصّوا في باب النّهي عن المنكر على أنّه لا يحسن متى كان يؤدّي إلى وقوع منكر اكبر منه, والمسألة واحدة. الموضع الثّاني: -وهو محلّ الخلاف على الحقيقة- وهو في صحّة أخذ الولاية من أئمة الجور على ما يتعلّق بمصالح المسلمين من القضاء ونحوه, وقد وافقهم على أخذ ولاية القضاء من أئمة الجور: إمام الزّيديّة المؤيّد بالله, ذكره في كتاب ((الزّيادات)) , واحتجّ عليه وبالغ في ذلك, والمسألة ظنّية ليس فيها نصّ معلوم اللفظ والمعنى, ولا إجماع قطعيّ, وقد تمسّك جمهور الفقهاء في هذا الأمر بظواهر الأحاديث الواردة في طاعة السّلطان, وأنّه وليّ من لا وليّ لها من النّساء في التّزويج, والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة لا حاجة إلى ذكرها, وفي بعضها ما يدلّ على أنّ السّلطان قد يكون جائراً بلفظ خاصّ مثل الحديث المرفوع: ((وإنّما الإمام جنّة يتّقى بها ويقاتل من ورائه, فإن عدل كان له بذلك أجراً, وإن جار كان عليه بذلك وزر)) رواه البخاري.3
وحديث مسلم4وفيه: ((فإن كان
لله خليفة في الأرض فاسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) والحديث الذي فيه: ((أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألونا حقّهم؟ قال: أعطوهم حقّهم, وسلوا الله حقّكم))1ونحو هذا ممّا يطول ذكره, وبقيّة الأحاديث تدلّ على ذلك بإطلاقها, فإنّ المرجع2في تفسير السّلطان إلى اللّغة.
وأمّا المعتزلة والشّيعة فاحتجّوا بالسّمع والرّأي؛ أمّا السّمع فبعمومات مثل قوله تعالى: ((قال إنّي جاعلك للنّاس إماماً قال ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظّالمين)) [البقرة/124]. وللفقهاء أن يجيبوا في هذه الآية بوجوه: أحدها: أنّ الإمامة المذكورة في الآية هي النّبوّة؛ لأنّ إبراهيم... - عليه السلام - سأل لذرّيته الإمامة التي جعلها الله /تعالى له وهي النّبوّة.
وثانيها: أنّ الإمامة التي في الآية مجملة محتملة لإمامة النّبوّة,
وإمامة خلافة النّبوّة, وأدلّة الفقهاء المتقدمة نصوص في خلافة النّبوّة فكانت أخصّ.
وثالثها: أنّ الآية من شرع من كان قبلنا, وقد ورد في شرعنا ما يخالفها, وليس يجوز العمل بشرع من قبلنا مع مخالفة شرعنا له إجماعاً, وسائر أدلّة المعتزلة والشّيعة من هذا القبيل؛ إمّا دليل صحيح في لفظه لكنّه ليس بنصّ, أو دليل نصّ في المسألة لكن صحته غير مسلّمة.
وأمّا الرّأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة, فإذا كان مهلكاً للرّعيّة, مفسداً في الأرض, كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم, ومطفي مشبوب النّيران بالضّرم.
وللفقهاء أن يجيبوا عن ذلك بأنّهم لم يخالفوا في جواز اختياره, فقد قدّمنا نصّ القاضي عيّاض على أنّه لا يصح نصب الفاسق ابتداءً, ولا حرّموا الخروج عليه إلا إذا غلب على الظّنّ أنّ المفسدة في الخروج عليه أعظم من مفسدة ولايته, وقد أجمع العقلاء, وأطبق أهل الرّأي على وجوب احتمال المضرّة الخفيفة متى كانت دافعة لما هو أعظم منها, ولذلك وجب قطع العضو المتآكل متى غلب على الظّنّ أنّه إن لم يقطع سرى إلى الجسد, وكان سبب الهلاك, فبان بهذا أنّ الفقهاء -أيضاً- قد تمسّكوا في هذا النًصّ السّمعي والرّأي العقلي, وسيأتي لهذا مزيد بيان في