: أنّك علّلت بللهم, وجمود فطنتهم بقلّة ممارستهم للعلوم, وعنيت بهذه العلوم: علوم الجدل, والخوض في دقيق النّظر, لأنّه لا يُفهم إلا ذلك, والتّعليل بهذه العلّة هفوة كبيرة, لأنّ هذه العلّة قد شاركهم فيها خيرة الله من خلقه من الأنبياء المرسلين, والأولياء والمقرّبين, والصّحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فإن كان هذا المعترض يجعل هذه العلّة مؤثّرة صحيحة, ويستلزم ما أدّت إليه من الإزراء على كلّ من ترك الخوض في علم الكلام, والممارسة لأساليب المتحذلقين من أهل الجدل فقد تعرّض للهلاك, وارتبك في البلادة أي ارتباك.
وقد اغترّ بهذه الشّبهة بعينها؛ الحسين بن القاسم بن عليّ العياني1, أحد من ادّعى الإمامة من الزّيديّة, فخرج من مذهب الزّيديّة بل من المذاهب الإسلامية, وادّعى أنّه أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وإنّ كلامه أنفع من كلام الله عز وجلّ2!! وتابعه على ذلك طائفة
مخذولة من الزّيديّة, وقد انقرضت بعد الانتشار, وخملت بعد الاشتهار, وهذه العلّة العليلة كانت سبب اغتراره من نفسه؛ فإنّه كان يناظر أهل العلم بها, ويقول في مناظرته: قد ثبت أنّ الأعلم أفضل, وأن علم الكلام أفضل العلوم.
ثمّ يقول لمن يوافقه من الزّيديّة والمعتزلة على هاتين المقدّمتين: إنّه يلزم منهما أنّه أفضل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه يقطع أنّه أعلم منه بعلم الكلام, وانّ مصنّفاته قد اشتملت على1الرّدّ على الفلاسفة, وسائر أهل الملل والنّحل على ما ليس في كتاب الله ما يقوم مقامه, فتصانيفه أنفع للمسلمين من القرآن العظيم!! فإن كان المعترض قد اختار هذا المذهب, وأراد أن يحيي منه ما مات, ويستدرك على صاحبه من الكفر ما فات؛ فليس بمستنكر له بعد ذلك أن يستهزيء بأهل الحديث, ويسخر من علماء الأثر, وإن كان يأبي منه إباء المسلمين, ويأنف منه أنفة المؤمنين؛ فقد تبيّن له أنّ من كان له أسوة -في ترك علوم الأوائل وتحذلق الجدليّين- بالأنبياء والمرسلين, والصحابة والتّابعين, وسائر الصّالحين, فهو حريّ بالتّبجيل والتّعظيم, والتّوقير والتّكريم.
فياسيّال الذّهن, ووقّاد القريحة, من الأبله الآن!؟ أمن علّل بهذا التّعليل العليل, وقال: إنّ معرفته بالله/ مثل معرفة جبريل, بل
قال: إنّ الله لا يعرف من ذاته أكثر منه بكثير ولا قليل, أم من آمن بالله1وكتبه ورسله وتأدّب بآداب التّنزيل, واقتدى بسيّد المرسلين في ترك التّعمق في الدّين والمماراة للجاهلين؟.