قال المعترض: ولو وقع هذا في زماننا لأنكره النّاس.
وهذا عجيب أيضاً! لأنّه إمّا أن يريد أن هذه إجماعية, وهو الظّاهر من كلامه, فهذا لا يصحّ لوجوه: أحدها: أنّه واقع ولم ينكره النّاس كما4قدّمته.
وثانيها: أنّ قوله: لو وقع لأنكره النّاس؛ دعوى على النّاس, بل
دعوى لعلم الغيب بما يكون من النّاس في المستقبل.
وثالثها: أنّا في علّة من كيفية العلم بإجماع العلماء فكيف بإجماع النّاس؟!.
ورابعها: أنّه قد حكم بالجهل على أهل زماننا, فمع ذلك كيف يحتج بإجماعهم, /وليس يحتجّ إلا بإجماع العلماء؟.
قال: الوجه الثّاني: أنّه لا يتميّز على هذا الوجه المجتهد من المقلّد, فإنّه إذا رجّح في كلّ مسألة, وعمل يما يترجّح [له]1؛ فهذا شأن المجتهدين, وكونه قد قال به قائل شرط في حقّ المجتهدين أيضاً.
أقول: هذا الوجه أضعف مما قبله؛ والقول بالتّرجيح لا يؤدّي إلى ما ذكره من عدم الفرق بين المجتهد والمقلّد, فالفرق بينهما واضح, وهو أنّ المقلّد ليس له أن يستقلّ بقول لم يسبق إليه, وإنّما هو تبع لغيره, وقد رام المعترض أن يبطل هذا الفرق فركب الصّعب الذّلول, وخالف المعقول والمنقول, والتزم أنّه لا يحلّ الاجتهاد لمجتهد حتّى يسبقه غيره إلى اختياره, وهذا معلوم البطلان لوجوه: أحدها: أنّه يلزم بطلان اجتهاد خير الأمّة من الصّدر الأوّل الذين ابتكروا الكلام في الحوادث, وسبقوا إلى الاجتهاد في المسائل.
وثانيها: أنّه يلزم أنّ الحادثة إذا حدثت وليس فيها نصّ لمن تقدّم من العلماء لزم العمل فيها بغير اجتهاد ولا تقليد, لأنّ شرط كلّ واحد
من الاجتهاد والتّقليد موافقة نصّ متقدّم, وقد عدم هذا الشّرط فيلزم من ذلك سقوط التّكليف في هذا الحكم والعمل بالإباحة, أو تكليف ما لا يطاق من موافقة مراد الله تعالى من غير اجتهاد ولا تقليد, وعلى هذا يكون ترك حفظ أقوال العلماء المتقدّمين أولى؛ ليبطل التّكليف, ويأمن الوقوع في المعصية فيما لم ينصّوا عليه, وهذا شيء لم يسبق هذا المعترض إليه!!.
الوجه الثالث: أنّ الأمّة مجمعة قديماً وحديثاً على أنّه لا يشترط في الاجتهاد ما ذكره, وإنّما اشترط العلماء عدم مصادمة الإجماع القطعيّ, واختلفوا في الظّنّيّ1إذا لم يعارض بما هو أرجح منه, على ما هو مقرّر في علم الأصول.
قال: ((الموضع الثّاني في الدّليل على أنّ في أخبار هذه الكتب المسمّاة بالصّحاح ما هو غير صحيح)) إلى آخر ما ذكره في الموضع الثّاني.
أقول: كلامه في هذا الفصل مشتمل على أمرين: أحدهما: الطّعن في صحّة حديث الصّحاح بما فيه من حديث المحاربين لعلي - رضي الله عنه -. وثانيهما: الطّعن على أهل الحديث بمذاهب نسبها إليهم, وإنما لم أورد كلامه في هذا الفصل بلفظه, لأنّه (2 تقدّم شيء منه و2تقدّم الجواب عليه, وسوف يأتي أيضاً كثير منه في الكلام على المتأوّلين
, ويأتي الجواب عليه هنالك إن شاء الله تعالى.
وقد رأيت أن اقتصر على ذكر أوهام وهمها في هذا الفصل لا يخلو ذكرها من فائدة, معرضاً عمّا في سائر هذا الفصل من الأوهام التي لا يفيد ذكرها ولا يهم أمرها, /فإنّ مجرّد التّعرّض للاعتراض من غير فائدة مما ليس تحته طائل, ولا يستكثر من ذكره فاضل.
وقد أخّرت الكلام في البغاة على أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - إلى المسألة الثّالثة ليكون الكلام في أهل التّأويل, وما يتعلّق بهم في موضع واحد, فإنّ ذلك أحسن ترتيباً وأكثر تقريباً.
وهذا بيان ما وهم فيه المعترض على أهل السّنّة حرسها الله تعالى: الوهم الأول: زعم صاحب الرّسالة أنّ أهل الحديث يجيزون الكبائر في الأنبياء عليهم السّلام, ولكنّه سمّاهم بغير اسمهم؛ فأفرط بذلك في وصمهم, فأقول: لا غرو إن أوذي أهل التّقى... كلّ إمام بالأذى قد بلي ما سلم الصّدّيق من رافض... ولا نجا من ناصبيّ1علي يأيها الرّامي لهم في دجى... تعارض الشّكّ بأمر جليّ بأنجم من علم أعلامهم... تعارض الشّكّ بأمر جلي من ذلك ما ذكره القاضي الإمام العلامة عياض بن موسى اليحصبيّ المالكيّ في كتابه ((الشّفا)) , في التّعريف بحقوق المصطفى))2
- صلى الله عليه وسلم - , فإنّه اجاد الكلام (1 في هذه المسألة, وليس يتّسع هذا المختصر لذكر جملة شافية مما ذكره؛ فإنّه نوّع الكلام في هذا المعنى وذكر1الأقوال, والحجج, والتّأويل حتّى بلغ كلامه في هذا قدر [ستّين]2ورقة بخطّ وسط, أو يزيد قليلاً بحسب اختلاف خطوط3النّسخ وأوراقها, ومن كلامه فيه ما لفظه: ((أجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات, ومستند الجمهور في ذلك الإجماع هو مذهب القاضي أبي بكر, ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع, وهو قول الكافّة, واختاره الأستاذ أبو اسحاق.
وكذلك لا خلاف أنّهم معصومون من كتمان الرّسالة والتّقصير في التّبليغ)).
وذكر الإجماع على عصمتهم عن الصّغيرة التي تؤدّي إلى إزالة الحشمة, وتسقط المروءة وتوجب الخساسة.
ثمّ قال: ((بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدّى إلى مثل ذلك ممّا يزري بصاحبه, وينفّر القلوب عنه)).
ثمّ ذكر القاضي الخلاف في عصمتهم قبل النّبوّة حتّى قال: ((والصّحيح تنزيههم من كلّ عيب, وعصمتهم من كلّ ما يوجب الرّيب)).
وذكر أيضاً قبل هذا عصمة الأنبياء -عليهم السّلام- من الصّغائر واختاره واحتجّ عليه.
وقال الفخر الرّازي في ((محصوله))4ما لفظه: ((والذي نقول
به: إنّه لم يقع منهم ذنب على سبيل القصد لا صغير, ولا كبير, وأمّا السّهو فقد يقع منهم بشرط أن يذكروه1في الحال, وينبّهوا غيرهم على أنّ ذلك كان سهواً.
وقد سبقت هذه المسألة في علم الكلام, ومن أراد الاستقصاء فعليه بكتابنا في عصمة الأنبياء والله تعالى أعلم)).
وقال الإمام الحافظ أبو زكريا النّووي في كتاب ((الروضة))2: ((أنّ الأنبياء -عليهم السّلام- معصومون من تعمّد الذنوب؛ صغيرها وكبيرها)) هذا معنى كلامه, ولم يحضرني لفظه.
/وقال ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى))3: ((الإجماع على عصمتهم بعد الرّسالة من تعمّد الكذب في الأحكام, والإجماع على عصمتهم من الكبائر وصغائر الخسّة)).
وقال أبو عبد الله الذّهبيّ في ((النّبلاء))4وقد ذكر ما معناه: تنزيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأكل مما ذبح على النّصب قبل النّبوّة, فقال ما لفظه: ((ومازال المصطفى محفوظاً محروساً قبل الوحي وبعده, ولو احتمل جواز ذلك, فبالضرورة ندري أنّه كان يأكل ذبائح قريش قبل الوحي, وكان ذلك على الإباحة, وإنّما توصف ذبائحهم بالتّحريم بعد نزول الآية, كما أنّ الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد.
والذي لا ريب فيه أنّه كان معصوماً قبل الوحي وبعده, وقبل التّشريع من: الزنا قطعاً, ومن الخيانة, والغدر, والكذب, والسّكر, والسّجود لوثن والاستسقام بالأزلام, ومن الرّذائل, والسّفه, وبذاء اللسان, وكشف العورة, ولم يكن يطوف عرياناً, ولا يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة, بل كان يقف بعرفة)).
انتهى الكلام الحافظ الذّهبيّ.
فهذا ما تيسّر لي من نقل نصوصهم وقت تعليق هذا الجواب, مع البعد من ديارهم, وعدم التمكن من الاستمداد من سائر مصنّفاتهم, ومن الأخذ عن محقّقي علمائهم, وقد بان بهذا أنّ جلّة أئمّتهم نصّوا في كتبهم المتداولة بينهم على عصمة الأنبياء من تعمّد الصّغيرة, وهذا هو المنصوص لعياض في كتاب ((الشّفاء)) , وللرّازي في ((المحصول)) , وللنّواوي في ((الرّوضة)) , فبان بهذا أنّهم أكثر تنزيهاً للأنبياء -عليهم السّلام- من المعتزلة والزّيديّة, لأنّ مذهبهم تجويز تعمّد الصّغائر على الأنبياء -عليهم السّلام-, إلا [البغداديّة من المعتزلة]1فإنّهم يمنعون ذلك, لأنّ كلّ عمد كبيرة عندهم لا لتنزيه الأنبياء من تعمّد الصّغيرة, وإنّما أتي صاحب الرّسالة في رميهم بهذه الضّلالة من سببين: السّبب