أهل الأثرالأرشيف العلمي

أنّ أقصى ما في الباب أن يروي المحدث عن المجاهيل من المسلمين والمجاهيل من العلماء, فقد قال

بذلك1من أهل العلم المجمع على فضلهم ونبلهم من لا يحصى, فقد ذهب أئمة الحنفيّة إلى قبول المجهول من أهل الإسلام, وذهب إلى ذلك كثير من المعتزلة والزّيدية, وهو أحد قولي المنصور بالله: ذكر ما يقتضي ذلك في كتابه: ((هداية المسترشدين)) , وهو الذي ذكره عالم الزّيدية ومصنّفهم وعابدهم وثقتهم عبد الله بن زيد العنسي2, ذكره في ((الدّرر المنظومة))3بعبارة محتملة للرّواية عن مذهب الزّيدية كلّهم, وهو الذي أشار إلى ترجيحه أبو طالب في كتاب: ((جوامع الأدلة))4وتوقّف فيه في كتاب: ((المجزي)) وذكر أنّه محل نظر, وحكاه المنصور في ((الصّفوة)) عن الشّافعي.
فكيف تنكر أيّها الزّيدي ما ذهب إليه جلّة من أئمة الزّيدية ومحقّقيهم؟ ّ! على أنّ المحدث غنيّ عن النزول إلى هذا الحدّ في الترخّص, وأكثر ما يحتاج إليه في بعض الأحوال: الرّواية عن المجهول مطلقاً, وقول ابن عبد البرّ, وابن الموّاق5معهم, فقد وافقوهما على

قبول مجهول العلماء لأنه من جملة المجاهيل, لكنّهما خالفاهم في قبول من عدا هذا الجنس, ولهما من الحجج على ما اختاراه ما يمكن الرّكون إليه والاعتماد عليه, لولا عدم الحاجة إلى ذلك, ومحبّة الاحتياط بسلوك أوضح المسالك, وقد ذكرت في ((الأصل))1لهما حججاً في ذلك, وطوّلت الكلام عليها, وأنا أذكرها في هذا ((المختصر)) وأحذف من التّطويل فأقول: يمكن أن يحتج لهما بحجج قرآنية, وأثريّة, ونظرية: أما القرآنية: فقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [الأنبياء:7] , فإطلاق هذا الأمر القرآني يدلّ وجوب سؤال العلماء إلا ما خصّه الإجماع وهو: الفاسق المتعمّد؛ وهذا نادر في العلماء, وإن اتّفق ذلك من أحد منهم فهو معروف غير معتمد, وإنّما يصدر منهم من المعاصي ما لم يجمع على [الجرح]2به كما سيأتي/ قريباً.
وأما الأثريّة؛ فقد ورد في ذلك آثار: الأثر الأول: النّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله3)).
روي مرفوعاً مسنداً من طريق أبي هريرة, وعلي بن أبي

طالب, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وعبد الله بن عمر بن الخطاب, وأبي أمامة, وجابر بن سمرة.
واختلفوا في صحة إسناده وإرساله؛ فأسنده العقيلي1عن أبي هريرة, وابن عمرو بن العاص وقال: الإسناد أولى, وضعّف إسناده

زين الدّين ابن العراقي1, وقال ابن القطّان2: الإرسال أولى.
وتوقّف في ذلك الحافظ ابن النّحوي الشّافعي المصري.
وقال ابن عدي3: ((رواه الثّقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا]4الثّقة من أصحابنا أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال... )) وساقه.
قال الذّهبي5: ((رواه غير واحد من معان يعني ابن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري التّابعي)).
فالقوي صحّة الحديث كما ذهب إلى ذلك: إمام أهل الحديث أحمد بن حنبل, والعلاّمة الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ, روى تصحيحه عن أحمد بن حنبل غير واحد وابن النّحوي في ((البدر المنير))6والزّين ابن العراقي في ((التبصرة))7وقال: ((ذكر الخلال في ((كتاب العلل)) أنّ أحمد سئل عنه فقيل له: كأنّه كلام موضوع؟ فقال: لا, هو صحيح, فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد)).
قلت: الظّاهر صحته أو حسنه, فإنّما علّل بالإرسال, والاختلاف في معان.

أمّا الإرسال: فقد ارتفع بقول ابن عديّ: إنّ الثّقات رووه عن إبراهيم بن عبد الرحمن [ثنا]1الثقة مع شهادة تلك الطرق المقدّمة لإسناده, وإن كان زين الدّين ضعّفها؛ فالضعيف يستشهد به, وقد تكثر الطّرق الضّعيفة فيقوى المتن على حسب ذلك الضّعف في القلّة والكثرة, كما يعرف ذلك من عرف كلام أهل [هذا]2العلم في مراتب التّجريح والتّعديل.
وأمّا مُعان؛ فقد قال أحمد: ((لا بأس به))3ووثّقه ابن المديني, لكن ليّنه ابن معين4والتّليين لا يقتضي ردّ الحديث, بل يسقطه من مرتبة الصّحة, ويجوز أن يكون حسناً لا سيمّا وهو من قبيل الجرح المطلق, وهو مردود مع التوثيق الرّاجح, وموقوف فيه مع انفراده.
وهذا الجرح المطلق معارض بما هو أرجح منه, وهو كلام أحمد وابن المديني فإنّهما أرجح من ابن معين لأجل العدد, وإن كان مثلنا أقلّ من أن يرجح بينهم في المعرفة بالحديث, فأمّا التّرجيح بالعدد فهو ظاهر, على أنه لم يصرّح5بما يعارض كلاميهما.
فقد يقال فيمن يجب قبوله: ((فيه لين)) , وقد تطلق هذه العبارة في بعض رجال الصّحيح, وإنّما فائدتها: ترجيح من لم يقل فيه ذلك

على [من]1قيل فيه عند التعارض, كيف وقد وردت شواهد لحديث مُعان! فقد قال ابن عدي: ((رواه الثقات عن إبراهيم بن عبد الرحمن)) فالثّقات جمع أقلّه ثلاثة, وقد رواه أحمد بن حنبل عن غير واحد, منهم مسكين, إلا أنّه وهم في اسم إبراهيم بن عبد الرحمن, فقال: القاسم بن عبد الرحمن. هذا كلّه من غير اعتبار/ الطّرق المسندة التي اوردها ابن العراقي في ((التّبصرة)).2
وأمّا إبراهيم بن عبد الرحمن؛ فقد قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)):3إنّه من الصّحابة, وقد قيل: إنّه ليس بصحابيّ.
لكن المثبت أولى من النّافي, والزّيادة من العدل مقبولة إذا لم تكن معلولة, وقال جماعة: تقبل وإن كانت معلولة ولم تضعّف, بل قد قال الذّهبي4((ما علمته واهياً)) , وحديثه مقبول عند طوائف من العلماء.
أما المحدّثون؛ فلأنّ إمامهم أحمد بن حنبل يقبله, ولأنّ له قاعدة في تصحيح الأخبار معروفة5عندهم, ولا يظن بمثله أنّه يقضي

بصحّته قبل تمهُّد قاعدةِ الصحّة, وكذلك ابن عبد البر, وقد روى عنه غير واحد من الثّقات فخرج عن مطلق الجهالة, ولأنّه قد قال فيه الثقة: إنه صحابي.
وأما الحنفيّة؛ فإنهم يقبلون المجهول, كيف إذا كان تابعيّاً! كيف إذا قيل: إنه صحابيّ!.
وأمّا المالكيّة؛ فإنّهم يقبلون المرسل.
وامّا الشّافعيّة فإنّهم يقبلون بعض المراسيل, وإذا جمعت طرق هذا كلّه وجدته أقرب إلى القبول على قواعدهم.
فهذه الوجوه مع تصحيح أحمد, وابن عبد البر, وترجيح العقيلي لإسناده1مع سعة اطّلاعهم, وإمامتهم: تقضي بجواز التّمسّك به. وأمّا ما اعترض به زين الدّين على هذا الحديث من جهة المعنى, فإنه ضعيف. فإنه قال: ((لو كان خبراً لما وجد في حملة العلم من ليس بعدل, فوجب حمله على الأمر به)).2
والجواب: أنّ هذا غير لازم؛ لأنه يجوز تخصيص الأخبار كما يجوز تخصيص الأوامر, وذلك مستفيض في القرآن والسّنة, ومنه:

﴿وَأُوتِيَت مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ [النمل:23] , وقد قال الله تعالى في أهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿كُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110]. مع صحة ارتداد جماعة منهم, كما ذكره أئمة الحديث في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام: ((فأقول سحقاً لمن بدّل بعدي))1, فلم يوجب ذلك تأويل الآية على الأمر2, وسلب الصّحابة رضي الله عنهم هذه الفضيلة العظمى.
والوجه في ذلك أنّ التخصيص كثير في الشّريعة واللّغة, حتّى قال بعضهم: إنّ كلّ عموم في القرآن مخصوص إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شِيءٍ عَلِيمٍ﴾ [الأنعام:101] وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٍ﴾ [المائدة:120]. وحتّى قال بعض الأصوليين: إنّ ألفاظ العموم مشتركة بينه وبين الخصوص, بخلاف ورود الخبر بمعنى الأمر فإنّه ليس في هذه المرتبة3, وما كان أكثر وقوعاً كان أرجح.
وأمّا قوله: إنّ ذلك قد جاء في بعض طرق [ابن] أبي حاتم4, فمردود بضعفه وإعلاله لمخالفة جميع الرّواة الثّقات وغير الثّقات.5

الأثر الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدّين))1, رواه جماعة من الصّحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وهو صحيح صحّحه محمد بن إسماعيل البخاري, / وأبو عيسى الترمذي2وغيرهما, وهو دليل على أن الله قد أراد الخير لأهل الفقه, ولا معنى لتخصيصهم بذلك إلا لوقوع ما أراده بهم, أمّا عند أهل السنة فظاهر, وأمّا عند المعتزلة فلتخصيصهم بالذّكر, وأمّا الزّيدية فقد احتجوا بمثله في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:33].وهذا الأثر يخصّ من فقه في دينه دون غيره من أهل العلم, والكلام فيمن يطلق عليه ذلك يتعلق بشروح الحديث.
الأثر الثالث: ما ورد في ((الصّحيح))3من قصّة الرّجل الذي قتل تسعة وتسعين, وسأل عن أعبد أهل الأرض, فدلّ عليه, [فسأله]4فأفتاه ألاّ توبة له فقتله, ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض, فدلّ عليه, فسأله فأفتاه بأن توبته مقبولة, وفيه: بأنّه من أهل الخير.
فحكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصّته, ولم يحك فيها أنّه بعد معرفة علم

الرّجل سأل عن عدالته, وقد اعتمد هذا الرّجل على فتواه فيما يتعلق بالتّوبة من أحكام تلك الشّريعة من الدّية وسقوط القود, وغير ذلك, والظّاهر أنّه لم يكن القود في شرعهم1, أو كان هناك مسقط للقود من كفر القاتل والمقتول أو غير ذلك, والله أعلم.
الأثر الرابع: وهو في ((الصّحيح))2أيضاً وذلك أنّ الله تعالى لما قال لموسى - عليه السلام -:» إنّ لنا عبداً هو أعلم منك «-يعني: الخضر - عليه السلام - , سأل موسى من الله تعالى لقاء الخضر ليتعلم منه وسافر للقائه, ولم يرد في الحديث أنّه سأل عن عدالته بعد أن أعلمه الله تعالى بعلمه3, مع أنّ من الجائز أن يكون عظيم العلم غير عدل مثل:

بلعام1وغيره, و [لكنه]2تجويز بعيد, قليل الاتفاق, نادر الوقوع, فلم يجب الاحتراز منه كما لا يجب الاحتراز من تعمّد كذب الثّقة, ولا من وهم الحافظ.
وفي بعض هذه الآثار ما لو انفرد كان في الاحتجاج به نظر, لكنّها تقوى باجتماعها, وما قدّمنا في شهادة القرآن لها, ولم يذكر ابن عبد البرّ3منها إلا حديث: إبراهيم بن عبد الرّحمن العذري المقدّم.
وأما الاستدلال على ذلك من النّظر فهو يظهر بذكر أنظار: النظر الأول: أنّ الظّاهر من حملة العلم أنّهم مقيمون لأركان الإسلام الخمسة, مجتنبون لكبائر المعاصي, ولما يدل على الخسّة, معظّمون لحرمة الإسلام, لا يجترثون على الله تعالى بتعمّد الكذب عليه.
والظّاهر أيضاً فيهم قلة الوهم بعد الاعتماد على الكتابة, وظهور العناية بالفنّ, فصاحب الفنّ الشهير به قليل الغلط فيه, وإن كان يغلط في غيره, على أن الوهم المقدوح به عند أهل الأصول شرطه أن يكون أكثر من الصّواب أو مساوياً له, على اختلاف بينهم في المساوي.

وهذا الذي ذكروه نادر الوقوع في حقّ الشّيوخ المتأخرين, ولا شكّ أنّ هذه الأمور أمارة/ العدالة المشترطة في الرّواية التي يترجّح معها ظن الصّدق, وخوف المضرّة بالمخالفة.
النّظر الثاني: أنّه ثبت بالاجماع الظّاهر جواز رجوع العامّي في الفتوى إلى من رآه في المصر مُنتصباً للفتوى, ورأى المسلمين يأخذون عنه, وهذا كافٍ للعامّي, مع أنّ العدالة شرط في المفتي, فدلّ على أنّ ظاهر العلماء العدالة, وأنّه لا يجب البحث حتّى يظهر.
وإنّما قلنا: إنّ ذلك يكفي العامّي لأنّ العامّة ما زالوا على ذلك, ولم ينكر عليهم أحد من السّلف والخلف1, ولو أنّ أحداً أوجب على العامّي إذا دخل المصر يستفتي أن يختبر المفتي في سفره وحضره

ورضاه وغضبه ونحو ذلك لخالف الإجماع, وقد نصّ على هذا جماعة من أهل الأصول, ذكرتهم في ((الأصل)).1
النّظر الثالث: وجوب إجابة العامّة للقاضي الذي على هذه الصفة وامتثال قضائه, مع اشتراط العدالة فيه.
النظر الرابع: أنّه ظهر من طلبة العلم أنهم يسألون عن العارف بالفنّ, فإذا سمعوا به رحلوا إليه, وأخذوا [عنه]2من أوّل المجالسة قبل طول الخبرة, وربّما طالت المجالسة, وحصلت الخبرة فيما بعد, وربّما تعجّلت الفرقة قبل الخبرة, ومع استمرار وقوع هذا في جميع أقطار الإسلام لم نعلم أنّ أحداً من العلماء قال لمن فارقه قبل الخبرة: إنه لا يجوز لك العمل بما أخذت عنّي, ولا قال لمن جالسه في أوّل المجالسة: إنّه لا يجوز لك الأخذ بما تأخذ3عني حتى تطول المجالسة وتحصل الخبرة.
والمقصود بهذا النّظر أنّ العمل بهذا كثير في قديم الزّمان وحديثه؛ فإذا عمل به طالب الحديث لم ينسب إلى الشذوذ, وكذا إذا قيل: إنّ هذا مذهب ابن عبد البرّ, وابن الموّاق لم يتوهّم أنّهما شذّا بهذا.
فإذا قيل: ليس كلّ طالب علم معلوماً أنّه يريد العمل, ولا كلّ طالب [أيضاً]4يظهر منه أنه يستجيز العمل قبل الخبرة, قلنا: ذلك

صحيح.
ولكن الأكثر يظهر ذلك منهم.
فإن قيل: كيف يستنبط من هذا النّظر إجماع مع ظهور الخلاف؟ قلنا: يستنبط منه إجماع على عدم النكير1على من استجاز ذلك, لا على أنّ الكلّ من العلماء قائلون به.
النظر الخامس: أنّه قد ظهر تفسير كثير من الكتاب والسنة بألفاظ لغويّة ومعاني نحويّة عن كثير من الأدباء من غير عناية بمعرفة أحوالهم في التّوثيق, فإنّ التّوثيق وإن وجد في بعضهم فلا يطّرد في جميعهم, ألا ترى إلى إطباق الطوائف على الرجوع إلى ((النهاية))2لابن الأثير من غير تثبّت في توثيقه؟.
ولو قدّرنا معرفة بعض الخاصّة لذلك فالأكثر على النّقل/ منه من غير معرفة لثقة مؤلّفه, حتّى إنّ الزّيدية يعتمدون على الرجوع إلى كتابه, مع أنّه لو ثبت أنه عدل لما كفى ذلك, فإنه لم يشافه العرب, وينقل عنهم بغير واسطة, بل روى عن جماعة كثيرة من اللّغويين كما أشار إليه في خطبة كتابه, بل كلّ واحد من اولئك الذين روى عنهم روى عن خلق أيضاً, ألا ترى أنّه يروي عن الزّمخشريّ مع أنّ الزّمحشريّ معتزلي حنفيّ والظّاهر من الحنفية قبول المجهول3,

وهو ظاهر عن كثير من المعتزلة وغيرهم, كما ذلك مذكور في مصنّفاتهم.
ومع أنّ الزّمخشريّ, وإن كان صالحاً عند أهل الحديث في نفسه؛ فهو عندهم داعية إلى الاعتزال, غير معروف بتحريم الرّواية عن المجاهيل في الحديث, دع عنك اللّغة, بل قد روى الموضوعات في ((كشّافه)) في فضائل السّور, مع الإطباق أنّه من أئمة اللّغة والعربيّة, والرّجوع إلى مصنّفاته في ذلك, وهذا يدلّ على ما ذهب إليه أبو عمر بن عبد البرّ من حمل كلّ صاحب علم معروف العناية فيه على السّلامة في علمه حتّى يتبيّن جرحه1, والله سبحانه وتعالى أعلم.
فإن قلت: هذه الحجج كلّها مبنيّة على تحسين الظنّ بجملة العلماء, والقول بأنّ المجروح فيهم نادر, و [أنّه]2إذا كان نادراً فالحكم بالنّادر تقديم للمرجوح على الرّاجح, وذلك قبيح وفاقاً, لكن كون المجروح نادراً فيهم غير مسلّم, فإنّ وقوع الغيبة منهم والحسد فيما بينهم والمنافسة في الدّنيا كثير غير قليل.
قلت: الجواب عن ذلك أن نقول: أمّا قوله: إنّ المجروح فيهم

كثير غير نادر؛ فهو بناء على أنّ كلّ من وقع منه معصية فهو مجروح, ومتى سلّم له أنّ العدالة هي: ترك جميع الذّنوب؛ فالسؤال واقع, ولكن هذا ممنوع بدليل القرآن والأثر والنّظر والنّقل.
أما القرآن: فما حكى الله تعالى عن ذنوب أنبيائه وأوليائه, ونزع الغلّ من صدور أهل الجنّة, مع أنّ شهادة ذي الغلّ لا تقبل, وذكر ذلك على التفصيل يطول.
وأما الأثر: ففيه أخبار كثيرة, أذكر ما حضرني منها وهو اليسير: الأثر الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من نوقش الحساب عُذّب))1وهو صحيح الإسناد والاستناد.
الأثر الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من طلب قضاء المسلمين حتّى يناله ثمّ غلب عدله جوره فله الجنّة, ومن غلب جوره عدله فله النّار)) رواه أبو داود2عن أبي هريرة مرفوعاً. قال الحافظ ابن كثير: ((إسناده حسن)).3
الأثر الثالث: ما ورد في تحريم قبول ذي الإحنة4في الشّهادة

على من هو له مبغض1, وإن كانا مسلمين عدلين, فالإحنة على المسلم محرّمة, / وذو الإحنة مقبول على من ليس بينه وبينه إحنة؛ لأنّ مجرّد دخول الإحنة, ووجود بعض العداوة لا يمنع من العدالة, ولهذا قال الله تعالى في صفة أهل الجنّة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف:43] ولو كان صاحب الإحنة على أخيه مجروحاً في حقّ كلّ أحد, لم يكن لتخصيص ردّه إذا شهد على من يبغضه معنى.
الأثر الرابع: الحديث الصّحيح الذي فيه: ((قاربوا وسدّدوا وأبشروا, ولن يدخل الجنّة أحد إلا برحمة الله تعالى))2ونحو ذلك.
وأما النّظر: فلأنّا إذا تركنا شهادة من هذه صفته من المسلمين, وطرحنا روايتهم وفتواهم ومصنّفاتهم, واعتبرنا في الشهادة قول بعض المتعنّتين في العدالة: إنّها الخروج من كلّ شبهة, ومحاسبة النّفس في كلّ لحظة, ونحو ذلك من التّشديدات تعطّلت المصالح والأحكام, وتضرّر جميع أهل الإسلام, واختلفت3الأحوال, وضاعت الحقوق

والأموال, ولم يجد المقلّد من يروي له مذهب إمامه, ولا العامّي من يفتيه, ولا الحاكم من يقيم له الشّهادة, ولا وجد صاحب الولاية من يصلح للقضاء, ولا وجد أهل عقد النّكاح من يشهد بينهم.
فإنّ أهل الورع الشّحيح ورياضة النّفوس على دقائق المراقبة أعزّ من العَيُّوق1ملمساً, ومن الكبريت الأحمر وجوداً, فإن وجدتهم لم تجدهم أهل التدريس والفتوى والشهادة بين أهل اللّجاج والحضور عند أهل الخصومات, وإذا تأمّلت وجدت السّالم من جميع المعاصي من أهل الفتوى والتّدريس عديم الوجود.
فمن منهم الذي لا يسمع منه غيبة أحد, ولا يداهن على مثل ذلك [أحد]2, ويصدع بمرّ الحقّ في كلّ موقف, ولا تأخذه في الله لومة لائم, ولا يتخلّف عن إنكار منكر يجب إنكاره, ولا يتثاقل عن أداء واجب عليه لعدوّ, ولا يترخّص إن وجب عليه عداوة صديق, ولا يلين بالمداهنة لأمير, ولا يتكبر على فقير!!.
ولسنا نعتقد أنّ أهل هذه الصّفة غير موجودين, ولكن نعتقد أنّهم غير كافين للمسلمين في التّعليم والرّواية والقضاء والشّهادة, ومن أين لكلّ عاقد نكاح وبايع حقّ شاهدان كذلك؟ ومن أين لكلّ طالب علم من جميع طلبة الفنون, وكلّ طالب فتوى في جميع الأقطار من هو كذلك؟!!.

وأما النّقل: فعن الشّافعي - رضي الله عنه - أنّه قال1: لو كان العدل من لا ذنب له لم نجد عدلاً, ولو كان كلّ مذنب عدلاً لم نجد مجروحاً, ولكنّ العدل من اجتنب الكبائر, وكانت محاسنه أكثر من مساويه, أو كما قال الشّافعي.
وقد روى النّووي في ((الرّوضة))2عن الشّافعي هذا المعنى, ولم يحضرني لفظه/ ولا كتابه.
وروي عن أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عنه- أنّه قال: [إنّه]3يعمل بالحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب من الحديث الصّحيح ما يدفعه4, وعن أبي داود مثله.5
ولهما حجّة فيما روي عن عليّ - رضي الله عنه - من تحليف من اتّهمه وقبول حديثه, وسيأتي بلفظه وأنّه حسن الإسناد.6
وقد روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أكثر من هذا في هذا في المعنى المقصود.
وبالجملة؛ فإنه أجاز قبول المجاهيل, وحكم لهم باسم العدالة متى كانوا من أهل الإسلام.
وقد جاء في كلام عمر - رضي الله عنه - له

حجّة, وهو قوله في كتابه إلى أبي موسى: ((والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشّهادات, إلاّ مجلوداً في حدّ, أو مجرّباً عليه شهادة الزّور)) الحديث.
رواه البيهقي1عن معمر البصري عن أبي العوّام عنه.
وقال: ((وهو كتاب معروف)).
وأما كلام أصحاب المعترض: فقال عبد الله بن زيد, من علماء الزّيدية في كتابه ((الدّرر المنظومة)) في تفسير لفظ العدل: ((ومعنى كونه عدلاً: أن يكون مؤدياً للواجبات مجتنباً للكبائر من المستقبحات)).
قال شيخ الاعتزال أبو الحسين البصري2في كتابه ((المعتمد))3في تفسير لفظة العدل: ((وتعورف أيضاً فيمن تقبل روايته عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - , وهو من اجتنب الكبائر, والكذب, والمستخفّات من المعاصي والمباحثات)) , ومثّل المستخفات من المعاصي: بالتّطفيف بحبّة, والمستخفّات من المباحات: بالأكل على الطريق.
ومن المنقول في ذلك عن فضلاء السّلف والخلف: ما اشتهر عنهم من وصفهم لأنفسهم بمقارفة الذّنوب والوقوع في المعاصي.
فروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن أبيه قال: قال عبد الله... -يعني ابن مسعود-: ((لو تعلمون ذنوبي ما وطيء عقبي اثنان,

ولحثيتم على رأسي التراب, ولوددت أنّ الله غفر لي ذنباً من ذنوبي وأني دعيت: عبد الله بن روثة)).1
وروى الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن الحارث بن سويد قال: أكثروا على عبد الله يوماً فقال: ((والله الذي لا إله غيره لو تعلمون [علمي]2لحثيتم التّراب على رأسي)).3
قال الذّهبي في ((النبلاء))4: ((روي هذا من غير وجه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -)).
قلت: هذا؛ وقد روى علقمة عن أبي الدرداء5أنّه قال: ((إنّ الله أجار ابن مسعود من الشّيطان على لسان نبيّه)).
وجاء من غير وجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , ((لو كنت مؤمّراً أحداً من غير مشورة لأمّرت ابن أم عبد))6, وجاء عنه - عليه السلام -: ((اهتدوا

بهدي عمّار وتمسّكوا بعهد ابن أم عبد))1وقال - عليه السلام -: ((رضيت لأمّتي ما رضي لها ابن أم عبد))2رواه الثّوري وإسرائيل عن منصور.3
وأجمعت الأمّة على صحة حديثه وجلالة قدره.
فإذا كان مثل هذا الصّاحب الجليل يقسم بالله الذي لا إله إلا هو: لو يعلم النّاس ذنوبه لحثوا على رأسه التّراب, فكيف يشترط في العدل أن لا تبدو منه هفوة ولا يقع في معصية؟!.
وأعظم من هذا سؤال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -

لحذيفة, هل هو منافق؟ وقول حذيفة بعد تزكيته: لا أزكّي بعدك أحداً.1
ولم يخف/ عمر - رضي الله عنه - من النّفاق الذي هو الشّكّ في الإسلام, فإنّه يعلم براءة نفسه منه, بل نحن نعلم براءته - رضي الله عنه -[منه]2بما شهد له به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضائل الكثيرة, والمناقب الكبيرة, وإنّما خاف - رضي الله عنه - من صغائر النّفاق الذي هو: خلف الموعد, وخيانة الأمانة, والكذب في الحديث, فإنّ المؤمن الورع قد يدخل عليه من صغائر بعض هذه الخصال ما يدقّ ولا يتفطّن له, وربما كان الغير3أبصر بعيب الإنسان منه.
وربّما قصد عمر تنبيه ضعفاء المسلمين على تفقّد أنفسهم, وجعل لهم بنفسه الكريمة أسوة حسنة حيث أتّهمها على أمر عظيم.
وقد كان عمر - رضي الله عنه - إماماً في التّقوى والمراقبة, شديد المناقشة لنفسه والمحاسبة, وقد قال لبعض الصحابة: كيف وجدتموني؟ [قالوا]4:صالحاً, ولو زغت لقوّمناك.
فقال: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا زغت قوّموني5أو كما قالا.

فهذا كله -وأمثاله مما يطول ذكره- يردّ على من يتعنّت, ويقدح على كثير من العلماء بأشياء يسيرة لا تدلّ على تجرّيهم على تعمّد الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقد قال الحاكم أبو عبد الله1: ((إنّا نظرنا فوجدنا البخاري قد صنّف كتاباً في التّاريخ, جمع أسامي من روى عنهم من زمان الصّحابة إلى سنة خمسين2, فبلغ عددهم قريباً من أربعين ألفاً, إلى قوله: ثم جمعت من ظهر جرحه من جملة الأربعين الألف فبلغ مائتين وستة وعشرين, فليعلم طالب هذا العلم أنّ أكثر الرّواة ثقات)) انتهى.
والقصد بهذا كلّه الذّبّ عن السّنن ورواتها, وبيان أنّ من تشدد منهم, فقد احتاط لنفسه والمسلمين, ومن ترخّص منهم, فقد عمل بمقتضى أدلة كثيرة, ووافق في عمله غير واحد من جلّة العلماء الأعلام, وخيار أهل الإسلام.

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الوجه السّابع: — 31 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل