: أنّه قد علم من مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- إنّه يقبل المجهول, وإلى ذلك ذهب كثير من العلماء كما قدّمناه1, ولا شكّ أنّهم إنّما يقبلونه حيث لايعارضه حديث الثّقة المعلوم العدالة, لأنّ التّرجيح بزيادة الثّقة والحفظ عند التّعارض أمر مجمع عليه, ولا شكّ أنّ الغالب على حملة العلم النّبويّ في ذلك الزّمان العدالة, /ويشهد لذلك الحديث الثّابت المشهور: ((خيركم القرن الذي أنا فيهم, ثمّ الذين يلونهم ثم الذين يلونهم؛ ثم يفشو الكذب من
بعد))1, وقد تقدّم الكلام على الحديث, وقد كان عليّ - رضي الله عنه - يتّهم بعض الرّواة فيستحلفه ثمّ يقبله2, وهذا إنّما يكون في حديث من فيه جهالة أو نحوها, ولذا لم يستحلف المقداد لما أخبره بحكم المذي3, وقد روى الحافظ ابن كثير في ((جزء جمعه في أحاديث السباق))4عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه كان يرى العمل بالحديث الذي فيه ضعف إذا لم يكن في الباب حديث صحيح يدفعه5, وأنّه روى في المسند أحاديث كثيرة من هذا القبيل, وذلك على سبيل الاحتياط من غير جهل بضعف الحديث, ولا بمقادير الضّعف, وما يحرم معه قبول الحديث بالإجماع, وما فيه خلاف.
وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده6: إنّ أبا داود يخرج الإسناد
الضّعيف إذا لم يجد في الباب غيره لأنّه أقوى عنده من رأي الرّجال.
انتهى.
وفي هذا شهادة واضحة على أنّ رواية الحديث الضّعيف لا تستلزم الجهل بالحديث, فأحمد وأبو داود من أئمة علم الأثر بلا مدافعة, وهذا الحديث الضّعيف الذي ذكروه, ليس حديث الكذّابين, ولا الفسّاق المصرّحين, فذلك عندهم لا يستحق اسم الضّعف, وإنّما يقال فيه: إنّه باطل, أو موضوع, أو ساقط, أو متروك, أو نحو ذلك, وإنّما الضّعيف حديث الرّاوي الصّدوق الذي ليس بحافظ, أو المعلول1بالاختلاف في رفعه وإسناده, والمضطرب2اضطراباً يسيراً, أو نحو ذلك مما اختلف العلماء في التّعليل للحديث به, أو الجرح للرّاوي به, ولا تظهر قوّة في دليل ردّة, ولا دليل قبوله, وأكثر التّضعيف إنّما يكون من جهة الحفظ, وعند الأصوليين: أنّه لا يقدح به حتى يكون الخطأ راجحاً على الصّواب, أو مساوياً له, وفي المساوي خلاف عندهم, وقد تقدّم ذكر هذه المسألة, وهي مقرّرة في كتب ((علوم الحديث)) وكتب ((الأصول)) , فعلى هذا الوجه تكون رواية الإمام أبي حنيفة عن بعض الضّعفاء مذهباً واختياراً, لا جهلاً واغتراراً.