الوهم الرّابع عشر:
وهم أنّهم أنكروا القدر الضّروري في شكر المنعم, وليس كذلك, فإنّهم في تلك المسألة المرسومة في الأصول إنّما نازعوا في وجوب شكر المنعم الذي هو الله تعالى من جهة العقل, مع اعترافهم بوجوبه شرعاً, وقطعهم بكفر من قال: بأنّ شكر الله لا يجب, لكنّهم نازعوا في معرفة العقل لذلك في حقّه تعالى قبل الشّرع, لأنّه تعالى غنيّ عن شكرنا [لأنّه]3لا يمكن أن ينتفع به, ولا يتضرّر بتركه, مع أنّ في فعل الشّكر مضرّة على العبد ناجزة لما في المحافظة
عليه من المشقّة, قالوا: فلو خلّينا وقضيّة العقل, لم نقطع بوجوب ما هذه صفته, قال الجويني في ((البرهان))1ما لفظه: ((والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه: أنّ الشّكر تعب للشّاكر ناجز, ولا يفيد المشكور شيئاً, فكيف يقضي العقل بوجوبه؟)) انتهى.
فإن قلت: قد خالفوا في وجوب شكر المنعم في الشّاهد عقلاً, فقد دفعوا الضّرورة العقلية.
قلت: ليس كذلك, فإنّهم يعرفون ما في الطّبيعة من استحسان الشّكر واستقباح نقيضه, وإنّما نازعوا في استحقاق الذّمّ عليه عاجلاً والعقاب آجلاً, وعلى فعل ما استقبحه العقل, مع اعترافهم أنّه صفة نقص لا تجوز على الله تعالى, ولهذا نصّوا: أنّ العقل يدرك تنزيه الله تعالى عن الكذب لأنّ الكذب صفة نقص, وإنّما موضع النّزاع فيما يستحقّه فاعل صفة النّقص عقلاً قبل ورود الشّرع, وهذا هو موضع الخلاف في مهمّات مواضع2التّحسين والتّقبيح العقليين كما ذكره الرّازيّ من الأشعرية, والإمام يحيى بن حمزة من الزّيديّة ذكره في ((كتاب التّمهيد)).