الحجّة الرّابعة:
أنّه يحصل بخبرهم الظّنّ, والعمل بالظنّ حسن عقلاً, أمّا عند المعتزلة فظاهر, وأمّا عند الأشعرية فلأنّ الفخر الرّازي ذكر في ((المحصول)) وغيره أنّهم لم يخالفوا في هذا القدر, وإنّما خالفوا في أنّ تارك ما أوجبه العقل يستحق الذّمّ عاجلاً والعقاب آجلاً.
وتقرير هذا الوجه: أنّ العقلاء اتّفقوا على حسن الخبر والاستخبار, واعتمدوا في المهمّات على إرسال الرّسول, وكتابة الكتّاب, وبعث النّذير إلى من يخاف عليه, والطّليعة إلى من يُخاف منه, وكلّ هذا لا يفيد إلا الظّنّ, وكذلك تصرّفاتهم فإنّ عامّتها مبنيّ على استحسان العمل بالظّنّ, فسفر التّاجر على ظنّ الرّبح, وزرع الزّارع على ظنّ التّمام, وغزو الملوك على ظنّ الظفر, وقراءة القرّاء على ظنّ حصول المعرفة, ولهذا فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث رسله إلى
أهل عصره يخبرونهم بالشّريعة ويبلّغونهم الأحكام اتفق أهل ذلك العصر بفطر عقولهم السّليمة على وجوب العمل بما أخبرهم به رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يعلموا جواز ذلك بنصّ شرعيّ متواتر قطعي, ومن غير أن يستقبح ذلك منهم أحد, ولم يختلفوا ويتناظروا في ذلك, فثبت بهذا أنّ العمل بالظّنّ حسن عقلاً, وأن العمل له لم يزل بين المسلمين ظاهراً قديماً وحديثاً, ولا يخص من ذلك إلا ما خصّه الدّليل الشّرعي, وقد تعرّض ابن الحاجب لإبطال هذا الوجه فلم يأت بشيء, ولولا خوف التّطويل لبيّنت ذلك.