محاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروح
الحديث النّبويّ على صاحبه السّلام, لأنّ ظاهره يقتضي أن يحتجّ العصاه بالقدر على الله تعالى, وذلك ممنوع بإجماع المسلمين, وإنّما يحتجّ به من تاب من ذنبه عند أهل السّنّة كما ذكره شرّاح الحديث على صاحبه السّلام.
وعندي في الجواب عنه وجه واضح, وقبل الكلام عليه أشير إلى تمهيد (قاعدة) , وهي: أن الأمّة أجمعت على عصمة الأنبياء -عليهم السّلام- عن الجهل بالله تعالى وصفاته وقواعد شرائعه, وعلى صحّة عقائدهم فيما يتعلّق بأفعال الله وحكمته وجلاله.
وهذه القاعدة تقتضي المنع من تجويز وقوع المنازعة بين الأنبياء -عليهم السلام- في أمر من الأمور الدينية, فإن وقع بينهم ما يشبه ذلك علمنا أنّه ليس على طريق دفع الحقّ بالمماراة, ولا على سبيل اللّجاجة في المجادلة, وإنّما يكون على سبيل الموعظة والمعاتبة وطلب الزّيادة في المعرفة, مثال ذلك: ما جرى بين موسى وهارون, وبين موسى والخضر -سلام الله عليهم-, فمناظرتهم على /سبيل الموعظة والعتاب, لا على سبيل الجهل بالحقّ في أمر الدّين ولا الدّفع له, فهم معصومون عن ذلك, وإذا1كانت محاجّتهم من هذا القبيل, لم تدخلها البراهين العقلية, ولم تقرّر على القواعد القطعيّة, وحسن منهم فيها الاسترواح إلى الاحتجاج بما يجري به الاعتذار في مألوف العادات ولطيف المخاطبات, فلنتكلّم في ثلاثة فصول: