في بيان ما يستغربه المعترض من تسمية يسير المخالطة: ((صحبة)) , وبيان ظهور ذلك في الكتاب والسّنّة والإجماع, ولنقدّم قبل ذلك مقدّمة, وهي: أنّ ((الصّحبة)) في اللّغة تطلق كثيراً في الشّيئين إذا كان بينهما ملابسة, وسواء كانت كثيرة أو قليلة, حقيقيّة أو مجازيّة, وهذه المقدّمة تبيّن ما نورده من كلام الله تعالى, وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - , وما أُجمع على صحّته من العبارات في هذا المعنى.
أما القرآن: فقال الله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:34] و ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [بالكهف:37] , فقضى بالصّحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرى بينهما من الخطاب المتقدّم, وقد أجمعت الأمّة على اعتبار الإسلام في اسم الصّحابيّ, وقد ثبت بالنًصّ القرآني أنّ الله تعالى سمّى الكافر صاحباً للمسلم, فيجب أن يكون اسم الصّحابيّ عرفيّاً اصطلاحياً, ويكون لكلّ طائفة أن تصطلح فيه على عرف كما سيأتي تحقيقه.
وقال تعالى: ﴿وَالصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:36].
وهو المرافق في السّفر, ولا شكّ أنّه يدخل في إطلاق هذه الآية الملازم
وغيره, ولو صحب الإنسان رجلاً1ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك, لأنّه يصدق أن يقول: صحبت فلاناً في سفري ساعة من النّهار, ولأنّ من قال ذلك لم ينكر عليه أهل اللّغة, ولا يستهجنون كلامه.
وأما السّنّة؛ فكثير غير قليل, ومن أدلّها على التّوسعة العظيمة في هذا الباب ما ورد في الحديث الصحيح من قوله - عليه السلام - لعائشة -رضي الله عنها-: ((إنّكنّ صواحِبُ يوسف))2, فانظر ما أبعد هذا السّبب الذي سمّيت به النّساء صواحب يوسف! وكيف يستنكر مع هذا أن يسمّى من آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - /ووصل إلى حضرته العزيزة وتشرف برؤية غرّته الكريمة صاحباً له!؟ ومن أنكر على من سمّى هذا صاحباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلينكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمّى النّساء كلّهن صواحب يوسف.
ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال - عليه السلام -: ((إنّي أكره أن
يقال: إنّ محمداً يقتل أصحابه)) فسمّاه صاحباً مع العلم بالنّفاق للملابسة الظّاهرة, مع أنّ النّفاق المعلوم يقتضي العداوة, ويمحو اسم الصّحبة في الحقيقة العرفية, فهذا الذي ذكرته من تسميته في هذا الحديث صاحباً يحتمل في اللّغة, وقد تقدّم أوّل الفصل هذا1, شاهده من القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف:34].
وليس في الآية احتمال آخر.
وأمّا هذا الحديث فهو يحتمل احتمالاً آخر تركته استغناء بهذا الاحتمال, بشهادة القرآن له.
وممّا يدلّ على التّوسع الكثير في اسم الصّحبة: إطلاقها بين العقلاء والجمادات, كقوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف:39] , ومثل تسمية ابن مسعود: ((صاحب السّواك))2وصاحب:
((النّعلين والوسادة)).
وأما الإجماع: فلا خلاف بين النّاس أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لاقى المشركين في الحرب فقتل ممن معه من المسلمين جماعة, ومن المشركين جماعة أنه يقال: قتل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا, ومن المشركين كذا وكذا, وبذا جرى عمل أهل السّير1والمؤرّخين والرّواة والأخباريين, وكذا يقولون في أيّام صفين: قتل من أصحاب عليّ كذا, ومن أصحاب معاوية كذا, ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه, وأطال صحبته, بل من قاتل معه, ولو يوماً أو ساعة2, وهذا شيء ظاهر لا يستحق من قال بمثله الإنكار, وهو من أحسن ما احتجّ به أهل الحديث, على أنّ ما ذهبوا إليه حقيقة عرفية.
ومن ذلك أصحاب الشّافعي, يطلق ذلك على من دخل في مذهبه وإن مات عقيب الدّخول فيه من غير مهلة, وكذلك أصحاب الظّاهر وأصحاب الرّأي.
ومن التّوسع في هذا الباب: تسمية النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - صاحب الشفاعة قبل أن يشفع, وهذا أيضاً ممّا لا يشترط فيه الإطالة, بل يسمّى صاحب الشّفاعة, وإن كانت في ساعة واحدة, وهذا كلّه دليل على التّوسعة
الكثيرة في إطلاق اسم الصّحبة على أدنى ملابسة.
وبعد؛ فإنّها لفظة لغويّة ظنّيّة, والاختلاف فيها كالاختلاف في الشّفق, هل هو الحمرة أو البياض, أو مشترك بينهما, ونحو ذلك من الألفاظ اللّغوية التي لا ينكر على من خالفها من أهل العلم.
وبعد؛ فقد قال غير واحد من العلماء: يجوز إثبات اللّغة بالقياس1, واختاره إمام الزّيديّة المنصور بالله في كتابه ((صفوة الاختيار)) , قال قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح المنتهى)): ((إنّه مذهب القاضي, وابن سريج من الشّافعية, وهو قول كثير من الفقهاء, ومن أهل العربية)) اهـ. ولم يعلم أنّ أحداً شنّع على /من ذهب إلى ذلك ولا قبّح عليه, فكيف بهذه المسألة المذكورة في الصّحبة! وقد تقدّم لها من الشّواهد اللّغوية ما أقلّ منه يشفي ويكفي, فلو قدّرنا خلوّها عن الشّواهد اللّغوية, ورجوع القائلين بها إلى الأمارات القياسيّة, لم يكن إلى تقبيح ذلك وقطع الخلاف فيه سبيل, ولا على القطع بإبطاله وإبطال ما ترتّب عليه من الحديث دليل.