أهل الأثرالأرشيف العلمي

تعليل بعض أحاديثهما, ومثاله: أن يرفع الحديث بعض الثّقات ويقفه الباقون, أو يسنده ويرسلوه, ونحو ذلك من العلل, وهذا النّوع مما اختلف في القدح به, وأكثر علماء الأصول على أنّه لا يقدح في صحّة الحديث ولا في الرّاوي, وأكثر المحدّثين على القدح به في الحديث إذا غلب على الظّنّ وقوع الوهم فيه, وفي الرّاوي إذا أكثر من ذلك, ومذهب المعتزلة والزّيديّة: أنّه لا يقدح بهذا النّوع في الحديث ولا في الرّاوي.
ومثال ما وقع في البخاري منه: ما أخرجه البخاري2عن الشّعبيّ عن جابر مرفوعاً: ((لا تنكح المرأة على عمّتها)) هذا حديث رواته ثقات, لكن له علّة وهي: أنّ المشهور عن الشّعبيّ أنّه رواه عن أبي هريرة لا عن جابر, وقد خرّجه البخاريّ كذلك أيضاً, لكنّه رأى أنّه لا مانع من كون الشّعبيّ يرويه عن جابر وأبي هريرة [معاً]3فرواه [عنه]4عنهما.

والمحدّثون يرون أنّه لو كان يحفظه عنهما معاً لرواه كذلك لتلامذته وطلبة العلم منه, ولمن يقبل ذلك أن يقول: يحتمل أنّه ذكر تلك الطّريق الثّانية بعد نسيان, أو استفادها بعد جهل, أو تذكّرها بسبب سؤال عنها, أو ذكرها بحسب الدّاعي إلى ذكرها أو نحو ذلك, فمع هذه التّجويزات لا يحسن طرح مثل ذلك, فإن ترجّح طرحه لأحد؛ فلا وجه للاعتراض على من قبله, فبان لك أنّ الأمر في مثل هذا قريب النظر إلى الحديث في نفسه, وكذلك النّظر إلى راوي الحديث؛ لأنّه إنّما يدلّ على أنّ الثّقة وهم في روايته, والوهم جائز على الثّقات, /ولايقدح بمطلقه إجماعاً, بل ادّعى عبد الله بن زيد العنسي الإجماع على قبول حفظه أكثر من وهمه, ذكره في ((الدّرر المنظومة)) , وذلك هو المشهور في كتب الأصول, ولكن لم يصرّحوا بدعوى الإجماع عليه.
وأمّا إذا استوى وهمه وحفظه؛ فاختلفوا: فالمشهور ردّ حديثه ببطلان رجحان صدقه, ومنهم من قال: لا يجوز ردّ حديثه لأنّ الأدلّة الموجبة لقبوله تعمّ هذه الصّورة, واستواء حفظه ووهمه لا ينتهض مخصّصاً مانعاً من العمل بالعام مسقطاً للتّكليف بقبوله, وممّن اختار هذا من الزّيديّة: عبد الله بن زيد في ((الدّرر)) , والإمام المنصور بالله في ((الصّفوة)) وإنّما أجمع العلماء على ردّ حديث من1وهمه أكثر من إصابته.
وأمّا المحدّثون: فهم أكثر النّاس تشديداً في القدح بالوهم؛

لأنّهم يقدحون به متى كثر, وإن لم يكن أكثر من الصّواب, ولهذا تجد كثيراً من أئمة الجرح والتّعديل يتردّدون في الرّاوي فيوثّقونه مرّة ويضعّفونه أخرى, وذلك لأنّ دخول وهمه حيّز الكثرة مما لا يوزن بميزان معلوم, وإنّما يُظنّ1ويرجح فيه التّحرّي والاجتهاد, فصار النّظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظّنيّة, فلذا يكون لابن معين في الرّاوي قولان: التّوثيق والتّضعيف ونحو ذلك.
ومنهم من يغلو و2يقدح بالوهم وإن لم يكثر, وإنّما يقدح بهذا من قلّ فقهه وبصره بمعنى العدالة, والاحتراز عن الوهم غير ممكن, والعصمة مرتفعة عن العدول, بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التّبليغ, فقد وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه صلّى بعض الفرائض على الكمال, فقال له ذو اليدين: ((أقصرت الصّلاة أم سهوت3يا رسول الله؟ فقال: كلّ ذلك لم يكن))4الحديث, وهذا وهم, وبناء على ما اعتقده - صلى الله عليه وسلم - , والحديث في ((الصّحيح)) , وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((رحم الله فلاناً لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) رواه [مسلم]5, وفي ((الصّحيح))6عن عائشة -رضي

الله عنها- أنّها قالت في حق ابن عمر: ((ماكذب ولكنّه وهم)).
وقد صحّ عن عمر - رضي الله عنه - أنّه نسي حديث التّيمّم الذي رواه عمّار1ولم يذكره بالتّذكير مع أنّه مما لا ينسى [مثله]2, ونسي أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:30] حتّى ذكّره ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - حين خطب بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.3 بل نصّ القرآن على جواز النّسيان على أهل رتبة النّبوّة الذين هم أعلى طبقات البشر, فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيِّ/ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:52].
أي: إذا تلا ألقى الشّيطان في تلاوته على سبيل السّهو, ثمّ ينسخ الله ذلك, يعرّف الله4الأنبياء والرّسل به, حتّى لا تبطل العصمة به عن الخطأ في التّبليغ.
وقال سبحانه وتعالى في حقّ آدم - عليه السلام -: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه:115] , ولو أردنا أن نستقصي ما ورد في هذا الباب لطال الكلام, والمقصود بهذا أن القدح على رواة الصّحاح بالتّهمة لهم5بالوهم النّادر مما لا يقتضي جرحهم, ولا يقدح في حديثهم.

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: النّوع الأوّل: — 58 من 144
جارٍ التحميل