الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -تنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.

تنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.

التنبيه الأوّل: المراجعة في أنّ طلب الحديث متيسّر أو متعسّر من الأساليب المبتدعة والأمور المتعسّفة؛ لأنّ مقادير التّسهّل والتّعسّر غير منضبطة بحدّ, ولا واقفة على مقدار, ولا جارية على قياس, ولا يصحّ في [معرفة]2مقاديرها برهان العقل, ولا نصّ الشّرع ولا تعرف مقاديرها بكيل ولا وزن ولا مساحة ولا خرص, فإنّ من قال: إن طلب الحديث أو أنّ حفظ القرآن أو الفقه متيسّر عليه أو متعسّر, لم يُعقد له مجلس المناظرة كما يُعقد للمخالفين في العقائد, لأنّ الذي ادّعاه أمر ممكن وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
وطلب العلم متسهّل على ذكي القلب, صادق الرّغبة, خليّ البال من الأشغال, واجد الكتب المفيدة, والشّيوخ المبرّزين, والكفاية فيما يحتاج إليه, ونحو ذلك, وطلب العلم متعسّر على من فقد هذه الأمور كلّها, وبينهما في التسهّل والتّعسّر درجات غير

منحصرة ومراتب غير منضبطة, وبين النّاس من التّفاوت ما لا يمكن ضبطه ولا يتهيّأ, وأين الثّريّا من الثّرى؟ وجامد الطّبع بليد الذّهن, إذا سمع [من]1يدّعي سهولة ارتجال القصائد والخطب, وتحبير الرّسائل والكتب؛ توهّم أنّه بمنزلة من يدّعي إحياء الموتى, وإبراء الأكمة والأبرص, وكذلك الجبان الفشل إذا سمع [من] يدّعي سهولة مقارعة الأقران ومنازلة الشّجعان.
وكم عاصر أئمة العلم والنّحاة والنّظّار وحفّاظ الحديث من طالب للعلم مجتهد في تحصيله؛ فلم يبلغ مبلغهم ولا قارب شأوهم, وإنّما تميّز عن الأقران أفراد من الخلق, وخواصّ منحهم الله الفهم والفطنة وآتاهم الفقه والحكمة, وقد وقع التّفاضل بين الصّحابة -رضي الله عنهم-: فكان علي - رضي الله عنه - أقضاهم, ومعاذ أفقههم, وأبيّ أقرأهم, وأبو هريرة أحفظهم, والخلفاء أفضلهم, وزيد أفرضهم2, بل قد فاضل الله تعالى بين الأنبياء -عليهم السلام- قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُم عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:253] وقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:79], فهذا تفضيل في الفهم بين داود وسليمان - عليهما السلام- مع الاشتراك في النّبوّة, والتّقارب ما بين الأبوّة والبنوّة, وكذلك قد فاضل الله بينهم فيما هو دون هذه المرتبة, وذلك في البيان والفصاحة

وضوح العبارة, مثل ما نصّ الله عليه من إيتاء داود فصل الخطاب1, ومثل قوله تعالى في الحكاية لقول موسى في أخيه -عليهما السلام-: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ [القصص:34].
وعموم2التّفاوت الذي يدور عليه, وميزانه الذي يعتبر به في أغلب الأحوال هو: التّفاوت في صحّة الفهم, وصفاء الذّهن, واعتدال المزاج, وسلامة الذّوق, ورجحان العقل, واستعمال الإنصاف, فهذه الأشياء هي مبادىء المعارف, ومباني الفضائل, ولأجلها يكون الرّجل غنيّاً من غير مال, وعزيزاً من غير عشيرة, ومهيباً من غير سلطان, إلى غير ذلك من الصّفات الحميدة والنُّعون الجميلة, ومن ههنا حصل التّفاوت الزائد, حتّى عدّ ألف بواحد, ومما أنشدو في ذلك: ولم أر أمثال الرِّجال تفاوتاً... لدى المجدِ حتّى عدّ ألف بواحد وقال ابن دريد3في المعنى: والنّاس ألفٌ مِنهم كواحدِ... وواحد كالألفِ إن أَمرٌ عنى وأنشدوا في المعنى: يا بني البُعد في الطّباع... [لا]4مع القُربِ في الصّور

وفي الأخبار: ((النّاس كإبل مائة, لا تجد فيها راحلة)).1
وفي الأمثال العربيّة: ((المرء بأصغريه)).2
بل في الحديث الصّحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)).3
وليس كلّ من حفظ الحديث كان كالبخاري, ولا كلّ من تفقّه في الدّين كان مثل الشّافعي, ولا كلّ من قرأ النّحو والمعاني صنّف مثل ((الكشّاف)), ولا كلّ من درس الأصول والجدل ركب بحر الدّقائق الرّجّاف/.
وما كلّ دارٍ أقفرت دار عَزَّةٍ.4.. ولا كلّ بيضاء التّرائب زينب

فإذا نظرت إلى1المواهب الرّبانية لا تنتهي إلى حدّ, والعطايا اللّدنيّة لا تقف على مقدار, لم يحسن من العاقل أن يقطع على الخلق بتعسير ما الله قادر على تيسيره, فَيُقنّط بكلامه طامعاً, ويتحجّر من فضل الله واسعاً, بل يخلّي بين النّاس وبين هممهم وطمعهم في فضل الله عليهم, حتّى يصل كلّ أحد إلى ما قسمه الله تعالى له من الحظّ في الفهم والعلم وسائر أعمال الخير, وهذا مما لا يفتقر إلى حجاج, لولا أهل المراء واللّجاج.2
## التّنبيه الثاني: التّعرض لذكر المشاقّ التي في طلب العلم والحجّ والجهاد وسائر أعمال البرّ على سبيل التّوعير لمسالكها, والإحالة لبلوغ مراتبها عكس ما جاءت به الشّرائع, ودعت إليه الأنبياء -عليهم السلام- وكان عليه الأئمة والعلماء والوعّاظ, وإنّما السّنّة تيسير الأمور على من عسرت عليه, وتذكير القلوب الغافلة, وتنشيط النّفوس

الفاترة1, ولهذا شرعت الخطب, وصنّف الوعّاظ أحاديث الرّقائق, لتسهيل ما يصعب على النّفوس وتقريب ما تباعد على أهل القصور. وقد تكاثرت الأحاديث النّبويّة في الحثّ على ذلك, وكان... - عليه السلام - إذا بعث سريّة يقول لهم: ((يسّروا ولا تعسّروا, وبشّروا ولا تنفّروا)).2
فالمعترض على أهل الحديث, المعسّر لمعرفته, الموعّر لطريقه, مرتق لمرتبة الفتيا, منتصب في منصب التّعليم متمكّن في مكان الدعاء إلى الله بالحكمة, والموعظة الحسنة, فما [باله]3يعكس السّنن, ويستن من البدعة في كل سنن!؟ نسأل الله أن ينفعنا بما علّمنا, ويعلّمنا ما ينفعنا, ويوفقنا للاقتداء بسيدنا رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم -.

جارٍ التحميل