في بيان أنّهم وإن قالوا بصحة أخذ الولاية في المصالح من أئمة الجور؛ فلم يجعلوهم مثل أئمة العدل مطلقاً في
جميع الأمور, وذلك ظاهر في كتبهم, والذي يدلّ عليه وجوه: الأوّل: أنّهم نصّوا على اشتراط العدالة والعلم في الإمام.
الثّاني: أنّه يحرم نصب الإمام الجائر عندهم والرّضا باختياره.
الثّالث: أنّه يحرم على الجائر التّغلّب على الإمامة ويأثم بها, نصّ عليه النّووي في ((الرّوضة)).
الرّابع: أنّ الخارج على الجائر لا يكون باغياً كما قدّمنا نصّ النّووي على ذلك في ((الرّوضة))1بل رواه النّووي عن العلماء.
الخامس: أنّهم منعوا من جواز تسليم بيت المال إليه على سبيل الاختيار؛ فإنّ الإمام النّووي لما ذكر في ((الرّوضة))2عن الإمام الشّافعي -رحمه الله- أنّه يقول بميراث ذوي الأرحام, ولا يقول برد ما بقي من مال الميراث على ذوي السّهام, ذكر أنّ ذلك على الصّحيح إنّما يكون مع استقامة بيت المال بولاية العادل, وأنّه متى ولي بيت المال جائر ردّ بقية المال على الورثة, وورث ذووا الأرحام, ولم يعط الإمام الجائر, قال النّووي: وبه أفتى أكثر المتأخرين, وهو الصّحيح والأصح /عند محقّقي أصحابنا ومتقدميهم, قال ابن سراقة3: وهو قول عامّة مشايخنا, وعليه الفتوى اليوم في الأمصار, ونقله صاحب
((الحاوي)) عن مذهب الشّافعي, قال: ((وغلط الشيخ أبو حامد في مخالفته)) هذا كلّه لفظ الإمام النّووي -رحمه الله-.
وهو دالّ على أنّهم لا يعتقدون أنّ للجائر من الحقوق مثل ما للعادل, وكذا قال النّووي في ((الرّوضة))1عن الماوردي أنّه قال2: ((إذا كان العامل جائراً في أخذ الصّدقة عادلاً في قمستها جاز كتمها عنه... (1ودفعها إليه, وإذا كان عادلاً في الأخذ جائراً في القسمة وجب كتمها عنه3وإنّما اختصّ بهذا الماورديّ لأنّ المسألة مفروضة في جور العامل, لا في جور الإمام, ولأنّ الامتناع من تسليم الصّدقات إليهم غير مقدور؛ لأنّ ذلك يكون سبباً في فساد عظيم كما قدّمنا.