تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنينصفحات 5-18
أهل الأثرالأرشيف العلمي

سبأ

صفحات 5-18
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي زَمَنِين
الكتاب
تفسير القرآن العزيز
المؤلف
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري، الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)
المحقق
أبو عبد الله حسين بن عكاشة - محمد بن مصطفى الكنز
الناشر
الفاروق الحديثة - مصر/ القاهرة
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

تَفْسِيرُ سُورَةِ سَبَأَ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كلهَا سُورَة سبأ من آيَة 1 إِلَى آيَة 5 بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

قَوْله: ﴿الْحَمد لله﴾ , حَمَدَ نَفْسَهُ وَهُوَ أَهْلُ الْحَمْدِ ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْحَكِيم﴾ فِي أَمْرِهِ أَحْكَمَ كُلَّ شيءٍ ﴿الْخَبِير﴾ بخلقه

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ مِنَ الْمَطَرِ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ مِنَ النَّبَاتِ ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء﴾ مِنَ الْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلكَ ﴿وَمَا يعرج فِيهَا﴾ أَيْ: يَصْعَدُ يَعْنِي: مَا تَصْعَدُ بِهِ الْمَلائِكَةُ ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ لمن آمن.
قَالَ محمدٌ: يُقَال: عَرَج يعرُجُ إِذا صَعِدَ , وعرِجَ - بالكسْر - يعرَجُ إِذا صَار أعْرجَ.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَة﴾ الْقِيَامَة ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالم الْغَيْب﴾ من قَرَأَهَا بِالرَّفْع رَجَعَ إِلَى قَوْله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيم الغفور﴾ عالِمُ الْغَيْب , وَمن قَرَأَهَا بِالْجَرِّ: (عالمِ الغيبِ) يَقُولُ: بلَى وربي عالمِ الغيْب، وفيهَا تقديمٌ، والغيبُ فِي تَفْسِير الْحَسَن فِي هَذَا الْموضع: مَا لم يكن ﴿لَا يعزب عَنهُ﴾ أَي: لَا يغيب ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ أَي: وزن ذرة يَقُولُ: ليعلم ابْن آدم أَن عمله الَّذِي عَلَيْهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب لَا يغيبُ عَن اللَّه مِنْهُ مِثْقَال ذرةٍ

﴿أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة﴾ لذنوبهم ﴿ورزق كريم﴾ يَعْنِي: الْجنَّة

﴿وَالَّذين سعوا﴾ عمِلُوا ﴿فِي آيَاتنَا معاجزين﴾ تَفْسِير الْحَسَن: مسابقين؛ أيْ: يظنون أَنهم يسْبقوننا حَتَّى لَا نقدر عَلَيْهِم فنبعثهم ونعذبهم.
قَالَ محمدٌ: يُقَال: مَا أَنْت بمعاجزي؛ أَي: بمُسابقي، وَمَا أَنْت بمعجزي؛ أَي: بسابقي.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رجز﴾ وَالرجز: الْعَذَاب؛ أَي: لَهُم عذابٌ من عَذَاب ﴿أَلِيم﴾ موجع.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 6 حَتَّى الْآيَة 9.

﴿وَيرى الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ يَعْنِي: الْمُؤمنِينَ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبك هُوَ الْحق﴾ أَي: يعلمُونَ أَنَّهُ هُوَ الْحق ﴿وَيهْدِي﴾ أَي: ويعلمون أَن الْقُرْآن يهدي ﴿إِلَى صِرَاط﴾ إِلَى طَرِيق ﴿الْعَزِيز الحميد﴾ المستحمد إِلَى خلقه.

﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا﴾ قَالَه بَعضهم لبعضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أَلا ندلكم ﴿على رجل﴾ يعنون: مُحَمَّدًا ﴿ينبئكم﴾ يُخْبِركُمْ ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُم لفي خلق جَدِيد﴾ أَي: إِذا متم وتفرّقت عظامُكم وَكَانَت رُفاتًا أَنكُمْ لمبعوثون خلقا جَدِيدا - إِنْكَار للبعث؟

قَالَ اللَّه: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة فِي الْعَذَاب﴾ فِي الْآخِرَة ﴿والضلال﴾ فِي (الدّين) ﴿الْبعيد﴾ من الْهدى

﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْديهم﴾ يَعْنِي: أمامهم ﴿وَمَا خَلفهم﴾ يَعْنِي: وَرَاءَهُمْ ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاء﴾ الكسف: الْقطعَة.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 10 حَتَّى الْآيَة 11.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا﴾ يَعْنِي: النُّبُوَّة ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي﴾ قُلْنَا: يَا جبال أوبي مَعَه؛ أَي: سبحي.

قَالَ محمدٌ: ذكر ابْن قُتَيْبَة أَن أصل الْكَلِمَة من التأويب فِي السَّفر.
قَالَ: وَهُوَ أَن [يسير] النَّهَار كُله وَينزل لَيْلًا كَأَن الْمَعْنى: أَوِّبي النَّهَار كُله بالتسبيح.
وَذكر الزّجاج: أَن أصل الْكَلِمَة من آبَ يئوب؛ إِذا رَجَعَ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: سبحي مَعَه ورَجِّعي التَّسْبِيح؛ فاللَّه أعلم مَا أَرَادَ.
﴿وَالطير﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجبَال يسبحْنَ وَالطير﴾ أَي: وسخرنا لَهُ الطير ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيد﴾ ألانه اللَّه لَهُ؛ فَكَانَ يعمله بِلَا نارٍ وَلَا مطرقة بأصابعه الثَّلَاثَة

﴿أَن اعْمَلْ سابغات﴾ وَهِي الدروع ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ تَفْسِير مُجَاهِد: لَا تصغر المسمار وتعظم الْحلقَة؛ فيسلس، وَلَا تعظم المسمار وتصغر الْحلقَة فتنفصم الْحلقَة.
قَالَ محمدٌ: السابغ: الَّذِي يُغطي كل مَا تَحْتَهُ حَتَّى [يفضل وَذكر] (ل 276) لِأَنَّهَا تدل عَلَى الْمَوْصُوف وَمعنى السّرد: النّسْجُ، وَيُقَال للحرز أَيْضا: سرْدٌ، وَيُقَال لصانع الدِّرع: سرّاد وزرَّادٌ؛ تبدل من السِّين: الزَّاي.

سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 12 حَتَّى الْآيَة 14.

﴿ولسليمان الرّيح﴾ أَي: وسخرنا لِسُلَيْمَان الرّيح ﴿غُدُوُّهَا شهر ورواحها شهر﴾ قَالَ الْحَسَن: وَكَانَ سُلَيْمَان إِذا أَرَادَ أَن يركب جَاءَت الرّيح فَوضع سَرِير مَمْلَكَته عَلَيْهَا وَوضع الكراسي والمجالس عَلَى الرّيح، وَجلسَ وُجُوه أَصْحَابه عَلَى مَنَازِلهمْ فِي الدِّين من الْجِنّ وَالْإِنْس يومئذٍ، وَالْجِنّ يَوْمئِذٍ ظَاهِرَة للإنس يَحُجُّون جَمِيعًا وَيصلونَ جَمِيعًا، وَالطير ترفرف عَلَى رَأسه ورءوسهم، وَالشَّيَاطِين حَرسُه لَا يتركون أحدا يتقدَّم بَين يَدَيْهِ ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ يَعْنِي: الصُّفر؛ فِي تَفْسِير مُجَاهِد سَالَتْ لَهُ مثل المَاء ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذن ربه﴾ يَعْنِي: السُّخرة الَّتِي سخّرها اللَّه لَهُ ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أمرنَا﴾ يَعْنِي: عَن طَاعَة اللَّه وعبادته ﴿نذقه من عَذَاب السعير﴾ فِي الْآخِرَة

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ محاريب﴾ يَعْنِي: الْمَسَاجِد والقصور؛ فِي تَفْسِير الكَلْبي.
قَالَ محمدٌ: يُقَال لأشرف مَوضِع فِي الدَّار أَو فِي الْبَيْت: محراب.

قَوْله: ﴿وتماثيل﴾ يَعْنِي: صورًا من نُحَاس.
قَالَ الْحَسَن: ولمْ تكن الصُّور يومئذٍ محرَّمة ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِي﴾ يَعْنِي: صحافًا كالحياض.
قَالَ محمدٌ: الجوابي جمع: جابية.
﴿وقدور راسيات﴾ أَي: ثابتاتٌ فِي الأَرْض عِظَام لَا تحوَّل عَن أماكنها ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ أَي: توحيدًا.
قَالَ بَعضهم: لما نزلت لم يزل إنسانٌ مِنْهُم قَائِما يُصَلِّي.
قَالَ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عبَادي الشكُور﴾ أَي: أقل النَّاس الْمُؤمن

﴿فَلَمَّا قضينا﴾ أنزلنَا ﴿عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ﴾ وَهِي الأرضةُ؛ فِي تَفْسِير مُجَاهِد ﴿تَأْكُل منسأته﴾ أَي: عَصَاهُ.
قَالَ محمدٌ: وأصل الْكَلِمَة من قَوْلك: نسأت الدَّابَّة؛ إِذا سُقْتَهَا، فَقيل للعصاة: مِنْسَأةٌ.
وَأنْشد بَعضهم: (إِذا دببت عَلَى المنساة من كبر ... فقد تبَاعد مِنْك اللَّهْو والغول)

وَفِيه لغةٌ أُخْرَى ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ مَهْمُوزَة.

قَالَ يحيى: مكث سُلَيْمَان حولا وَهُوَ متوكئ عَلَى عَصَاهُ لَا يعلمُونَ أَنَّهُ مَاتَ.
وَذَلِكَ أَن الشَّيَاطِين كَانَت تزْعم للإنس أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب، فَكَانُوا يعْملُونَ لَهُ حولا لَا يعلمُونَ أَنَّهُ مَاتَ.
قَالَ ﴿فَلَمَّا خر﴾ سُلَيْمَان؛ أَي: سقط ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ للإنس ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ المهين﴾ يَعْنِي: الْأَعْمَال [الَّتِي] سخرهم فِيهَا.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 15 حَتَّى الْآيَة 17.

﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْاكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ أَي: لقد تبيّن لأهل سبإٍ؛ كَقَوْلِه: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي: أهل الْقرْيَة.
قَالَ محمدٌ: قد مضى القَوْل فِي (سبإٍ) فِي تَفْسِير سُورَة النَّمْل، وَاخْتِلَاف الْقِرَاءَة فِيهِ، والتأويل.
قَالَ يحيى: ثمَّ أخبر بِتِلْكَ الْآيَة؛ فَقَالَ: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ جنَّة

عَن يَمِين، وجنةٌ عَن شمال ﴿بَلْدَة طيبَة وَرب غَفُور﴾ لمن آمن.
قَالَ محمدٌ ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل من ﴿أيه﴾ و ﴿رب غَفُور﴾ مَرْفُوع على معنى وَالله رب غَفُور.

﴿فأعرضوا﴾ عَمَّا جَاءَت بِهِ الرسُلُ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾ والعَرِمُ: الجسْرُ يُحبَسُ بِهِ المَاء، وَكَانَ سدًّا قد جعل فِي موضعٍ من الْوَادي [تَجْتَمِع] فِيهِ الْمِيَاه.
قَالَ مُجَاهِد: إِن ذَلكَ السَّيْل الَّذِي أرسَلَ اللَّه عَلَيْهِم من العرم مَاء أحْمَر، أَتَى اللَّه بِهِ من حَيْثُ شَاءَ، وَهُوَ شقّ السّدّ وهدَمَه.
وحفر بطن الْوَادي عَن الجنّتيْن؛ فارتفعتا وغارَ عَنْهُمَا المَاء فيبستا قَالَ: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ﴾ أَي: ثَمَرَة ﴿خمط﴾ وَهُوَ الْأَرَاك ﴿وأثل﴾.
وَقَالَ محمدٌ: والأثل شَبيه بالطّرفاء، وَاخْتلف أهل اللُّغَة فِي مد الطّرفاء وقصره، وَأَكْثَرهم على الْمَدّ.

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نجازي﴾ أَي نعاقب ﴿إِلَّا الكفور﴾.
قَالَ محمدٌ: قِيلَ معنى المجازاة هَا هُنَا: أَنَّهُ لَا يغْفر لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَغْفِرَة لأهل الْإِيمَان.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 18 حَتَّى الْآيَة 19.

﴿وَجَعَلنَا بَينهم﴾ أَي: وَكُنَّا جعلنَا بَينهم ﴿وَبَيْنَ الْقرى الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ يَعْنِي: أَرض الشَّام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ أَي: مُتَّصِلَة؛ ينظر بَعْضهَا إِلَى بعض ﴿وقدرنا فِيهَا السّير﴾ (ل 277) تَفْسِير الْكَلْبِيّ: يَعْنِي المقيل وَالْمَبِيت ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنْينَ﴾ كَانُوا يَسِيرُونَ مسيرَة أَرْبَعَة أشهر فِي أَمَان لَا يُحَرك بَعضهم بَعْضًا، وَلَو لَقِي الرجلُ قاتِلَ أَبِيه لم يحركه

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قَالَ الْحَسَن: ملوا النِّعْمَة؛ كَمَا ملّت بَنو إِسْرَائِيل المنَّ والسَّلوى.
قَالَ الله ﴿وظلموا أنفسهم﴾.
بشركهم ﴿فجعلناهم أَحَادِيث﴾.
لمَن بعدهمْ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أَي: بدَّدْنا عظامهم وأوصالهم [فأكلهم] التُّرابُ.
قَالَ: محمدٌ وَقد قِيلَ فِي قَوْله: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أَي: مزّقناهمْ فِي الْبِلَاد؛ لأَنهم لما أذهب الله جنتيهم وغرق مكانهم تبدّدُوا فِي الْبِلَاد؛ فَصَارَت الْعَرَب تتمثل بهم فِي الْفرْقَة فَتَقول: تفرّقوا أَيدي سبأ، وأيادي سبأ؛ إِذا أخذُوا فِي وجوهٍ مُخْتَلفَة.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لكل صبار﴾ على أَمر الله ﴿شكور﴾ لنعمة الله وَهُوَ الْمُؤمن.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 20 حَتَّى الْآيَة 22.

﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ يَعْنِي: جَمِيع الْمُشْركين ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلا فريقا من الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ بَعضهم: قَالَ إِبْلِيس: خُلِقتُ من نارٍ وخُلِقَ آدم من طينٍ، وَالنَّار تَأْكُل الطين! فَلذَلِك ظن أَنَّهُ سيضل عامتهم.
قَالَ محمدٌ: وَمن قَرَأَ: ﴿صَدَقَ﴾ بِالتَّخْفِيفِ نصبَ الظنَّ مصْدَرًا عَلَى معنى: صدق عَلَيْهِم إِبْلِيس ظنا ظَنّه، وَصدق فِي ظَنّه.

﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَان﴾ هُوَ كَقَوْلِه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بفاتنين﴾ يَقُولُ: لَسْتُم بمضلي أحدٍ ﴿إِلا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾.
قَوْله: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَة﴾ وَهَذَا علم الفعال ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شكّ﴾ وَإِنَّمَا جحد الْمُشْركُونَ الْآخِرَة ظنًّا مِنْهُم وشكًّا ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء حفيظ﴾ حَتَّى يجازيهم فِي الْآخِرَة.

﴿وَمَا لَهُم فيهمَا﴾ يَعْنِي: السَّمَاوَات وَالْأَرْض ﴿وَمن شرك﴾ أَي: مَا خلقُوا شَيْئا مِمَّا فيهمَا ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم﴾ أَي: وَمَا لله من أوثانهم ﴿من ظهير﴾ أَي: عُوين.

سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 23 حَتَّى الْآيَة 24.

﴿وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده﴾ عِنْد اللَّه ﴿إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أَي: لَا يشفع الشافعون إِلَّا للْمُؤْمِنين.
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبهم﴾ الْآيَة.
قَالَ يحيى: إِن أهل السَّمَاوَات لم يسمعوا الوحْيَ فِيمَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد؛ فَلَمَّا بعث اللَّه جِبْرِيل بِالْوَحْي إِلَى محمدٍ سَمِعَ أهل السَّمَاوَات صوتَ الْوَحْي مثل جر السلاسِل عَلَى الصخور - أَو الصَّفا - فَصعِقَ أهل السَّمَاوَات مَخَافَة أَن تَقُوم السَّاعَة، فَلَمَّا فرغ من الْوَحْي، وانحذر جِبْرِيل جعل كلما يمُرُّ بِأَهْل سَمَاء فزع عَن قُلُوبهم - يَعْنِي: خُلي عَنْهَا - فَسَأَلَ بَعضهم بَعْضًا - يسْأَل أهل كل سَمَاء الَّذين فَوْقهم إِذا خُلي عَن قُلُوبهم مَاذَا قَالَ ربكُم؟ فَيَقُولُونَ الْحق؛ أَي: هُوَ الْحق - يعنون: الْوَحْي.
قَالَ محمدٌ: وَقيل: إِن تَأْوِيل ﴿فزع عَن قُلُوبهم﴾ أَي: كشف اللَّه الْفَزع عَن قُلُوبهم.

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَو فِي ضلال مُبين﴾ بيِّن، وَهِي كلمة عَرَبِيَّة؛ يَقُولُ الرجل لصَاحبه: إنَّ أَحَدنَا لصَادِق - يَعْنِي: نَفسه - وَكَقَوْلِه: إنّ أَحَدنَا لكاذبِ؛ يَعْنِي صَاحبه - أَي: نَحْنُ عَلَى الْهدى وَأَنْتُم فِي ضلالٍ مُبين، وَكَانَ هَذَا بِمَكَّة وَأمر الْمُسلمين يَوْمئِذٍ ضَعِيف.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 25 حَتَّى الْآيَة 27.

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نسْأَل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ كَقَوْلِه ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾

﴿ثمَّ يفتح بَيْننَا بِالْحَقِّ﴾ أَي: يقْضِي ﴿وَهُوَ الفتاح﴾ القَاضِي ﴿الْعَلِيم﴾ بخلقه.

﴿قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء﴾ أَي: جعلتموهم شُرَكَاء؛ فعبدتموهم، يَقُولُ: أروني مَا نفعوكم وأجابوكم بِهِ! كلَّا لَسْتُم بالذين تأتون بِمَا نفعوكم وأجابوكم بِهِ إِذْ كُنْتُم تدعونهم؛ أَي: أَنهم لم ينفعوكم وَلم يجيبوكم، ثمَّ اسْتَأْنف الْكَلَام؛ فَقَالَ ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ أَي: هُوَ الَّذِي لَا شريك لَهُ وَلَا ينفع إِلَّا هُوَ.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 28 حَتَّى الْآيَة 31.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: جمَاعَة الْإِنْس وَإِلَى جمَاعَة الْجِنّ ﴿بشيرا﴾ بِالْجنَّةِ ﴿وَنَذِيرا﴾ من النَّار ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَنهم مبعوثون ومجاوزون.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾ لن نصدق ﴿بِهَذَا الْقُرْآن وَلَا بِالَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يعنون: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ﴾ أَي: الْمُشْركُونَ ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم السفلة (ل 278) ﴿للَّذين استكبروا﴾ وهم الرؤساء.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 32 حَتَّى الْآيَة 36.

﴿بل مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ أَي: بل قَوْلكُم لنا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّه ونجعل لَهُ أندادا﴾ يَعْنِي: أوثانهم عدلوها بِاللَّه فعبدوها دونه

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها﴾ يَعْنِي: أهل السعَة وَالنعْمَة

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لمن يَشَاء وَيقدر﴾ أَي: يقتر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يَعْنِي: جمَاعَة الْمُشْركين ﴿لَا يعلمُونَ﴾.
سُورَة سبأ الْآيَات من الْآيَة 37 حَتَّى الْآيَة 39.

﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تقربكم عندنَا زلفى﴾ الزلفى: الْقرْبَة ﴿إِلا مَنْ آمَنَ﴾ أَي: لَيْسَ الْقرْبَة عندنَا إِلَّا لمن آمن وَعمل صَالحا ﴿فَأُولَئِكَ لَهُم جَزَاء الضعْف﴾ يَعْنِي: تَضْعِيف الْحَسَنَات؛ كَقَوْلِه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ثمَّ نزل بعد ذَلكَ بِالْمَدِينَةِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سبع سنابل﴾ الْآيَة.

فصول الكتاب · 114 فصل · 426 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين · 426 صفحة
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتحالحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوحالجنالمزمل
المدثر
القيامةالإنسانالمرسلات
النبأ
النازعات
عبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالمسدالإخلاصالفلقالناس
جارٍ التحميل