[250] باب المستحاضة
[120/ب]
1276 - سمعت إسحاق يقول: حاجَّ بعضُ أهل المدينة أهلَ العراق فقال: إذا ادعيتم أن المستحاضة تدع الصلاة عشرًا، وجعلتم أقل الطهر خمسة عشر يومًا، فما بال هذه الخمس تمام الشهر! ألا جعلتم في الشهر حيضة وطهرًا؛ إذ لم يكن في الطهر سنة، فلو جعلتم في الشهر حيضة، وإلا طهر كان أشبه بالكتاب / والسنة، وكذلك قال مالك بن أنس: في الشهر حيضة وطهر للمستحاضة، وهذا لمن لم يكن لها أقراء معروفة، فلما أدخلوا على مالك: أن بعض نساء الماجشون تحيض إحداهن عشرين يومًا حيضًا معتدلًا، فقال مالك: لا تحيض المرأة أكثر من نصف دهرها، وقال مالك في التي لها الأقراء المعلومة: فتستظهر بعد أقرائها بثلاث، تدع الصلاة فيها كما تدع في أيام أقرائها -يعني: إذا مضت أيام أقرائها وزيادة ثلاثة أيام- فهي حينئذ مستحاضة، وقالوا: إن مالكا قال بهذا القول حتى مات، وتأول في الثلاث التي زادها على أقرائها حديثًا رواه بعض أهل المدينة، فيه ضعف، يرفعونه: أنه أمرها أن تستظهر بعد أقرائها بثلاث، ثم هي مستحاضة، وخالف بعض أهل المدينة مالكًا في ذلك، وقال: إذا مضت عدة الليالي
الحديث: 1276 - الجزء: 1 - الصفحة: 628
والأيام التي كانت تحيضها من الشهر، فهي مستحاضة حينئذ، وليس لها أن تستظهر بعد أقرائها بأيام، وهذا القول أصح وأشبه حينئذ بالسنة الماضية المعروفة من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال للمستحاضة: «اجلسي عدة الليالي والأيام التي كانت تحيض»، وليس في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - استظهار، ولا تنقض السنة المعروفة بمثلها، وإنما صح الاستظهار بيوم أو يومين بعد أقرائها عن ابن عباس والحسن وعطاء ونظرائهم، فمن قال بذلك لم يعنَّف، والمعروف / ما وصفنا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ترك الاستظهار، وأجمع مالك وأهل المدينة على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا وأقل، فذلك عندهم حيض كان لها أقراء معلومة أو لم يكن، وقالوا: هذه امرأة زاد حيضها على وقتها، فبلغت أقصى ما تحيض النساء، ثم انقطع، وقالوا: لا نرى أقصى الحيض إلا خمسة عشر يومًا، وقال مالك: لو رأت المرأة دفعة حيضًا أو يومًا، ثم رأت الطهر يومًا، فدامت على ذلك أشهر؛ لكان ذلك حيضًا وطهرًا، ويحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة فدعي
الجزء: 1 - الصفحة: 629
الصلاة وإذا أدبرت فصلي».
فإقبال الدم عنده المعاينة وإدباره الطهر، فإذا كان وقت المرأة معلومًا لا يزيد عليه في الشهر حيضًا معتدلًا، فرأت زيادة مرة على أقصى أيام أقرائها، فإن كان الدم الذي رأته عبيطًا أو صفرة أو كدرة أو دمًا سائلا مستمرًا بها، فهي مستحاضة؛ لما وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام الأقراء لمن تعرف الأقراء، وقد سألته المرأة: إني استحضت، فبين لي الأقراء، ففي سؤالها النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان أن أيام حيضها زادت على أقرائها من قبل، فلم يوقت لها وقتًا، ولم يأمرها أن تجلس أكثر من أيام أقرائها، وأدخل بعض أهل العراق على مالك بن أنس فقال: إذا جعلت الحيض يومًا واحدًا وأقل وأكثر، فإذا طلقها زوجها، فقد انقضت عدتها في أيام قلائل، فقال: إن حكمها في الطلاق أن تربص أقصى أيام أقرائها قبل أن تبتلى بالاستحاضة، فإن قالوا: قد جعلت / حكمين للمستحاضة، حكمًا للطلاق على حدة، وحكمًا للصلاة على حدة، قيل لهم: إنما تنكرون على من اتبع السنة وقلدها مثل ما يأتون! وكيف جاز لك أن تنكر على مالك وأهل المدينة ومن سلك طريقهم وتمييزهم إذا أشكل عليهم شأن المستحاضة بين وقت الصلاة ووقت عدة الطلاق، وقد قلتم بأجمعكم: لو أن امرأة كان حيضها خمسة أيام، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 630
رأت الشهر الثاني ستة أيام، والشهر الثالث سبعة أيام، أخذنا لها بالصلاة بأقل أيام أقرائها، وفي عدة الطلاق بأقصى أيام أقرائها! فهل هذا التمييز منكم بعقولكم إلا مثل ما أنكرتم على مالك بن أنس وأهل المدينة حيث فرقوا بين حكم الصلاة والطلاق! بل هم أشد اتباعًا واستقصاء وحيطة منكم؛ حيث ردوا حكم المستحاضة إذا اختلط إلى ما أشبه الكتاب والسنة، جعل الله عدة المطلقات ثلاثة قروء، وجعل لمن لم يكن لها قروء شهرًا بدل كل قرء، فمن ها هنا حكموا.
1277 - قال أبو يعقوب: ولا تكون المستحاضة حائضًا أبدًا، وسماها النبي - صلى الله عليه وسلم - مستحاضة، وبين لها الأيام كما بين للحائض الطهارة من الدم، وهي أن تقعد قدر أيام حيضها من أيام استحاضتها، لا تصوم ولا تصلي، فإذا كان أقراؤها متفاوتًا، كان الاحتياط لها أولى عند أهل العلم، إذا لم يكن عندها يقين، وجهلت ما بين لها النبي - صلى الله عليه وسلم - من أيام الأقراء، فلا نعلم على أي معنى وقتها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أيام أقرائها».
[122/أ]
1278 - قال / أبو يعقوب: والنساء في أيام أقرائهن يحضن في أول الشهر مرة، وفي أوسطه مرة أخرى، وفي آخر الشهر، كذلك ينتقلن في الشهور على ما وصفنا، لا يقدر
الحديث: 1277 - الجزء: 1 - الصفحة: 631
عالم أن ينكر ما وصفنا من انتقالهن، وهن مؤتمنات مصدقات على ما أخبرن عن أنفسهن ما لم يعلم أنهن قلن ما لا تحيض النساء في مثله، وأمرهن في الاستحاضة كأمرهن في الحيض إذا ادعين من ذلك ما يكون من النساء، مع أن المعلوم من النساء لا يبلغن العشر.
1279 - وقال أبو يعقوب: وقال بعض أهل العلم: إن معنى قول أنس بن مالك، وإن لم يكن في الإسناد؛ لما ضعفه حماد بن زيد وغيره: أنه جعل الغالب من أمر الحيض دون العشر، وصيرها مستحاضة بعد العشر، ولم يجعل أنس أقصى الحيض شهرًا، ولكن جعل ذلك اختيارًا على معنى الاحتياط، وليس في حديث الجلد في ضعفه أن لا يكون الحيض أكثر من العشر، وأحسن الناس سياقة لألفاظ الحديث إسماعيل ابن علية، فذكر في حديث الجلد: تغتسل وتصوم بعد العشر، ولم يقل: إنها بعد العشر غير حائض ولا حائض.
[122/ب]
1280 - قال أبو يعقوب: كلما كان الوقت بينًا عندها، تعرف ذلك قبل استحاضتها، فإنها لا تقصر عما علمت أبدًا كان أكثر من عشر أو أقل من ثلاث، وإنما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل امرأة على حالها عند استحاضتها أن تقعد أيام أقرائها لا أيام أقراء غيرها، واختار قوم من أهل العراق العشر، فجعلوا ذلك أقصى حيض النساء كلهن، واختار عدة من أهل المدينة وعدة من علماء أهل الحجاز الخمس عشرة يومًا، / فجعلوا
الحديث: 1279 - الجزء: 1 - الصفحة: 632
ذلك أقصى ما يكون من الحيض، وهم أولى أن يتبعوا لما تحقق عند أهل العلم: أن الحيض يكون كذلك، وقال عطاء: خمسة عشر، وسعيد بن جبير: ثلاثة عشر، فقد اسْتَيْقَنَّا أن الحيض يكون أكثر من عشرة، فمن ها هنا قال ابن المبارك: أو أستطيع أن أرد حيض امرأة لها أقراء معروفة أكثر من عشرة أن أردها إلى عشر! وإنما قال عبد اللهفي العشر في بعض ما قال بمعنى ما قال أنس بن مالك لمن لم تعرف الأقراء، وقد قال عبد الله بالثلاث للبكر التي لم تعرف وقت الحيض: أن أوثق عندي في نفسي أن تجلس البكر ثلاثًا، وإنما أمرها بثلاث للاحتياط، وقال بعض أهل العلم: أرى للبكر أن لا تجلس إذا استمر بها الدم في أول ما ترى إلا يوما واحدًا؛ لأن من العلماء من رأى الحيض يومًا، فالأخذ بالثقة لهذه التي رأت الدم أولًا، واستمر بها الدم أولى وأحوط، وليس ما قال ببين.