[208] باب المستحاضة
994 - سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قد مضت السنة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في المستحاضة على أوجه مختلفة لاختلاف طبائعهن -وكل ذلك يصدق بعضه بعضًا- وتناوله الذين لا يعلمون على التناقض والاختلاف، والحيض أمر لا يدرك بالعقول والمقاييس؛ لأن الحيض خلقة وكتب في النساء، ولا يستوين في ذلك، فمن عقل ما وصفنا، وتفهم علم أن ذلك كذلك، وكيف يجوز للعالم أن يجعل حيض النساء على أمر واحد! يوقت لهن في ذلك وقتًا لا يقصر عن أدناه ولا يجاوز أقصاه! وقد تبين له من أمر النساء ما كان له فيه غنية وكفاية عن صفاتنا؛ لأنهم قد علموا وأبصروا أن حيض النساء يكون ثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا، وستًا، وسبعًا، وثمانيًا، وتسعًا، وعشرًا، مع أنهم يعلمون أن الغالب من حيضهم الست والسبع -كما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش السبع والست، وقال لها: تحيضي كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن وسمعنا من النساء من تحيض يومين ثم تطهر -كما يكون طهر النساء-، أو تحيض أحد عشر يومًا، أو اثني عشر يومًا، أو ثلاثة عشر يومًا، أو أربعة عشر يومًا، / أو خمسة عشر يومًا.
كل ذلك قد صح عن العلماء، واستيقنوا ذلك من نسائهم وغيرهن، حتى أن بعضهم قال: وحاضت امرأة من نساء الماجشون عشرين يومًا حيضًا معتدلًا، وأنكر ذلك مالك بن أنس وعدة من علماء أهل المدينة، ولم يروا الوقت إلا خمسة عشر يومًا، وجعلوا الخمسة عشر آخر وقت الحائض، وقال مالك: لا تحيض المرأة أكثر من نصف دهرها، وقد صح الخمسة عشر عن غير واحد من العلماء مثل: عطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس -من بعده-،
الحديث: 994 - الجزء: 1 - الصفحة: 530
وثلاثة عشر عن سعيد بن جبير، وحتى إن الأوزاعي ومالك ابن أنس قالا: كانت عندنا امرأة تحيض يومًا واحدًا حيضًا معتدلًا.
995 - أخبرني بذلك سفيان بن عبد الملك، عن ابن المبارك عنهما.
وقال ابن المبارك: وأستطيع أن أردَّ أمر امرأة حيضها أكثر من عشرة أيام معروف أقراؤها كذلك -لا يختلف عليها إلا كما يختلف مَنْ أقراؤها دون العشرة-أن أرد أمرها إلى العشرة! فأجعل ما بعد ذلك استحاضة، وامرأة حيضها أقراء معروفة أن أقول لم يحضر قط!، فإذا كان أقراء المرأة معروفة فأقراؤها ما كانت.
قال ابن المبارك: وأوثق في نفسي عندي أن البكر أول ما ترى الدم أن تجلس ثلاثًا، وصدق ابن المبارك.
[87/أ]
996 - قال أبو يعقوب: فكلما كان الدم يعرف أنه دم المحيض، ورأت الطهر كما تراه النساء، فذلك حيض تقعد عن الصلاة، وكذلك اليومين، فإن أنكر منكر من هؤلاء، وقالوا: لا نقول /-إذا كانت تقعد يومين حيضًا معتدلًا-: إن هذا حيض، فلا نجعله خلقة، ولكنا نقول: ليست بحائض.
قيل له: قد أجمعتم أن الحيض يكون ثلاثًا، حتى قال بعضهم: يومين وأكثر اليوم الثالث، فكان يلزمكم في قياسكم أن لا تجعلوا يومين وبعض الثالث حيضًا لقلة وجود هذا في النساء.
[87/ب]
997 - وقال إسحاق: ولو جاز لأحد أن يوقت لهن وقتًا يكون ذلك الوقت أقصى ما يحضن، ويجعل النساء كلهن في ذلك الوقت شرعًا واحدًا؛ لكان ما وقَّت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لحمنةَ بنت جحش الحيض سبعة أيام والطهر ثلاثًا وعشرين أشبه الأوقات؛ لأن الغالب من أمر
الحديث: 995 - الجزء: 1 - الصفحة: 531
النساء كذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها: كما يحضن النساء، وكما يطهرن، فكان في هذا دلالة أن يكون هذا الوقت للنساء كلهن، ولكن لما سنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للنساء اللاتي استحضن، فسألنه، فحكم لهن بحكم مختلف لما ركب فيهن من اختلاف طبائعهن، علمنا أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمنة في السبعة الأيام: لما وصفت وأكثرت على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: (إني إستحاض حيضة كثيرة شديدة منعتني الصلاة والصوم)، فقال: «أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم»، فلم يقنعها ذلك من قوله، وقالت: (هو أكثر من ذلك).
قال: «فتلجمي» قالت: (هو أكثر من ذلك).
قال: «فاتخذي ثوبًا»، قالت: (إنما أثج ثجًّا)، فحينئذ أمرها بتحري وقتها وأن تجلس سبعًا، فإذا كانت المرأة في حال استحاضتها واختلاط حيضتها وقلة معرفتها / لأوقاتها على ما وصفنا، حكمنا لها بحكم حمنة بنت جحش، ولم نجعل السبع للنساء كلهن لما وصفنا من هذه العلل، وقال بعض أهل العلم: السبع وقت موقوت للنساء كلهن إذا استحضن؛ لأن في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أمر حمنة بما أمرها، قال لها: كما تحيض النساء وكما يطهرن، فالسبع وقت المستحاضة إذا لم تعرف الأقراء لا تجاوز السبع.
998 - حدثنا عمرو بن عثمان قال: ثنا الوليد بن مسلم قال: قيل للأوزاعي: جارية حاضت أول حيضة حاضتها ثلاثة أيام، ثم رأت طهرًا بينًا؟ قال: تغتسل وتصلي، قيل: فإنها
الحديث: 998 - الجزء: 1 - الصفحة: 532
رجعت بعد طهرها ذلك وصلاتها، فرأت دمًا عبيطًا؟ قال: تمسك إلى وقت نسائها.
قيل له: فإن لم تعرف وقت نسائها؟ قال: فلتمسك إلى سبعة أيام.
999 - حدثنا إسحاق قال: أبنا يحيى بن آدم، عن المفضل بن مهلهل، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: الحيض خمسة عشر.
1000 - حدثنا إسحاق قال: أبنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن علي بن ثابت، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير قال: الحيض ثلاث عشرة.
[88/أ]
1001 - وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: ثنا عبد الله بن نمير قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة -زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - -: أنها استفتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأة تهراق الدم، فقال: «تنتظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فلتدع الصلاة ولتستثفر / ولتصل».
الحديث: 999 - الجزء: 1 - الصفحة: 533
1002 - حدثنا أحمد قال: ثنا وكيع قال: ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟) فقال: «لا.
إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فاجلسي أيام أقرائك، ثم اغتسلي، وتوضئ لكل صلاة، ثم صلِّيْ، وإن قطر الدم على الحصير قطرًا».
1003 - قال: وأملى علينا إسحاق بن إبراهيم قال: أصل الحيض ما اجتمع عليه أهل العلم على يوم وليلة -لا يكون الحيض عندهم أقل من ذلك-، وقد عرفوه في زمانهم كذلك، وإذا كانت المرأة حيضها أيامًا بينًا، فاستمر بها الدم حتى وقع عليها اسم الاستحاضة؛ فإنها تجلس أيامًا وقدرها من الشهر الذي كانت تحيض حيضًا معتدلًا قبل أن تبتلى، ثم تدخل في الاستحاضة، والاستحاضة هو بين من دم الحيض، إنما هو عرق عاند.
إذا استحيضت صلت وصامت حتى يأتيها بعد ذلك الدم العبيط الذي قال
الحديث: 1002 - الجزء: 1 - الصفحة: 534
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي».
[88/ب]
1004 - حدثنا إسحاق قال: أبنا عبدة بن سليمان ووكيع قالا: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟) فقال: «لا.
إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة / فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي».
1005 - وسمعت إسحاق يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: أما الذي نعتمد عليه -وأحسن ما سمعنا في المستحاضة- أنها تقعد أقصى ما كانت تقعد، ثم تغتسل وتصلي، فإن انقطع الدم بعد ذلك عنها بيوم أو يومين؛ فأحب إليّ أن تغتسل غسلًا آخر؛ لأني لا أدري لعل حيضها متغير، وتصلي وهي شاكة في حيضها أحب إلي من أن تترك الصلاة على الظن، ولعلها طاهر، وهذا عندنا بناء على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث رآها مستحاضة، فإن استمر بها الدم ورأت الثانية كذلك فهو حيض متغير وغسل عن الصلاة فيه؛ لأن حيضهن يزيد وينقص، فإذا عادت إلى حالها الأول فتلك زيادة استحاضة.
الحديث: 1004 - الجزء: 1 - الصفحة: 535
1006 - قال إسحاق: وأشكل على أهل العلم كثيرٌ من حيض النساء، فما أشكل من ذلك، فالاحتياط والأخذ بالثقة أسلم؛ لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باتقاء الشبهات والاستبراء لدينه.
1007 - حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: ثنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المستحاضة تدع الصلاة
الحديث: 1006 - الجزء: 1 - الصفحة: 536
أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي».
[89/أ]
1008 - حدثنا إسحاق قال: أنا النضر بن شميل ووهب بن جرير قالا: ثنا شعبة عن / عثمان مولى بني هاشم قال: سمعت ابن عباس -وسئل عن المستحاضة-، فقال: (تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة، ولتستثفر؛ فإنما هو عرق وركضة من الشيطان).
قيل له: وإن كان سائلًا؟ قال: (وإن كان يسيل مثل المثعب).