الفصل السادس والعشرون: في ذكر الاستسقاء
قال تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا (١٠) يرسل السماء عليكم مدرارا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١].
عن جابر بن عبد الله قال: أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواك فقال: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريئا مريعا، نافعا غير ضار، عاجلا غير آجل".
فأطبقت عليهم السماء (^١).
وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله عز وجل، ثم قال:
"إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله سبحانه وتعالى أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم".
ثم قال:
(^١) أخرجه أبو داود (١١٦٩)، والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٧٨٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥٥) وغيرهم.
وصححه ابن خزيمة (١٤١٦)، والحاكم (١/ ٣٢٧) ولم يتعقبه الذهبي، وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" (٣٥ - القسم المفقود).
إلا أنه معلول!
انظر: "العلل" للإمام أحمد (٣/ ٣٤٦، ٣٤٧ - رواية عبد الله)، و"تاريخ بغداد" (١/ ٣٣٦)، و"التلخيص الحبير" (٢/ ١٠٥ - ١٠٦).
الجزء: 1 - الصفحة: 314
﴿الحمد لله رب العالمين (٢) الرحمن الرحيم (٣) مالك يوم الدين (٤)﴾، لا إله إلا الله، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين".
ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب -أو حول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، فنزل، فصلى ركعتين، فأنشأ الله عز وجل سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، وقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله" (^١).
وفي "سنن أبي داود" عن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استسقى قال: "اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت" (^٢).
(^١) أخرجه أبو داود (١١٧٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٤٩)، والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٢٥) وغيرهم.
قال أبو داود: "هذا حديث غريب، وإسناده جيد".
وصححه ابن حبان (٩٩١)، والحاكم (١/ ٣٢٨) ولم يتعقبه الذهبي، وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" (٣١ - القسم المفقود).
(^٢) أخرجه أبو داود (١١٧٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٥٦)، وابن عدي في "الكامل" (٤/ ٣١٩) موصولا.
قال ابن عدي: "وقد روى هذا الحديث عن عمرو بن شعيب جماعة، =
الجزء: 1 - الصفحة: 315
وقال الشعبي: خرج عمر يستسقي، فلم يزد على الاستغفار.
فقالوا: ما رأيناك استسقيت؛ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء (^١) التي يستنزل بها المطر.
ثم قرأ: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا (١٠) يرسل السماء عليكم مدرارا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١] ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى﴾ الآية [هود: ٣] (^٢).
= فقالوا: عن عمرو بن شعيب: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا استسقى ..، ولم يذكروا في الإسناد أباه ولا جده".
وهو كما قال، فقد رواه مرسلا مالك، والمعتمر بن سليمان، وغيرهما.
انظر: "الموطأ" (١/ ٢٦٥)، و"التمهيد" (٢٣/ ٤٣٢).
ورجح الإرسال أبو حاتم الرازي، كما في "العلل" (١/ ٧٩ - ٨٠).
(^١) "مجاديح السماء": جمع "مجدح"، نوء من الأنواء الدالة على المطر عند العرب، شبه عمر رضي الله عنه الاستغفار بها؛ مخاطبة لهم بما يعرفون، لا قولا بالأنواء.
انظر: "الأنواء" لابن قتيبة (١٥، ٣٧)، و"النهاية" لابن الأثير (١/ ٢٤٣).
(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في "السنن" (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ٤٧٤)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٣/ ٨٧)، وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٣٢٠) وغيرهم.
وفي إسناده انقطاع؛ الشعبي لم يسمع من عمر.
انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم (١٦٠).
إلا أنه روي -مختصرا- من وجهين آخرين يثبت بهما الخبر.
الجزء: 1 - الصفحة: 316