الردة هل تحبط العمل بمجردها،
أولا يحبطه إلا الموت عليها؟ (^١) فيه للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن الإمام أحمد رضي الله عنه (^٢).
فإن قلنا: تحبط العمل بنفسها، فمتى أسلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام، وإن قلنا: لا يحبط العمل إلا إذا مات مرتدا، فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله.
وهكذا العبد إذا فعل حسنة، ثم فعل سيئة تحبطها، ثم تاب من تلك السيئة، هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة؟ يخرج على هذا الأصل.
ولم يزل في نفسي شيء من هذه المسألة، ولم أزل حريصا على الصواب فيها، وما رأيت أحدا شفى فيها، والذي يظهر لي (^٣) -والله تعالى أعلم، وبه المستعان، ولا قوة إلا به- أن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل، ويكون الحكم فيها للغالب، وهو يقهر المغلوب، ويكون الحكم له، حتى كأن المغلوب لم يكن، فإذا غلبت (^٤) على العبد الحسنات دفعت حسناته الكثيرة سيئاته، ومتى تاب من السيئة ترتب على
(^١) (ت) و(ق): "أو لا تحبط إلا بالموت".
(^٢) انظر لهذا الخلاف: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٥٨)، و(١١/ ٧٠٠)، و"شرح العمدة" (١/ ٣٢٠ - ٣٢١ الطهارة)، و(٢/ ٣٨ - ٤٠ الحج)، و"درء التعارض" (٣/ ٢٧٢) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(^٣) "لي" من (م).
(^٤) (ت) و(م): "غلب".
الجزء: 1 - الصفحة: 23
توبته منها حسنات كثيرة قد (^١) تربي وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة، فإذا عزمت التوبة، وصحت، ونشأت من صميم القلب، أحرقت ما مرت عليه من السيئات، حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وقد سأل حكيم بن حزام رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عتاقة وصلة وبر فعله في الشرك: هل يثاب عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: "أسلمت على ما أسلفت من خير" (^٢).
فهذا يقتضي أن الإسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك، فلما تاب من الشرك عاد إليه ثواب حسناته المتقدمة.
فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحا صادقة خالصة (^٣) أحرقت ما كان قبلها من السيئات، وأعادت عليه ثواب حسناته (^٤).
(^١) (ت) و(م) و(ق): "وقد".
(^٢) أخرجه البخاري (١٤٣٦، ٢٢٢٠، ٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣) عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.
(^٣) "خالصة" من (ح) و(م) و(ق).
(^٤) الذي استظهره المصنف في هذه المسألة هنا جزم به في "مدارج السالكين" (١/ ٣٠٨) -وهو متأخر في التأليف عن هذا الكتاب-.
ويدل على ما ذهب إليه قول عائشة المتقدم لزيد بن أرقم رضي الله عنهما: "أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يتوب".
قال ابن رجب في "فتح الباري" (١/ ١٩٩):
"وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات، ثم تعود بالتوبة منها".
الجزء: 1 - الصفحة: 24
يوضح هذا أن السيئات والذنوب هي أمراض قلبية، كما أن الحمى والأوجاع أمراض بدنية (^١)، والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها، حتى كأنه لم يضعف قط؛ فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات، والمرض بمنزلة الذنوب، والصحة والعافية بمنزلة التوبة سواء بسواء (^٢).
وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدا؛ لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته (^٣) كما كانت؛ لتقاوم الأسباب وتدافعها، وعود البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى وأنشط؛ لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لأسباب الضعف والمرض، حتى ربما كان مرض هذا سببا لعافيته، كما قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه … وربما صحت الأجسام بالعلل (^٤)
فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث.
والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.
(^١) من قوله: "كما أن الحمى" إلى هنا، من (ح) و(م) و(ق).
(^٢) انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥) للمصنف.
(^٣) "صحته" ساقطة من (ت).
(^٤) البيت للمتنبي في "ديوانه" (٢/ ١٣٥ - العرف الطيب).
الجزء: 1 - الصفحة: 25
فصل
وأما