الرابعة والأربعون: أن الذكر رأس الشكر،
فما شكر الله تعالى من لم يذكره.
وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم، أن موسى عليه السلام قال: "يا رب، قد أنعمت علي كثيرا فدلني على أن أشكرك كثيرا" قال: "اذكرني
(^١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨) وفي إسناده من لم أعرفه.
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٢٩٢) مقتصرا على قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بإسناد حسن.
وقوله في آخر الأثر "في سبيل الله عز وجل" ساقط من (ت) و(م)، وهو ثابت في رواية البيهقي و(ح).
(^٢) تقدم تخريجه (ص: ٨٤)، حيث أورده المصنف من رواية معاذ رضي الله عنه.
الجزء: 1 - الصفحة: 161
كثيرا؛ فإذا ذكرتني كثيرا فقد شكرتني كثيرا، وإذا نسيتني فقد كفرتني" (^١).
وقد ذكر البيهقي -أيضا- في كتاب (^٢) "شعب الإيمان" عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبا من ذكري.
قال: يا رب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها.
قال: وما هي؟ قال: أكون جنبا، أو على الغائط، وإذا بلت.
فقال: وإن كان.
قال: يا رب، فما أقول؟ قال: تقول: "سبحانك وبحمدك، وجنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك، فقني الأذى" (^٣).
قلت: قالت عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه" (^٤).
ولم تستثن حالة من حالة، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته.
(^١) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٧٤)، و(٨/ ٣٦٨).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٢١٢) بنحوه، وابن المبارك في "الزهد" (٣٣٠) مختصرا، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٨ برقم ٣٩).
(^٢) "كتاب" من (م) فقط، و"أيضا" من (ح) و(ق).
(^٣) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٩١).
(^٤) أخرجه مسلم (٣٧٣).
وصححه البخاري، كما في "العلل الكبير" للترمذي (٣٦٠ - ترتيبه).
وأعله أبو زرعة الرازي كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٥١).
وانظر: "علل الدارقطني" (٥/ ق ٥٠/ ب).
الجزء: 1 - الصفحة: 162
وأما في حال التخلي، فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها، وكذلك شرع لأمته من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم: "بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا" (^١).
وأما الذكر على (^٢) نفس قضاء الحاجة، وجماع الأهل فلا ريب أنه لا يكره بالقلب؛ لأنه لابد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب شيء إليه، فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفا بالمحال، كما قال القائل:
يراد من القلب نسيانكم … وتأبى الطباع على الناقل (^٣)
وأما (^٤) الذكر باللسان على هذه الحالة، فليس مما شرع لنا، ولا ندبنا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا نقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم (^٥).
(^١) سيأتي تخريجه (ص: ٣٥٠).
(^٢) (ح): "وأما عند نفس".
(^٣) البيت للمتنبي، في "ديوانه" (٢/ ٢٦ - العرف الطيب).
(^٤) (ح): "فأما".
(^٥) ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الذكر باللسان في هذه الحالة.
قال أبو حاتم الرازي عقب حديث عائشة: "كان يذكر الله على كل أحيانه" -كما في "العلل" لابنه (١/ ٥١) -: =
الجزء: 1 - الصفحة: 163
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: "إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء" (^١).
ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء، والمراقبة، والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى، وإجلاله، وذكر نعمته عليه، وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له الذي لو بقي فيه لقتله، فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به.
وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه، وقال: يا لها نعمة لو يعلم الناس قدرها! (^٢).
وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني مضرته (^٣).
= "الذي أرى أن يذكر الله على كل حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث".
وانظر: "مستخرج أبي عوانة" (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، و"البيان والتحصيل" لابن رشد (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٣١١).
(^١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٩)، وأخرج البيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٦٢) بعضه.
(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩) بإسناد ضعيف جدا.
(^٣) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢/ ٩٦٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا بإسناد فيه ضعف وانقطاع، كما قال ابن حجر في "نتائج =
الجزء: 1 - الصفحة: 164
وكذلك ذكره حال الجماع، ذكر هذه النعمة التي من بها عليه، وهي من أجل نعم الدنيا، فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (^١).
فجمع بين الذكر والشكر، كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]، فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح.