الثانية والخمسون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة،
فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه، كما أخرجا في "الصحيحين" من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن لله ملائكة فضلا عن كتاب الناس، يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم.
قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم تعالى -وهو أعلم بهم-: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك.
قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك.
(^١) أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (١١٠٥ - منتخبه)، وأبو يعلى في "مسنده" (٣/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و(٤/ ١٠٦)، والحاكم (١/ ٤٩٤ - ٤٩٥) وغيرهم بإسناد فيه ضعف.
وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: "عمر ضعيف"، يريد: عمر بن عبد الله مولى غفرة، وقد أورد ابن حبان حديثه هذا في ترجمته من "المجروحين" (٢/ ٨١) مستدلا به على ضعفه.
وحسنه المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٨٢)، ولعله لشواهده.
وانظر ما تقدم (ص: ٨٧).
الجزء: 1 - الصفحة: 175
قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تحميدا وتمجيدا، وأكثر لك تسبيحا.
قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة.
قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب، ما رأوها.
قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة.
قال: فيقول: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار.
قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها.
قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة.
قال: يقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم.
فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة.
قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (^١).
(^١) "صحيح البخاري" (٦٠٤٨)، و"صحيح مسلم" (٢٦٨٩).
وقوله: "فضلا" تفرد بها مسلم، ومعناها كما قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/ ٤٥٥): "أي: زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق".
وقوله: "عن كتاب الناس" لم أجده في رواية الصحيحين، وقد أشار الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢١٥) إلى أنها زيادة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وابن حبان.
والمراد بـ"كتاب الناس": الملائكة الكرام الكاتبون، وغيرهم، المرتبون =
الجزء: 1 - الصفحة: 176
فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وجعلني مباركا أين ما كنت﴾ [مريم: ٣١]، فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشؤوم أين حل.
فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، وكل مضاف إلى شكله وأشباهه، وكل امرئ يصبو (^١) إلى ما يناسبه.