الوهم السّادس عشر:
وهم المعترض أنّهم قد دفعوا الضّرورة في تجويز تعذيب الأطفال بذنوب آبائهم, وليس كذلك لوجهين: الوجه الأول: أنّهم لم يجمعوا على القول بهذه المسألة, فنسبتها4إلى جميعهم غير صحيحة.
قال الإمام النّووي في ((شرح مسلم))5وقد ذكر الأقوال في أطفال المشركين حتّى قال ما لفظه: ((وثانيها: الوقف, وثالثها: ما ذهب إليه المحقّقون: أنّهم من أهل الجنّة, ويستدلّ لهم بأشياء منها: حديث إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم - ((حين رآه النّبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنّة وحوله أولاد النّاس قالوا: يا رسول الله! وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)).
رواه البخاري في ((صحيحه))6
وروى أنس عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ((سألت ربّي اللاهين من ذريّة البشر ألا يعذّبهم فأعطانيهم, فهم خدم أهل الجنّة))1يعني الأطفال, وليس في إسناده إلا يزيد بن أبان الرّقاشي2الصّالح المشهور, وهو من أهل الورع والتّقوى, وفي حفظه شيء يسير, فقد قال الحافظ ابن عديّ فيه: أرجو أنّه لا بأس به3, وقد تابعه عبد الرّحمن بن إسحاق, وهو أيضاً وإن ضعّفه بعضهم فقد قال النّسائي وابن خزيمة: ليس به بأس4فهذا مع حديث البخاري, وظاهر القرآن يتعاضد.5
ومنها قوله تعالى: ((وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً)) [الإسراء/15] ثمّ تكلّم في نصرة هذا المذهب6, وذكر تأويل الأحاديث التي تخالفه.
وقد أجابوا بأنّها كلّها ضعيفة إلا حديث سلمة بن يزيد الجعفيّ فإنّه صحيح الإسناد لكنّه غير عام فإنّه نصّ في موءودةٍ بعينها فاحتمل التّأويل, وذلك أنّهم سألوا النّبي - صلى الله عليه وسلم - عنه أخت لهم ماتت في الجاهلية موءودة لم تبلغ الحنث فقال: ((إنّها في النّار)).7
قال السّبكي: فإن كان لهذا الحديث علّة لم نحتج إلى جواب, وقد قيل: إنّه - صلى الله عليه وسلم - اطّلع عن أنّ سنّ تلك الموءودة بل التكليف, ولم يلتفت إلى قول السّائل: لم تبلغ الحنث لجهله, ويكون التّكليف في ذلك الوقت منوطاً بالتّمييز والسّائل لجهله, ليس ذلك عنده من الأمور المحتاج إليها في تلك الحال فيبينه فيها.
هذه خلاصة كلام أهل هذا المذهب, وهم المحقّقون من أهل السّنة كما قال النّووي -رحمه الله-.
فثبت بنقل إمام المحدّثين أنّ المحقّقين منهم لا يقولون بتعذيب الأطفال, وإلى ذلك مال الإمام السّبكي في جزء ألّفه في هذه المسّألة1, وكذلك الغزّالي في كتاب ((القسطاس المستقيم))2قال ما لفظه: ((وأنت تعلم أنّ الله تعالى /ينزل الصّبيان إذا ماتوا منزلاً من الجنّة دون منازل البالغين)) , هذا لفظه في كتابه المذكور, وهو مشهور عند الأشعرية, وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ في ((عارضة الأحوذي في شرح التّرمذيّ))3إن حديث رؤية النّبي - صلى الله عليه وسلم - لإبراهيم قويّ, وحديث: ((عصفور من عصافير الجنّة)) قد غمزه الحفّاظ, وحديث ((هم من آبائهم)) , يعني في إهدار دمهم فإنّهم سألوه: إنّا نغير على المشركين فنصيب من أولادهم, فقال: ((هم من آبائهم)) يعني في إهدار الجناية عليهم, وهذا بيّن لا إشكال فيه)).
هذا لفظه.
وقال أيضاً في التّرجيح بين الأخبار في ذلك: ((أما حديث: ((كلّ مولود يولد على الفطرة)) فيعضده المشاهدة والأدلّة العقلية.
إلى قوله: ((وقد يكون في أولاد المشركين مؤمن, وفي أولاد المؤمنين كافر, ويحكم الباري فيهم بعلمه, وهذا بيّن من التّأويل لا يتطرّق إليه إشكال ويرفع جهل الجهال)) , وكلامه في هذا يردّ1علىالخصم, حيث2زعم أنّهم يعلّلون تعذيب الأطفال بكفر الآباء وينكرون3الأدلّة العقلية, وأمّا من أجاز ذلك, ولم يتأوّل الأخبار من أهل العلم منهم؛ فإنّهم لم يجيزوا تعذيب الأطفال لأجل ذنوب آبائهم, بل افترقوا في تعليل ذلك فرقتين: الفرقة الأولى: أهل الجمود منهم, وترك الخوض في الكلام, وهؤلاء يجوّزون أنّ في حكمة الله وعلمه المكنون من أنواع الحكم ما لا تدركه العقول, فيجوز عندهم أن يكون ذلك على ظاهره, ويكون لله تعالى من الحكمة فيه ما يحسن معه, وإلى هذا أشار ابن الجوزيّ بقوله4في وصف الله تعالى: ((بثّ الحِكَم فلم يعارض بلم)) , وقوله في ذلك: ((خرست في حضرة القدس صولة لم, فأقدام الطّلب واقفة على جمر التّسليم)).
وربّما ذكر الفطناء منهم وجوهاً من حكمة الله تعالى في ذلك
على سبيل التمثيل والتّقريب.
منها: أنّ الله تعالى قد خلقهم فيما مضى, وخلق عقولهم وكلّفهم وعصوا, ويحتجّون على ذلك بحديث إخراج ذريّة آدم من ظهره على صورة الذّرّ1, وبه فسّروا قوله تعالى: ((وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين, أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذرّيّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون)) [الأعراف/172 - 173]. ويحتجّون أيضاً بما رواه البخاري عن قيس بن حفص, حدّثنا خالد بن الحارث, حدّثنا شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس يرفعه: ((إنّ الله عزّ وجلّ يقول لأهون أهل النّار عذاباً: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم.
قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا, وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي؛ فأبيت إلا الشّرك)) أخرجه البخاري2آخر الجزء الثّاني3عشر/ من تجزئته, وهو في الجزء الثّاني من أربعة أجزاء.
في ((الصّحيحين))4شاهد لهذا عن أبي هريرة: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: ((إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ منهم قامت الرّحم فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)) الحديث, وهو دليل على أنّ الله تعالى قد خلق الخلق فيما مضى مرّة1أوّله, وهذا غير ممتنع في مقدور الله تعالى, وهو على كلّ شيء قدير.
وأمّا قوله تعالى في الآية: ((قالوا بلى)) [الأعراف/172] فلا يدلّ على إسلام جميع ذلك الخلق الأوّل لوجوه: أحدها: ما ذكره ابن عبد البرّ2وغيره في تفسير قوله تعالى: ((وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً)) [آل عمران/83] , فإنّهم فسّروا إسلام أهل الأرض كلّهم بذلك وقالوا: إنّ أهل السّعادة قالوا ذلك عن معرفة له طوعاً, وأهل الشّقاوة قالوا ذلك كرهاً, وهذا وجه وجيه.3
الوجه الثاني: أنّه يجوز أنّهم قالوا ذلك ثمّ عصوا بعد قوله.
الوجه الثالث: أنّه يجوز أن يكون القائل بذلك بعضهم, وتكون الآية من العامّ الذي أريد به الخاصّ, وتخصيص العموم بالسّنة جائز إجماعاً.
وأمّا قوله تعالى: ((من بني آدم)) [الأعراف/172] فيحتمل أنّه أخرج من صلب آدم أولاده لصلبه, ثمّ أخرج من صلب كلّ واحد منهم أولاده, على أن دلالة الأحاديث على المقصود لا
[تتوقف]1على تفسير الآية بذلك؛ فإنّ الأحاديث صريحة في ذلك والآية محتملة, وهذا هو أحد الاحتمالين في قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الوجه في تعذيب أطفال المشركين فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))2, وفيه إشارة إلى أنّهم عذّبوا بعمل, وأنّه وكل العلم به إلى الله تعالى.
الاحتمال الثّاني: أنّها تؤجّج لهم نار فيقال: ((ردوها فيردها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل, ويمسك عنها من كان في علم الله شقيّاً لو أدرك العمل, فيقول الله: إيّاي عصيتم, فكيف رسلي لو أتتكم))؟.
قال السّبكي3: ((رواه أبو سعيد الخدريّ عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن النّاس من يوقفه على أبي سعيد.
وروي معناه من حديث: أنس, ومعاذ, والأسود بن سريع, وأبي هريرة, وثوبان كلّهم عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. وذكر عبد الحق في ((العاقبة)) حديث الأسود وصحّحه, ورواه أحمد في ((مسنده))4من حديث الأسود, وأبي هريرة.
قال السّبكي: ((وأسانيدها صالحة)).
وقد اعترض صحّتها بعض أهل الأثر برأي عقليّ ضعيف, وقد
أوضحته في ((العواصم)).1
وممّا يمكن تقديره في ذلك على قواعد المعتزلة والأشعرية وأهل الحديث وجوه: منها: أنّهم يدخلون النّار ثمّ يخرجون منها, ويكون لهم على ألمهم من النّار أعواض عظيمة ينالونها في الجنّة, ويكون ذلك مثل إيلامهم في الدّنيا وهم صغار, وهذا يصحّ على قول طائفة من المعتزلة وهم الجبّائية أصحاب شيخ الاعتزال أبي عليّ2فإنّه كان يذهب /إلى أنّه يحسن من الله تعالى أن يؤلم من لا ذنب له لأجل العوض من دون اعتبار, ومنع أبو هاشم وأصحابه من ذلك إلا مع الاعتبار3, وتعذيب الأطفال على هذا الوجه ممكن على قول هذه الطّائفة أيضاً, فإنّه يمكن أن يخلق الله خلقاً في تلك الحال, مكلّفين غير عالمين علماً ضرورياً بالآخرة, ويعلّمهم علماً استدلالياً بذلك الألم الذي ابتلي به الأطفال, ويعلمهم بما أعد لأهل البلاء من عظيم النّوال, بل يجوز أن يكون الاعتبار بذلك حاصلاً لنا اليوم لعلمنا أو علم بعضنا بذلك في المستقبل.
ومنها: أنّه يحتمل أنّ الأطفال إذا ماتوا أكمل الله عقولهم قبل الموت, وأمرهم فعصوه فماتوا.
ومنها: أنّه يجوز إذا ماتوا أحياهم الله تعالى مرّة ثانية قبل يوم
القيامة؛ إمّا في غير هذه الدّار, أو فيها, ولا نعلم أنّهم هم, ثمّ يكمل عقولهم ويكلّفهم, ولا يكون موتهم الأوّل مضطرّاً لهم إلى الطّاعة, إمّا1لعدم تمام عقولهم, أو لأنّهم لم يروا فيه شيئاً من أمور الآخرة, وإنّما كان مثل النّوم.
ومنها: أنّه يجوز أن يدخلوا النّار ولا يتألمون بها كما يكون فيها الحيّات, وكما يكون فيها الخزنة من الملائكة -عليهم السّلام-, وكلّ هذه الوجوه محتملة على مذهب المعتزلة.
فإن قيل: إنّ المعتزلة لا يجيزون الخروج من النّار, والوجه الأوّل منها مبني على ذلك.
قلت: إنّما يمنعون خروج من دخل النّار معاقباً, أمّا من ليس بمعاقب كالحيّات, وخزنة النّار؛ فلا يمنعون ذلك, وإنّما قصدت بذكر هذه الوجوه إطلاع المعتزلي على أنّ وجوه حكمة الله تعالى أوسع من أن يقطع المتكلّم على عدم ما لم يعلم منها, فإنّ هذه المسألة أقبح ما ينسبه المعتزلي إلى الأشعري, والمحدّث, ويعتقد أنّه لا يمكن أن يكون لها تأويل على قواعد المعتزلة, وقد بان بهذا أنّه لا يلزم من تجويز هذه المسألة تجويز الظّلم على الله جلّ جلاله, وعظم شأنه, ولا يلزم من قال بها إنكار المعلوم بالضّرورة.
فهذا الكلام انسحب من ذكر فرقة أهل الجمود من أهل الحديث, وأمّا فرقة2أهل الكلام من الأشعرية فإنّهم يثبتون الكلام
في هذه المسألة على قواعدهم في التّحسين والتّقبيح, وقد مرّت الإشارة إلى نكتة منه, وتمامه مذكور في كتبهم البسيطة مثل: ((نهاية العقول)) للرّازي, وغيرها, ومن وقف عليه علم أنّ بطلانه غير معلوم بالضّرورة, وأنّه لا يتمكن من الجواب عليهم فيه إلا خواصّ المتبحّرين في الكلام, فكيف يدّعي المعترض أنّهم كذبة يتعمّدون الكفر مع علمهم بذلك؟ على أنه في هذا خالف سلفه من أهل البيت, وشيوخه من المعتزلة, فقد بيّنّا فيما تقدّم أنّهم نصّوا على أنّ القوم من أهل التّأويل والتّديّن.
وقد تركت إيراد كلام متكلّميّ الأشعريّة في التّحسين والتّقبيح؛ لأنّ كتابي هذا / [كتاب]1نصرة للحديث وأهله الواقفين على ما كان عليه السّلف, من ترك الخوض في عويص الكلام, ودقيق الجدال.
وممّا2يدلّ على تنزيه أهل الحديث مما رماهم به من تجويز التّعذيب بذنب الغير؛ أنّه3لما رود في الحديث: ((أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه))45تأوّلوا ذلك بأن يكون الميّت أوصى بذلك, ذكر ذلك البخاري في ((صحيحه))6, وذكره النّووي في موضعين:
أحدهما: كتاب ((رياض الصّالحين))1في الرّقائق.
وثانيهما: كتاب ((روضة الطّالبين))2في الفقه, ذكره منه في كتاب الجنائز, وقد ذكر الذّهبي3في ذلك وجهاً آخر, وهو أنّ ما يصيب المسلم4في قبره من ضمة القبر ونحوها, من جملة آلام الدّنيا التي يبتلى بها الصّالحون, وهو صحيح على أصول المعتزلة, فإنّ العوض من الله تعالى ممكن في ذلك, وكذلك الاعتبار, فإنّ المكلّفين يعتبرون بذلك حين يعلمونه, وهذا إنّما ذكره الذّهبي في ضمّة القبر لورود النّصّ الصّحيح: ((أنّ القبر ضمّ سعد بن معاذ, وأنّ العرش اهتزّ لموته, وأنّ الله أهبط لموته سبعين ألف ملك))5, ومثل هذا الوجه يمكن في جميع ما يلحق المؤمن في القبر, ويوم القيامة, وتأويل البخاريّ والنّووي أكثر ملاءمة لقوله تعالى: ((لا يحزنهم الفزع الأكبر)) [الأنبياء/103] , ((وهم من فزع يومئذٍ آمنون)) [النمل/89] ونحوذلك.
وقد ذكرت في ((الأصل))6أنّه يحتمل أن يكون7سبباً لعذاب
الميت, والعذاب في نفسه مستحقّ بذنوب عملها الميّت في حال التّكليف, وقد جاء في ((الصحيح))1: ((من نوقش الحساب عُذّب)) ويكون الحكمة في ذلك, وفي الخبر به: الزّجر العظيم عن معصية النّياحة التي هي من عمل الجاهلية.
الوهم السّابع عشر: ذكر المعترض عن الفقهاء أنّهم يجيزون إمامة الجائر, وحكى عن ابن بطّال أنّه قال: الفقهاء مجمعون أنّ المتغلّب طاعته لازمة ما أقام الجمعات والأعياد والجهاد, وأنصف المظلوم غالباً, وأن طاعته خير من الخروج عليه, لما في ذلك من تسكين الدّهماء وحقن الدّماء, ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أطيعوا السّلطان ولو كان عبداً حبشيّاً))2ولا يمنع من الصّلاة خلفه, وكذلك المذموم ببدعة أو فسق.
انتهى إلى قول المعترض: فإذا كان هذا مذهب القوم عرفت أنّهم كانوا من أئمة الجور, الذين قتلوا الأئمة الأطهار, وأنّهم شيعة الحجّاج بن يوسف, بل شيعة يزيد قاتل الحسين - رضي الله عنه - لأنّهم يعتقدون بغي من خرج على المتغلّب الظّالم, كما صرّح به ابن بطّال, ويصوّبون قتل الذين يأمرون بالقسط من النّاس؛ لأنّهم بغاة على قولهم)) انتهى كلامه.
والجواب عليه يتمّ بالكلام على فصول: