: لو فرضنا - والعياذ بالله- خلوّ الزّمان عن الحفّاظ الثّقات, والرّواة الأثبات لما تعذّر الرّجوع إلى السّنة العزيزة, وذلك لأنّ الكتب الصحيحة المتقنة موجودة في المدارس الإسلامية, والعمل بما في الكتب -التي عليها خطوط الثّقات الحفّاظ شاهدة بالصّحة- جائز عند كثير من أهل العلم, وهو الذي يقوى في النّظر ويظهر عليه الدّليل, بل هو الذي أجمع على جوازه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتي, والعجب من المعترض كيف غفل عن ذلك! وهو قول أئمة الزّيدية والمعتزلة كما سيأتي, والعمل بهذا هو المعروف في علم الحديث بـ ((الوجادة))2, وهو أحد أنواع علوم الحديث, وقد ذكرها
ابن الصّلاح في ((علوم الحديث))1وطوّل الكلام فيها, وحكى القول بوجوب العمل بها عن الإمام الشّافعي, وطائفة من نظّار أصحابه في [أصول]2الفقه.
قال ابن الصّلاح -رحمه الله-: ((وما قطع به هو الذي لا يتّجه غيره / في الأعصار المتأخرة, فإنه لو توقّف العمل فيها على الرّواية لانسدّ باب العمل [بالمنقول]3لتعذّر شرط الرّواية فيها على ما تقدّم في النّوع الأوّل)).4
قلت: الذي تقدّم في النّوع الأوّل أنّه لا يجوز للمتأخرين تصحيح الحديث إذا لم ينصّ أحد من المتقدمين على صحّته لعدم خلوّ الإسناد في هذه الأعصار ممن يعتمد على كتابه من غير تمييز لما فيه, هذا كلام ابن الصّلاح5, وقد خالفه النّووي6, وزين الدين بن العراقي, ذكر ذلك زين الدين في ((تبصرته))7وقال: ((هو الذي عليه عمل أهل الحديث, فقد صحّح غير واحد من المعاصرين لابن الصّلاح وبعده أحاديث لم نجد لمن تقدّمهم فيها تصحيحاً كأبي
الحسن بن القطان1, والضّياء المقدسيّ2, والزّكي عبد العظيم3, ومن بعدهم.
قلت: فالأولى ألا يحتج على جواز العمل بـ ((الوجادة)) بما ذكره ابن الصلاح, ألا ترى أنّ الشّافعي جوّز العمل بها مع أنّ زمانه كان زمان إمكان العمل بغيرها, بل سوف يأتي أنّ الصّحابة -رضي الله عنهم- عملوا بها, والدّليل على ذلك حديث: عمرو بن حزم, وقد ذكر طرقه الحافظ ابن كثير في ((إرشاده))4, وقال بعد ذكر الاختلاف في بعض طرقه: ((وعلى كلّ تقدير؛ فهذا الكتاب متداول بين أئمة الإسلام قديماً وحديثاً, يعتمدون عليه, ويفزعون في مهمّات هذا الشأن إليه, كما قال يعقوب بن سفيان5: ((لا أعلم في جمع الكتب كتاباً أصحّ من كتاب عمرو بن حزم؛ كان الصّحابة6والتّابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم)).
وصحّ عن ابن المسيّب: أنّ عمر ترك رأيه ورجع إليه.
قال ابن كثير: ((رواه الشّافعي و [النّسائي]7بإسناد صحيح إلى ابن المسيب)).
ونحن نبيّن للمعترض أنه غفل عن مذاهب أسلافه في هذا فنقول: ممّن أجاز هذا ونصّ عليه من الزّيدية والمعتزلة الإمام المنصور في كتاب: ((صفوة الاختيار)) في أصول الفقة, [و]1ادّعى إجماع الصّحابة على ذلك لرجوعهم إلى كتاب عمرو بن حزم, وصرّح أنّهم عوّلوا على مجرّد الخطّ لما غلب على ظنّهم صحّته.
قلت: ظاهر كلام المحافظين: يعقوب بن سفيان, وابن كثير: دعوى إجماع الصّدر الأوّل على قبول حديث عمرو بن حزم, وذلك يقتضي دعوى الإجماع على جواز العمل بـ ((الوجادة)) كما ذكره المنصور.
ومنهم: الإمام يحيى بن حمزة, فإنّه ذكر في ((المعيار))2جواز العمل بذلك مع ظنّ الصّحة, قال: ((وهو قول أبي يوسف ومحمد, واختاره ابن الخطيب الرّازي)).3
ولكنّ الإمام يحيى قال: ((يجوز العمل بذلك دون الرّواية, لأنّ العمل إنّما مستنده الظّنّ)).
وقال الإمام محمد بن المطهّر في كتاب ((عقود
العقيان))1: ((إن ذلك جائز عنده وعند والده, وأنه مستند للعمل والرّواية, وحكاه عن الإمام أحمد بن سليمان, والمنصور بالله)).
قال: ذكره المنصور بالله في ((الصفوة)) وغيرها.
وقال المحسّن بن كرّامة المعتزلي2المعروف بالحاكم في ((شرح العيون))3: ((إنه قول الشّافعي وأبي يوسف, ومحمد, وأكثر العلماء: فيما4وجد بخطه في كتابه وعلم أنّه سمعه على الجملة ولا يعلم أنه سمعه مفصّلاً؛ [فإنّه يجوز أن يرويه]5)).
لكنّه قال في ((الاحتجاج)): ((إنّ الصحابة كانوا يروون من الكتب من غير نكير, وكان بعضهم يعمل على كتاب بعض, وكان عمر يكتب إلى عمّاله وقضاته فيعملون بذلك, وكذلك كتب النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وروى الشيخ أبو الحسين في كتاب ((المعتمد))6عن الصّحابة مثل ذلك, ذكره محتجاّ به / على جواز مثله.
وقال عبد الله بن زيد في ((الدّرر المنظومة)): ((لا خلاف أنّه متى عرف خطّه أو خطّ أستاذه, وعلم أنّه لا يكتب إلاّ ما سمعه قبلت روايته, وإنّما اختلفوا إذا ظنّ أنّه خطّه أو خطّ أستاذه فمذهبناً أنّه تقبل روايته, وهو مذهب طائفة من العلماء)) , واحتجّ بعمل النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك, وكذلك الصحابة.
وبهذا الوجه العاشر نجيب على من يجيز خلوّ الزّمان من المجتهدين مع بقاء الأمّة على الهدى, محتجّاً بأنّ طلب الاجتهاد -وإن كان فرض كفاية- فقد سقط عنهم بموت العلماء, فلا يكونون1مجتمعين على ضلالة, وكيف يصح هذا العذر وقد استنبط الأوائل العربيّة و [الأصلين]2من غير شيوخ, فالحال في هذه الفنون واحدة.
بل هي اليوم أيسر قطعاً, كيف لا وقد قطع النّقاد أعمارهم في فنون كثيرة في تسهيل صعبها3, وإيضاح غامضها وجمع متفرّقها؟! وقد أمكن استنباطها قبل ذلك, فكيف بعده؟! وأمّا علوم السّماع فهي أسهل العلوم على مريدها, وإنّما تسهّلت وتمهّدت في هذه الأعصار الأخيرة.4
وإذا كانت الصّحابة عملت بـ ((الوجادة)) -مع قرب عهدهم- واحتاجت إلى ذلك فيكف بنا؟.
وأمّا قول قطب الدّين الشّيرازي في ((شرح مختصر المنتهى))1: ((إنه يمكن أن يجاب بمنع كون التّفقّه في الدّين فرضاً مع إمكان معرفة العوامّ أحكام الشّرع بالنّقل المظنون عن العلماء السّابقين, فهو ضعيف جداً؛ لإمكان وقوع حادثة غير منصوصة لمن تقدّم, ووجود من لا يستجيز ويرى الفتوى2بأقوال المجتهدين ولإمكان وجود مكلّفين لا يستجيزون تقليد الميّت, ولأنّ حديث ابن عمرو3الصّحيح يقتضي أنّ أهل الزّمان الخالي عن العلماء ضالون, المفتي منهم والمستفتي, ولا شكّ أنّ المفتي المقلّد لا يسمّى عالماً, فدلّ هذا على أنّ التّقليد لو كان يقوم مقام العلم ما استحقّ المفتي أن
يسمّى مُضِلاً والمستفتي مُضَلاً, وقد سمّاها بذلك في الحديث الصّحيح.1
والله سبحانه أعلم.