الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسى
على هذه الصّفة, وأراد أن يقتله دفع موسى عن نفسه.
فإن قلت: أليس في الحديث أنّ ملك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: يا ربّ أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وهذا يدلّ على أنّه قد أخبره أنّه ملك الموت, وأنّه جاء لقبضه.
والجواب: أنّ هذا لا يدلّ على معرفة موسى لملك الموت, لأنّ معرفة ملك الموت لكراهة موسى للموت لا تستلزم معرفة موسى للملك بنصّ ولا مفهوم, ولا معقول ولا مسموع, ولو أنّ الملك جاء على صورة البشر وادّعى أنه ملك, ولم يظهر لموسى ما يدلّ على صدقه, ولا خلق الله فيه علماً ضروريّاً بذلك, لم يكن لموسى أن يصدّقه في ذلك, وإلا جاز أن يدّعي بعض شياطين الجنّ أو الإنس مثل ذلك على الأنبياء -عليهم السّلام- ويجوز عليهم, وهذا ما لا يجوز أبداً.
ويدلّ على ما ذكرناه من عدم1معرفة موسى للملك: أنّه قد ثبت في الحديث الصّحيح أنّ الله تعالى لا يقبض نبيّاً حتّى يخيّره2, فلمّا جاء ملك الموت لقبض روح موسى من غير تخيير, أمكن أن يكون موسى قد علم أنّه لا يقبض حتّى يخيّر, فشكّ في صدقه لذلك, والذي يدلّ على هذا دلالة ظاهرة, أنّه قد ورد في هذا الحديث بعينه أنّ
ملك الموت لما رجع إلى موسى - عليه السلام - وخيّره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم, ويؤيد هذا أنّ الله تعالى لو أراد موته في المرة الأولى, وتسليط الملك عليه لنفذ مراد الله فيه, ولم يقدر على دفع ملك الموت, ولكن الله تعالى أراد الذي كان منه لحكمة بالغة, وليعلم من يثبت إيمانه, ومن يستحوذ عليه شيطانه, كما قال تعالى في تحويل القبلة: ((وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه)) [البقرة/143] وبمثل هذه الأمور يميز الله الخبيث من الطّيب, والمؤمن من المتريّب, نسأل الله أن يثبّت قلوبنا على الإيمان, ويعصمنا من وساوس الشّيطان.