أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهم أنّ مروان بن الحكم عند المحدّثين من أهل التّقوى والصّلاح, واحتجّ بروايتهم عنه على أنّهم يقبلون الفسّاق والمجاريح, ويعتقدون عدالته لإخراج حديثه في الصّحيح, وليس كذلك فإنّهم لا يجهلون ماله من الأفعال القبيحة, والمعاصي الموبقة, وأنا أورد من كلامهم فيه ما يدلّ على ذلك.
قال الذّهبي في: ((ميزان الاعتدال في نقد الرّجال))2ما لفظه: ((مروان بن الحكم, له أعمال موبقة, نسأل الله السّلامة, رمى طلحة بسهم, وفعل وفعل)).
وذكره الذّهبي في ((النّبلاء))3وساق من أخباره حتّى قال ما لفظه: ((وحضر الوقعة يوم الجمل فقتل طلحة ونجا فليته ما نجا4)).
هذا لفظ الذّهبي.
فلو كان عنده من أهل التّقوى والصّلاح ما تمنى له الهلاك وكره له النّجاة, وقد نصّ في ((الميزان)) على: أنّ له أعمالاً موبقة, وهذا تصريح بالتّفسيق.
وروى الذّهبي في ((النّبلاء))5عن الحسين بن عليّ -رضي الله

عنهما- أنّه قال لمروان: والله لقد لعنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت في صلب أبيك.
ولم يذكره الذّهبي بخير, وإنّما ذكره بالمكر والدّهاء.
وروى الذّهبي في ((النّبلاء))1أن مروان هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة - رضي الله عنه - , ذكر ذلك في ترجمة طلحة.
وقال أبو محمد بن حزم في ((أسماء الخلفاء))2في ذكر خلافة ابن الزبير وقد ذكر بعض مساوي مروان: ((وهو أوّل من شقّ عصا المسلمين بلا تأويل ولا شبهة, وقتل النّعمان بن بشير أوّل مولود في الإسلام في الأنصار صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) , وذكر أنّه خرج على ابن الزّبير بعد أنّ بايعه على الطّاعة.
وقال أبو السّعادات ابن الأثير في كتاب ((النهاية))3في حرف الفاء مع الضّاد: ((قالت عائشة لمروان: أنت فضض من لعنة الله, أي: قطعة وطائفة منها.
ورواه بعضهم فظاظة من لعنة الله بظانين, وهو من الفظيظ وهو ماء الكرش.
وأنكره الخطّابيّ.
وقال الزّمخشريّ: افتظظت الكرش: اعتصرت ماءها, كأنّه عصارة من اللّعنة, أو فعالة

من الفظيظ: ماء الفحل, أي: قطعة من اللّعنة)) انتهى بلفظه من ((نهاية)) ابن الأثير.
وممن ذكر مروان: أبو عمر بن عبد البرّ في ((الاستيعاب))1ولم يذكره بديانة /ولا وصفه بخير, بل روى عن عليّ - رضي الله عنه - أنّه نظر إليه يوماً فقال: ويلك, وويل أمّة محمد منك, ومن بنيك إذا شابت ذراعك.
قال ابن عبد البرّ: وكان يقال له: خيط باطل, وفي ذلك يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم لما بويع لمروان بالإمارة: فوالله ما أدري وأنّي لسائل... حليلة مضروب القفا كيف يصنع لحا الله قوماً ملّكوا خيط باطل... على الناس يعطي من يشاء ويمنع2وكان أخوه عبد الرحمن شاعراً محسناً, وكان لا يرى رأي مروان, وإنّما قال له: مضروب القفا؛ لأنّه ضرب يوم الدّار على قفاه فخرّ لفيه, ومما قال فيه أخوه عبد الرحمن: وهبت نصيبي فيك يا مرو كلّه... لعمرو بن مروان الطّويل وخالد فكلّ ابن أمّ زائد غير ناقص... وأنت ابن أمّ ناقص غير زائد وأنشد ابن عبد البرّ لغير أخيه في هجوه شيئاً تركته لأنّه قد أقذع فيه, وذكر أنّه لم ير النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ورواه عن البخاريّ.3

فهذه جملة تدلّ على معرفتهم بحاله, وخبرتهم بسوء فعاله. وأمّا روايتهم عنه بعد هذا؛ فلا تدلّ على تعديله عندهم في أمر دينه بالإجماع, وإنّما على اختلف العلماء في الرّواية من غير تصريح بالجرح؛ هل تدلّ على توثيق المرويّ عنه, مع أنّ المختار: أنّها لا تدلّ على ذلك كما ذكره ابن الصّلاح في ((علوم الحديث)).1
وذكره يحيى بن حمزة في ((المعيار)).
وقد روى زين العابدين عليّ بن الحسين, وعروة بن الزّبير عن مروان, ولم يدلّ ذلك عن عدالته عندهما, ولا اعترض بذلك أحد عليهما, وكذلك رواية المحدّثين عنه.
فإن قلت: فلم رووا عنه؟ قلت: على سبيل التّقوّي والاستشهاد, مع الاعتماد على غيره كما ذكرنا ذلك في الرّواية عن الوليد, فقد يفيد خبر الفاسق الظّنّ, وكلّما أفاد الظّنّ حسن وأوجب2إيراده ليستعمل في التّرجيح عند التّعارض, سيمّا وقد قال عروة بن الزّبير: إنّ مروان لم يكن يتّهم في الحديث, فدلّ على أنّه صدوق يصلح خبره للاستشهاد والتّرجيح عند التعارض, ولا يعتمد عليه إذا انفرد, وقد بيّنّا في جواب كلام هذا المعترض في الفصل الأوّل من المسألة الثّانية3أنّ صاحبيّ ((الصحيح)) قد يخرّجان حديث من هذه صفته لوجود شواهد ومتابعات لم يتّسع كتابهما لذكرها مع قصد

الاختصار, وروينا ذلك عن مسلم تنصيصاً, وعن البخاري تخريجاً1صحيحاً, فخذه من موضعه.
ويدلّ على ذلك أنّ أحاديث مروان التي رووها عنه في الكتب السّتّة2أحاديث مشهورة عن الثّقات.
ومن هنا قال عروة بن الزّبير: لم يكن يتّهم في الحديث مع أنّها يسيرة: فمنها حديث: قصة الحديبية /, وحديث: وفد هوزان, وقصة سهيل بن عمرو, وهذه رواها البخاريّ3عنه مقروناً بالمسور بن مخرمة مع شهرتها, أو تواترها عند أهل العلم بالسّير: ومنها سبب النّزول في قوله تعالى: ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:95]. وقد رواها معه قبيصة بن ذؤيب. ومنها قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأعراف في صلاة المغرب, وقد روى هذا عن عائشة بإسناد صحيح في النّسائي.4
ومنها أثر موقوف عن عثمان في فضل الزّبير, وهذا لا بأس به فإنهم يتسامحون في أحاديث الفضائل.

ومنها قصة عثمان وعلي -رضي الله عنهما- في اختلافهما في متعة الحجّ, وهي مشهورة من غير طريقه.
ومنها حديثه في صلاة الخوف, وقد رواه عروة بن الزّبير.
وبالجملة؛ فلم يرو مروان في الكتب السّتّة إلا عن ستّة: علي, وعثمان -رضي الله عنهما- وزيد بن ثابت, وأبي هريرة, وبسرة1, وعبد الرحمن بن الأسود, وقد ذكرت جميع من روى عنهم ههنا إلا عبد الرحمن بن الأسود, فلم أظفر بروايته عنه2وقت تعليق هذا الكتاب لبعدي عن أهل الحديث, وعدم وجود مصنّفاتهم الحافلة, وسوف ألحق ذلك إن شاء الله تعالى, فإن عاق الموت فالمنّة لمن أفاد ذلك.3

وأمّا قول مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر: هذا الذي نزلت فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف:17].
فما أظنّ البخاري أورده إلا لبيان أثر عائشة الذي ردّت به عليه1, وإلا فهذا مرسل عند البخاري فإنّه نصّ على أنّ مروان لم ير النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - مع أنّه ليس تحته حكم شرعي, وأمّا عبد الرحمن بن الصّدّيق -رضي الله تعالى عنهما- فما يضرّه ذلك على تقدير صحّته فقد كان مشركاً بلا ريب, ولكنّه أسلم وآمن, والإسلام يجبّ ما قبله, وقد كان لأفاضل الصّحابة قبل الإسلام أفعال لا حاجة لذكر شيء منها, وإنّما هذا من جملة قبائح مروان, فالله المستعان.
واعلم أنّه لا يصحّ أن يعترض على المحدّثين حتّى يعلم أنّهم رووا عن مروان حديثاً في الحلال والحرام, وحكموا بصحّته, ولا طريق له عن سواه في الكتب السّتّة, ولا في غيرها, وبعد العلم بهذا يعترض عليهم بأنّهم خالفوا قواعدهم فقط, وأمّا مخالفة الإجماع فلا يصحّ الاعتراض عليهم بذلك, لوجه ليس هذا موضع ذكره.
ويلحق بهذا فائدة ينبغي ذكرها, وذلك أنّه قلّ ما عرض ذكر الحكم, ومروان بن الحكم إلا وعرض في الخاطر ذكر ما فعله عثمان

  • رضي الله عنه - من إيواء الحكم إلى المدينة بعد تطريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له عنها, فالسّنّي يحبّ معرفة وجه ذلك, وغيره يحبّ التّعرّض بذلك للقدح في عثمان - رضي الله عنه - /, فأحببت أن أذكر الوجه في ذلك فأقول: قد خاض النّاس في ذلك خوضاً كثيراً قديماً وحديثاً, ولم يحضرني وقت كتابة هذا الجواب شيء من هذه الكتب المذكور ذلك فيها فأنقل ما قال العلماء في ذلك, ولا حفظت في ذلك ما يقنع, إلا ما ذكره الحاكم المحسّن بن كرّامة المعتزلي المتشيّع في كتابه: ((شرح العيون)) فإنّه ذكر فيه: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن في ذلك لعثمان - رضي الله عنه - , وهذا الجواب مقنع إن صحّ الحديث لكنّي لم أعرف صحّته.
    فأمّا المعتزلة والشّيعة من الزّيديّة وغيرهم؛ فيلزمهم قبوله, وترك الاعتراض على عثمان بذلك, لأنّ راوي الحديث عندهم من المشاهير بالفقه والعلم وصحّة العقيدة, إلا فيما يقدح به من الاختلاف في فروع الكلام ومالا يخرج من الولاية.
    وأمّا دلالة الجواب المقنع عند النّقّاد فهو ما ألقاه الله تعالى على خاطري في ذلك فأقول: غير خاف على1من [له]2أنس بقواعد العلماء أنّ أفعال النّبي - صلى الله عليه وسلم - عند المحققين لا تدلّ بنفسها على3الوجوب, ولا على النّدب, وإنما تدلّ على الإباحة, وذلك لأنّه - عليه

السلام - كان يفعل المباح والمندوب والواجب, وإنّما القدر المقطوع به أنّه لم يكن يفعل المعاصي المحرّمة, فإن فعل شيئاً من الصّغائر سهواً لم يقرّ عليه, وبين الله تعالى ذلك لئلاّ يبطل الاحتجاج بأفعاله.
قال المحقّقون: فإذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلاً نظرنا هل دلّت القرائن على أنّه فعل ذلك متقرّباً [به]1إلى الله تعالى أولا, فإن لم تدلّ على ذلك القرائن, لم يستحب التّأسّي فيه, وكان [ما]2فعله على الإباحة: من شاء فعله, ومن شاء تركه؛ واحتجّوا على ذلك بحجج يطول ذكرها وتقريرها.
منها: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَاً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ [الأحزاب:37].
فلم يوجب على المؤمنين نكاح أزواج أدعيائهم.
وثانيها: حديث: ((لم خلعتم نعالكم))3, فأنكر الاقتداء قبل معرفة وجه فعله, وقول بعضهم إنّه أقرّهم على استدلالهم غير مسلّم, بل ردّ عليهم: ((إنّ جبريل أخبرني أنّ فيهما قذراً)) , والحديث صحيح

على شرط مسلم, وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
(2 وثالثها: أنّه - عليه السلام - لما صلّى بهم خمساً فتابعوه, فقال لهم: ((إنّه لو حدث أمر لأنبأتكم به))1أو كما قال2, رواه البخاري ومسلم, ولفظهما ((إنّه لو حدث في الصّلاة شيء أنبأتكم به)).
ورابعها: إقراره - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب على خلاف رأيه في قصّة/ أسرى بدر وقوله لعمر: ((لقد3عرض عليّ عذاب أصحابك)) الحديث4, وذلك لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالموافقة ويوجبها عليه.
وخامسها: أنّ بعض أفعاله - عليه السلام - غير واجب إجماعاً وما كان بعضه غير واجب لم يدلّ كلّ فرد منه على الوجوب.
وسادسها: أنّه - عليه السلام - لو فعل شيئاً معتقداً لإباحته, أو ناوياً للتّنفّل به, وفعلناه معتقدين بوجوبه ملزمين للعامّة فعله وتحريم تركه لم يصدق علينا التأسّي الذي أمرنا به, ولكنّا إلى مخالفته أقرب منّا إلى الاقتداء به, ولهذا أمثلة كثيرة: منها: إنّه لا5يستحب لنا الطّلاق, ولا يجب علينا مع أنّه - صلى الله عليه وسلم -

قد طلّق حفصة, مع أنّ الطّلاق أبغض المباح إلى الله.
وكذلك قد ترك القسم لسودة لما كبرت, ووهبت نصيبها لعائشة, فدلّ على إباحة مثل ذلك دون استحبابه أو وجوبه.
وكذلك قد أمر بالاقتصاص له في مرضه ممن لدّه, ولا يدلّ ذلك على استحباب القصاص, وكراهة العفو, لأنّه - عليه السلام - لم يقصد التّقرّب بهذه الأفعال, ولا دلّت على ذلك القرائن.
فإذا تقرّر ذلك؛ فاعلم أنّه لا يدلّ دليل على أنّه - عليه السلام - طرد الحكم معتقداً لوجوب ذلك عليه, وعلى أمّته بل الظّاهر خلاف ذلك لوجوه: الأول: أنّه - عليه السلام - لم يوجب ذلك, ولا أمر به, والبيان واجب عليه.
الثاني: أنّه لم يطرده من دار الإسلام, بل طرده من جواره فقط, وتركه في الطّائف مع المسلمين, وأمره - عليه السلام - نافذ في الطّائف.
الثالث: أنّه لم يخبر أهل الطّائف أنّه يحرم عليهم مجاورة الحكم, ويجب عليهم نفيه, وهم مسلمون ممتثلون لأوامره, وتقريره أحد الحجج.
الرّابع: أنّه لو وجب نفيه؛ لم يكن إلا لأجل فسقه أو كفره, ولا ذنب أكبر من الكفر, وقد ترك - عليه السلام - المنافقين واليهود في جواره, وأجمعت الأمّة على جواز إقرار اليهود بين المسلمين إلا في

جزيرة1العرب.
فإن قلت: لم نفاه - عليه السلام -. قلت: تعيّن الوجه في ذلك لم يلزم, والظّاهر أنّه نفاه لأحد أمرين أو مجموعهما.
أحدهما: أنّه كان يظهر أسرار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهذا قد زال في وقت عثمان.
ثانيهما: أنّه كان يمشي مثل رسول الله2- صلى الله عليه وسلم - /مستهزئاً نعوذ بالله.
فإن قلت: فكيف وصله عثمان, وآواه مع ذلك؟.
قلت: لأنّه من رحامته الماسّة, فهو عمّه صنو أبيه, وقد أمر الله بصلة الأرحام, وإن كانوا مشركين, قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] , ولم يكن [للحكم]3من الحق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يوجب الصبر عليه, وقد يختلف التّكليف في ذلك.
ألا ترى أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره النّظر إلى وحشي قاتل حمزة4, ولم يستلزم ذلك أن يستحبّ لأولاد وحشي وزوجته, وسائر أرحامه

أن يقطعوا ما أمر الله بوصله1من رحامته, وهذه كراهية طبيعية لأنّه - عليه السلام - , لم يكره النّظر إلى من تاب من الشّرك, مع أنّه أعظم الذّنوب, وقد قال - عليه السلام -: ((أللهم إنّي آسف كما يأسف بنو آدم))2الحديث, وليس من رقّ لرحم من أرحامه ممن غضب عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدّ مخالفاً له - عليه السلام - , فقد رقّ العبّاس عمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقريش في قصّة الفتح, وخاف أن تستأصل شأفتهم, فسار الليل إليهم وأخبر أبا سفيان بخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وجاء به, وأقرّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك, وقد كان عثمان شفيقاً رحيماً, وقد فعل مثل هذا في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلم ينكر عليه, وذلك أنّه شفع بوم الفتح في أخيه من الرّضاعة: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أمر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقتله, وقد عفا عليّ - عليه السلام - عن مروان بن الحكم يوم الجمل وقال: أدركتني عليه رحم ماسّة3, بل قد قال نوح - عليه السلام -: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ﴾ [هود:45] , مع أنه

الذي قال: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:26].
فما خصّ ولده إلا لرحامته.
وأمّا صلة عثمان للحكم ولغيره من قرابته بالأموال الكثيرة, فلا شكّ أنّه ابتلي بقرابة سوء, فكان يتألّفهم, وله حجّة واضحة في فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين, وإعطائه المنافقين دون المؤمنين, فإنّ مئة ناقة لواحد من المنافقين في زمانه - عليه السلام - أكثر مما أعطاهم عثمان بالنّظر إلى زمانه, فإنّ الأموال في زمانه كانت قد كثرت كثرة /عظيمة.
الوهم الرابع: قال في الاحتجاج على أنّ المحدّثين يروون في الصّحيح عن فسّاق التّصريح ما لفظه: ((ومنهم المغيرة بن شعبة زنى)) , [هكذا]1رماه بالزّنا!.
والجواب عليه في هذا هو: النّصّ المحكم القرآني قال الله تعالى: ﴿لَولاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذَا لَمْ يَأتُوا بِالشُهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ [النور:13] قال تعالى: ﴿وَلَولاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:16] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعلَمُونَ﴾ [النور:19].
فإن كان [قد]2توهّم أنّ ذلك قد صحّ ولم يبق فيه شك؛ فليس الأمر كذلك, فلو صحّ الزّنا من المغيرة لحدّه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - , ولو صحّ

عنه, ولم يحدّه عمر؛ لانكر ذلك الصّحابة -رضي الله عنهم- فكيف يقتحم المعترض هذه المهواة العظيمة, ونسي ما عظّم الله من شأنها, فإنّه تعالى لم يجعل إليها سبيلاً إلا بعد كمال نصاب الشّهادة, فقد كان الرّجل يأتي إلى النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيقرّ بالزّنا, ويعترف بالفاحشة فيعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ويتطلّب له العذر بعد الإقرار, ويقول: لعلّك لمست, لعلّك قبّلت, حتّى لا يجد سبيلاً إلى الشّكّ ولا طريقاً إلى الاحتمال.
وهذا المعترض على أهل السّنّة عكس ما يلزم من الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورمى بالزّنا من غير ثبوته, ولا إقامة شهادة, ولا حكاية عن شاهد, مع نقصان نصاب الشّهادة, ودعوى المغيرة للبراءة بل للزّوجية كما يأتي.
الوهم الخامس: قال: ((فإن يعتد بشهادة هؤلاء في الجرح لا في الحدّ؛ فالمغيرة مجروح وإن لم يعتد بشهادتهم, فأبو بكرة قاذف وصاحباه, ولا يروي عن واحد منهم الرّواة)).
والجواب: أنّه توهّم أنّ الشّهادة على الزّنا إذا لم يتمّ نصابها كانت قذفاً, فلا يخلو إمّا أن يريد: أنّ ذلك على سبيل القطع أو الظّنّ, فإن قال على سبيل الظّنّ؛ فذلك مسلّم ولا يضرّ تسليمه, أمّا أنّه مسلّم؛ فلأنّ أدلّة المسألة ظنّيّة, وهي خلافية بين العلماء.
قال في: ((نهاية المجتهد))1: ((والشّهود عند مالك, وكذا عند الشّافعيّ إذا كانوا أقلّ من أربعة قذفة؛ وعند غيره2ليسوا قذفة,

فجعل القول بأنّهم غير قذفة؛ هو قول الأكثرين من الفقهاء, وكلام الفقهاء في المسألة معروف /لا حاجة إلى التّطويل بذكره.
وقال الحاكم المعتزلي في ((شرح العيون)) , ما لفظه1((ألا ترى أنّ من شهد بالزّنا لا يؤثّر حاله, ومن قذف بالزّنا أثر))؟ فنصّ على الفرق بين الشّهادة والقذف, والظّاهر أنّ المعترض حفظ من أصحابه في مذاكرة الفقه: أنّ الشّاهد قاذف إذا لم تكمل الشّهادة, فقلّدهم في ذلك, وظنّ أنّ هذا يقتضي القدح على2من خالف في هذه المسألة, وقبل الشّاهد, ووثّقه وإن لم يتمّ نصاب الشّهادة, وليس الأمر كما توهّم, فإنّه لو لزم القدح بمسائل الخلاف3الفقهية لزم جرح جميع المخالفين, بل الذي ذهب إليه أصحاب المعترض أنّ الشّاهد قاذف عندهم؛ فلا يقبلونه لمذهبهم فيه, ولا يعترضون على4من قبله وينسبونه إلى [قبول]5الفسقة, وتعديل الكذبة, كما لا يلزم ذلك في سائر مسائل الخلاف الخلاف في شروط الشّاهد والرّاوي.
وأمّا إن قال المعترض: إنّه قاذف على سبيل القطع؛ فهذا غير مسلّم لأنّ المسألة شرعية ظنيّة لا عقليّة, وليس فيها نصّ قاطع متواتر اللفظ, معلوم المعنى, غير محتمل للتّخصيص والنّسخ والمعارضة, ولم يبق إلا القياس, ولا يصح أن يكون قاطعاً مطلقاً, وإن سلّمنا أنّه

يكون قاطعاً في بعض المواضع فلا يصحّ ذلك ههنا لوجدان الفروق المانعة من ذلك, فإنّ بين الشّاهد والقاذف فروقاً كثيرة لا يصحّ معها القطع, ألا ترى أنّه يشترط في الشّاهد العدالة, ولا يشترط في القاذف, ويشترط العدد المخصوص في الشّهادة ولا يجب في القذف أن يكون القذفة أربعة, وإذا قذف أربعة رجلاً بالزّنا, وجب عليهم إقامة الشّهادة, ولو كانت الشّهادة قذفاً؛ لكان القذف من الشّهادة, ولو كان منها لتمّ نصابها بقذف أربعة ولم يجب عليهم إقامة شهادة, فثبت بهذا أنّ الشّاهد غير قاذف, وأنّ المسألة ظّنّيّة, إلا من ذهب إلى ذلك فإنّه يعمل بمقتضى مذهبه, من غير اعتقاد جرح, ولا اعتراض على من لم يوافقه في المذهب, على أنّ جرح القاذف الجاهل بتحريم القذف أو الموافق بإقامة الشّهادة مما يخالف القياس, فلا يقاس الشّاهد في مثل هذه الصّورة على النّصّ الوارد /فيه, على القول المنصور في الأصول.
الوهم السادس: توهّم المعترض أنّه هؤلاء1الشّهود الثّلاثة إذا لم يكونوا قاذفين وجب جرح المغيرة بالزّنا الذي أخبروا به, وظنّ أنّه لا مخرج من هذا السؤال, وليس الأمر كما توهّم, بل يجوز أن يصدقوا فيما شهدوا به من نكاح المغيرة لامرأة لم يعلموا أنّها له زوجة, ويجوز مع ذلك أن لا يجرح بذلك المغيرة لتجويز غلطهم في الشّهادة, فقد روى ابن النّحوي في: ((البدر المنير)): أنّ المغيرة ادّعى

في تلك المرأة التي رموه بها أنّها له زوجة, قال: وكان يرى نكاح السّرّ, وروي أنّه كان يتبسّم عند شهادتهم, فقيل له: في ذلك؟ فقال: إنّي أعجب مما أريد أن أفعله بعد شهادتهم, فقيل: وما تفعل؟ قال: أقيم البيّنة أنّها زوجتي.
ذكره في ((البدر المنير)) وذكر أنّه كان كثير الزّواجة وأنّه أحصن بثلاثمائة امرأة.
وأمّا ما ذكره المعترض من أجل دخول المغيرة في الفتن فسيأتي الكلام على ذلك في (المسألة الثالثة)1عند ذكر أهل التّأويل, واختلاف النّاس في أحكامهم, وقد أثنى صاحب الرّسالة على أبي بكرة بالدّيانة والتّحرّي, وهو كما وصف لكن على غير قاعدته, فإنّه قد جرح من قعد عن نصرة عليّ - رضي الله عنه - فدلّ ذلك على جهله بحال أبي بكرة, وعدم معرفته بتشدّده في تحريم قتال أهل القبلة, حتّى حرّم المدافعة [عن]2النّفس, وكان ينكر على المتقاتلين من الطائفتين, ولكنّه متأوّل متحرّ للصّواب, وفعله -كما قال عليّ في فعل ابن عمر- إن كان حسناً إنّه لعظيم, وإن كان ذنباً إنّه لصغير. رواه الذّهبي.3
الوهم السابع, قال: ((ومنهم أبو موسى الأشعري, نزع علياً... - عليه السلام - الذي ولاّه الله ورسوله, إنّه على الله لجريء, وأقام معاوية بن أبي سفيان القدريّ)).

والجواب: أنّ هذا وهم فاحش لا يجهله من له أدنى تمييز, فإنّ أبا موسى لم يقم معاوية بل خلعه, وكان يريد أن يقيم عبد الله بن عمر بن الخطاب, وكان قد واطأ عمرو بن العاص على ذلك على ما هو مبسوط في كتاب التّاريخ. وقد اشتهر في كتب التّاريخ أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى: ((أمّا بعد, فإنّ عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد, وأقسم بالله لئن بايعتني على الذي بايعني لأستعملنّ أحد ابنيك على الكوفة, والآخر على البصرة, ولا يغلق دونك باب, ولا تقضى دونك حاجة, وقد كتبت إليك بخطّي فاكتب إليّ بخطّ يدك)) فكتب إليه: ((أما بعد فإنك كتبت إليّ في جسيم الأمّة, فماذا أقول لربي إذ ما قدمت عليه, ليس لي في ما عرضت حاجة.1
وهذا يدلّ على براءته من الجرأة على الله التي اجترأ المعترض على الله في غيبته بها.
فقد كان متعبداً متزهداً صوّاماً قوّاماً, وقد تولّى البصرة فلم يخرج منها إلا بست مئة درهم, وكان خراجها عشرة آلاف ألف أربعمائة ألف.
روى ذلك الذّهبي في ((النبلاء))2, وروى فيه3عن الشّعبي4[عن شقيق]5عن حذيفة أنّه تكلم في أبي موسى بكلام

يقتضي بأنه منافق.1
ثمّ قال: ((في الشّعبي تشيّع يسير)).
انتهى.
وقد قال الشّعبيّ: حدثناهم بغضب أصحاب محمد /فاتخذوه دينا.
وعندي أنّ هذا لا يصدّق, فإنّه معارض بما هو أصحّ منه بل بما2هو معلوم الصّحّة, وذلك أنّ حذيقة وإن كان صاحب العلم بالمنافقين, فبغير شكّ أنّه إنّما أخذ العلم بذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولّى أبا موسى على اليمن مصدقاً وقاضياً, وكان يفتي وقضي في بلدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , في زمنه - صلى الله عليه وسلم - , وفي أيّام الخلفاء الرّاشدين -رضي الله عنهم-, وكانت حال المنافقين أحقر من ذلك, فلم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليولّي القضاء منافقاً ويقرّه على الفتيا, وكذلك أصحابه -رضي الله عنهم- فهذا أمر معلوم بالضّرورة, ولا يعارض بحديث مظنون, ومن الأحاديث المظنونة في الثّناء على أبي موسى ما رواه مالك بن مغول وغيره, عن أبي بُريدة , عن أبيه بريدة عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في أبي موسى: ((إنّه مؤمن منيب)) لمّا قال له بريدة: أتراه يرائي؟ قال - عليه السلام -: ((بل مؤمن منيب)).3

ولو كان منافقاً لاغتنم الفرصة حين حكّمه عليّ, ومال إلى الدّنيا وتابع من أعطاه منها, ولم ينظر للمسلمين.
ولو كان كذلك؛ لما اختار عبد الله بن عمر للخلافة, فإنّ عبد الله من أئمة التّقوى, ومعادن الزّهادة في الدّنيا, والمنافق إنّما يحبّ أهل الفسق والجرأة.
وأيضاً فإنّ أبا موسى استمرّ على العبادة, والاجتهاد في المدّة الطويلة من أوّل إسلامه إلى أن انقضت خلافة الخلفاء -رضي الله عنهم-, والمنافق ينجم1نفاقه, ولا تستمر له [الاستقامة]2على الدّيانة.3
ولما قرب موته اجتهد في العبادة اجتهاداً شديداً, فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك؟ فقال: إنّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها, أخرجت جميع ما عندها, والذي بقي من أجلي أقلّ من ذلك.
ثمّ إنّه من السّابقين إلي الإسلام قبل ظهوره, والمتحمّلين لمشقّة الهجرة, وترك المال الوطن, وقد قرن الله الخروج من الدّيار بقتل الأنفس, وليس في المنافقين من أسلم من غير تقيّة, فكيف يتصوّر أن يسلم في أرض بعيدة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم4يظهر فيها الإسلام, ثمّ

يهاجر إلى مثلها. فإنّه من مهاجرة الحبشة, فمن يرائي بذلك, وإلى أيّ غرض يتوصّل؟ فقبّح الله من يجترىء على الله ببهت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فإن كان صدر من حذيفة شيء من ذلك فلعلّه تأوّل في ذلك وغلط فيه, وربّما أخذ ذلك من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الإمام عليّ... - رضي الله عنه -: ((لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)).1
وأخذ بغضه لعليّ - رضي الله عنه - من تخلّفه عنه, وهذا كلّه ضعيف, فإنّ التّخلّف لا يدلّ على البغض, ولا يستلزم استخراج النّفاق, فقد تخلّف عنه من أعيان الصّحابة مثل: ابن عمر, وعمران بن حصين, -الذي كانت الملائكة تسلم عليه- وأبي سعيد الخدريّ, وأسامة بن زيد حبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهو الذي قال لعليّ - رضي الله عنه -: والله لو كنت شدق الأسد ما تخلّفت عنك, ولكنّي أقسمت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا قاتلت بعده أحداً ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
على أنّ بغض علي - رضي الله عنه - إنّما كان علامة للنّفاق في أوّل الإسلام, فإنّ المنافقين كانوا يبغضون من كان فيه قوّة على الحرب لكراهتهم لقوّة الإسلام, ولذلك جاء في الحديث أيضاً: ((أنّ بغض الأنصار علامة النّفاق))2لهذا المعنى, (1 وكذلك حبّهم وحبّ عليّ كان في ذلك الزّمان علامة الإيمان3لهذا المعنى, فأمّا في الأعصار المتأخّرة عن أوّل الإسلام فلا يدلّ على ذلك, فإنّ الخوارج

يبغضون عليّاً ويكفّرونه مع الإجماع على أنّهم غير منافقين وإن كان ذنبهم عظيماً, ومروقهم من الإسلام منصوصاً, والباطنيّة /يحبونه مع الإجماع على كفرهم, وكذلك الروافض يحبّونه مع ضلالهم وفسوقهم نعوذ بالله! فهذا ونحوه مما يحتمل أن يستند الصّحابي إلى مثله في مثل هذه الأمور -إن صحّت- أولى من خرق الإجماع, وهدم القواعد الكبار لملاحظة [ظاهر]1حديث أحسن أحواله أنّه مظنون.
وقد قصدت وجه الله تعالى في الذّبّ عن هذا الصّحابي المعتمد في نقل كثير من الشّريعة المطهّرة لما رأيت الحافظ الذّهبي روى ذلك, ولم يقدح في إسناده بما ينفع, وقد أحسن الشّعبي2-رحمه الله- في قوله: حدّثناهم بغضب أصحاب محمد فاتّخذوه ديناً, فإنّه يحتمل صدور مثل ذلك عند الغضب بأدني شبهة.
وفي الحديث الصّحيح3: ((اللهم إني بشر آسف كما يأسف بنو آدم فمن دعوت عليه أو سببته وليس لذلك بأهل فاجعلها له رحمة وزكاة)) أو كما ورد, فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف غيره؟! وقد كان بين أبي موسى وعليّ شيء كبّرته الرّوافض والشّيعة.
وقد روى بعض أهل البيت من الزّيديّة أنّ أبا موسى اعتذر إلى عليّ - رضي الله عنه - (4 ورضي عليّ - عليه السلام - عنه4ونرجو صحّة

ذلك إن شاء الله, ومثل هذه الرّواية يحسن الأخذ بها وإن كانت مرسلة, فإنّه لا بأس بالأخذ بالمرسل في مثل هذا. على أن المالكيّة وغيرهم يقبلونه في أحاديث الأحكام. بل ادّعى العلاّمة محمد بن جرير إجماع التّابعين على ذلك, رواه عنه ابن عبد البر في ((تمهيد)).1
الوهم الثّامن: وهم أنّه يمكنه تخصيص المحدّثين بالقدح عليهم في حديثهم بالحديث الذي فيه: ((يؤتى بقوم يوم القيامة فيذهب بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي أصحابي))2وبقوله تعالى: ﴿وَمِمَّن حَولَكُم مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:101] , قال المعترض: دلّت الآية على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً عدلاً من هو كافر مجروح.
انتهى كلامه.
وهو يصلح من شبه الزّنادقة القادحة على أهل الإسلام, لا من شبه الشّيعة القادحة على أهل الحديث, ولكنّ المعترض لا يدري ما يخرج من رأسه.
والجواب: أنّ الإجماع منعقد على الاعتبار بالظّاهر دون الباطن, ومن نجم نفاقه وظهر كفره ترك حديثه, ومن ظهر إسلامه وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه, فقد علمنا لما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا, وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل بالظّاهر ويتبرأ من علم الباطن.
وإلى ذلك الإشارة بقوله في هذه

الآية: ﴿لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُم﴾ [التوبة:101] , فلو كان في هذا قدح على المحدّثين لتوجّه مثله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وليت شعري ما سبب خلوص الزّيديّة من هذا الإشكال؟ فإنّ الآية والحديث يدلاّن على أنّ فيمن يعدّونه صحابيّاً1عدلاً من يجوز أنّه مجروح, وقد أحسّ المعترض ورود هذا السؤال عليه فأشار إليه ثمّ قال: الجواب: أنّه قد ظهر فسق من ذكرناه وكفره.
والجواب: أنّ الذي قدح به نوعان: أحدهما: ما وقع بين الصّحابة من الفتن, وسيأتي الجواب عليه في مسألة التّأويل والكلام على أهله.
وثانيهما: ما نسب إلى بعض الصّحابة من المعاصي التي تدلّ على الفسق الذي لا يدخله التّأويل, وقد ذكرنا فيما تقدّم الجواب عليه في ذلك وأنّ المحدّثين يوافقون على الجرح لمن صحّ ذلك في حقّه؛ كالوليد بن عقبة, والحكم بن أبي العاص, ويخالفون فيمن لم يصحّ ذلك في حقّه /كالمغيرة بن شعبة, وأبي بكرة, وسيأتي الكلام على المغيرة في (المسألة

فصول الكتاب · 143 فصل · 597 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -
تأليف ابن الوزير
تقدّمك في الكتاب: الموضع الرّابع: — 75 من 144
فصول الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - · 597 صفحة
مقدمة الكتابتقديمفضيلة الشيخ العلامةبكر بن عبد الله أبو زيدمقدمة التحقيقأولاً: ترجمة المؤلّفالثروة العلمية التي خلّفهاالمدرسة الممتدّة للفكر الإصلاحيالنسخة الخطية1: فتقع في (7) ورقات في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء, بخط لطف بن سعد السّميني.2 وهي نسخة جيدة ومقابلة, فرغ من نسخها في ذي القعدة سنة... (1336هـ) , وفي نهايتها فائدة عن ابن الوزير لمّا سافر إلى الحج.مولدهذكر شيوخه ورحلته في طلب العلم ورسوخهثانياً: التعريف بالكتاباسم الكتاب.اسم الكتابإثبات نِسبة الكتاب إلى مؤلّفهتاريخ تأليفهسبب تأليفهمواردهالثناء على الكتاب وعكسهعلاقة المختصر بالأصل, وأوجه المغايرة وامتيازات المختصرغرضه منه, ومنهجه فيهأمور لها علاقة بالمنهجطبعات الكتابمخطوطات الكتابالعلماء أصحاب التعليقاتخطة العمل في الكتابالنص المحققالوجه الأولالوجه الثانيالوجه الثالثالوجه الخامسالوجه السادسالوجه السّابع:الوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرتنبيهات1حسنة تعلّق بالجواب على سؤاله, لكنه يليق إفرادها عن الأجوبة, لأنّ بعضها من قبيل تعليم الأدب وبعضها مما يحتمل المنازعة في كونه جواباً مقنعاً, وجدلاً قامعاً, أو خطاباً خطابيّاً, أو تنبيهاً أدبياً.التنبيه الثالثالمبحث الأولالمبحث الثانيالوجه الأولالوجه الثانيالمسألة الأولىالفصل الأوّل:الفصل الثّاني:الحجّة الأولى:الحجة الثانيةالحجة الثّالثة:البحث الثانيالبحث الثالثالبحث الرّابع:البحث الخامسالبحث السّادس:البحث السّابع:البحث الثّامن:البحث التّاسع:البحث العاشرالبحث الحادي عشرالنّوع الأوّل:النّوع الثّاني:الوجه الثّاني:المسألة الأولىالمسألة [الثّالثة]3: قال: الثّاني أنّه إذا تعارض رواية العدل الذي ليس على بدعة ورواية المبتدع, قدّمت رواية العدل الذي ليس على بدعة, وهذا مجمع عليه.الأولى: في وجوب التّرجيح أو جوازه في حقّ المميّز من طلبة العلمالنّظر الأوّل:النّظر الثّاني:النظر الثالثالنّظر الرّابع:النّظر الخامس:الأوّل:الثّاني:الوهم الثّاني:الموضع الأوّل:الموضع الثانيالموضع الثالثالموضع الرّابع:الثالثالمحمل الأولالمحمل الثّاني:المحمل الثّالث:المحمل الرّابع:المحمل الخامسالثّانيالأوّل:الثانيالثّالث:الرّابع:الخامسالسّادس:السّابع:الثّامن:التّاسع:العاشرالثّاني عشر:الثالث عشرالرّابع عشر:الطّريق الأولى:الطريق الثّانية:الفرقة الأولىالفرقة الثانيةالفرقة الثّالثة:الفرقة الرّابعة:الوهم الرّابع عشر:الوهم الخامس عشرالوهم السّادس عشر:الفصل الأولالفصل الثانيالفصل الثّالث:الفصل الخامسالفصل الرّابع:الفصل الخامسالوهم الثّامن عشر:المقدمة الثّالثة:المقدّمة الرّابعة:المرجّح الأوّل:المرجّح الثّاني:المرجّح الثّالث:المرجّح الرّابع:المرجّح الخامس:المرتبة الأولى: حمل الكلام على التّخيّلالمرتبة الثانية: حمل الكلام على المجاز اللّغويالأولىالثانيةمحاجّة آدم وموسى2-عليهما السلام-, والجواب على ما ذكره: أنّ المحدّثين أبرياء عما اتّهمهم به من افتراء ذلك في نصرة مذهبهم, ولو كان المعترض من أهل التمييز لعلم أنّ ظاهر ذلك الحديث ليس بمذهب لأحد من أهل الإسلام, وعرف أنّ رجال الحديث وأهل السّنّة قد نصّوا على تأويله في شروحالفصل الأولالفصل الثّاني:أمّا المعارضة:الوجه الأوّل2: وهو المعتمد أن يكون الملك أتاه على صورة رجل من البشر, ولم يعرف أنّه ملك, مثل ما أتى جبريل - عليه السلام - إلى مريم البتول -رضي الله عنها- فتمثّل لها بشراً سويّاً ففزعت منه فقالت: إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً, ولو علمت أنّه جبريل الأمين لما استعاذت منه, فلمّا أتى ملك الموت إلى موسىالوجه الثّاني:الحجّة الأولى:الحجّة الثّانية:الحجّة الثّالثة:الحجّة الرّابعة:الحجّة الخامسة:الحجّة السّادسة:الحجّة السّابعة:الحجّة الثّامنة:الحجّة التّاسعة:الحجّة العاشرة:الفائدة الرّابعة: في ذكر ثلاث طوائفالطّائفة الأولى المجبّرة:
الطّائفة الثانية: المرجئة
المسألة الأولىالمسألة الثّانية:
جارٍ التحميل