الفرقة الرّابعة:
من الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي الجويني وأصحابه, وهؤلاء يقولون بمثل قول المعتزلة: إنّ قدرة العبد تؤثّر في ذات فعله, وصفاتها كلّها صفة الوجود1وصفة الحسن والقبح, بل زادوا على المعتزلة, فإنّ المعتزلة إنّما قالوا بأنّ قدرة العبد تؤثّر في صفة الوجود لا في الذّات نفسها, إلا أبا الحسين البصري, فيقول بمثل قول الجويني سواء, لكن هؤلاء يفارقون المعتزلة لقولهم إنّ العبد غير مستقلّ بفعله بسبب أنّ القدرة عندهم لا تؤثّر إلا بشرط وجود الدّاعي, والدّاعي عند الفرق كلّها وعند المعتزلة من الله تعالى, لكن الدّاعي عند هؤلاء غير مخرج للعبد عن الاختيار, ولكن عندهم أنه يقع الفعل عنده اختياراً قطعاً من غير تردّد كما تقول المعتزلة في أفعال الله تعالى الوجبة, وفي غيرها ما2تقدّم بيانه, فهؤلاء قولهم في هذه المسألة [و]3قول أبي الحسين البصري من المعتزلة واحد, فإنّه أيضاً يقول في الدّاعي بمثل قولهم, فكيف يحسن من المعتزلة /تقبيح على الجويني ولا يُقبّح على أبي الحسين البصري, وينسب الجبر إلى أحدهما دون الآخر!؟ وهل هذا إلا محض العصبية؟! ولله من قال: وعين الرّضا عن كل عيب كليلة... كما أنّ4عين السّخط تبدي المساويا5
وقد طوّلت هذه المسألة في ((العواصم))1لمسيس الحاجة إلى معرفتها, وأكثرت من الاستشهاد على براءة أهل السّنّة [من]2نفي الاختيار [بما]3يكاد يملّ الواقف عليه, لما رأيت من كثرة عصبية الفرق [فيها]4وتكفير المسلمين وتضليلهم بعضهم بعضاً من أجل الاختلاف فيها, والأمر [فيها]5قريب كما ترى, فإنّ الجبرية أقرّوا بثبوت الاختيار للعبد, والمعتزلة يقرّون بأنّ العبد غير مستقل بالمعنى الذي ذكره الجويني وأصحابه, خاصّة أبو الحسين البصري وأتباعه, لكنّهم يختلفون في العبارة, ويحتاج العارف بمقاصدهم إلى الجمع بين أطراف كلامهم, والنّظر فيها مع الإنصاف والشّفقة على المسلمين ولا6يكون من القوم الذين قيل فيهم: أعوذ بالله من قوم إذا سمعوا... خيراً أسرّوه أو شرّاً أذاعوه ثمّ7المعتزلة بأجمعهم يخالفون في المشيئة ويقولون: المشيئة للعباد في أفعالهم لا لله تعالى, والواقع منها ما شاء العبد لا ما شاء الله, وأهل السّنة مجمعون على أنّ المشيئة لله تعالى في ذلك لا للعبد؛ وهذه في الحقيقة هي مسألة الخلاف لا الأوْلى, فلو ذكرها المعترض
لكان ذلك به أوْلى, وحين1أعرض عن ذكرها أعرضت عنه أيضاً لأني مجيب لا مبتدىء, وإنّما ذكرت ذلك لئلاّ يتوهّم الواقف على كلامي أني قد سوّيت بين المعتزلي والسّنّي من كلّ وجه وجهلت موضع الخلاف بينهما.
وقد رام بعضهم أن يلفّق بين الفريقين فقال: إنّ المعتزلي يقول: إنّ الله تعالى أراد أن يجعل للعباد مشيئتهم ويُمضي لهم مرادهم, وتلخيصه: أنّ المعتزلة تقول: إنّ الله تعالى أراد أن تكون دار التّكليف دار تخلية بين المكلّفين وبين ما أرادوا, فكأنّه قد أراد ما أرادوا, فلهذا لم يكن مغلوباً سبحانه وتعالى.
وفي هذا نظر [ليس هنا]2موضع ذكره.
وخلاصته: أنّ المعتزلة يجيزون تعارض إرادة الله وإرادة العبد في الفعل المعيّن, ويوجبون تأثير إرادة العبد دون إرادة الله في ذلك الفعل, وأهل السّنة يمنعون ذلك, فلا يمكن التّلفيق بين أقوالهم في هذه المسألة, وإنّما يمكن توجيه كلام أهل السنة بما ذكره الذّهبي في ترجمة عكرمة من كتاب ((الميزان))3فإنّه روى عن عكرمة أنّه سئل: لم أنزل الله المتشابه؟ فقال: ليضلّ به.
قال الذّهبي: ((ما أخشنها من عبارة /وأقبحها!! أنزله ليضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً, وما يضلّ به إلا الفاسقين)).
وإذا أخرج1الشيء هذا المخرج وعلّل بالعلل المعقولة لم يبعد منه المعتزلي.
وقد أوضحت في غير هذا الموضع لأهل السّنة في ذلك من الوجوه ما يوجب على المعتزلي موافقتهم مع بقائه على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين, وهو من النفائس, ولا تخفى مواقعه على الفطن في كتاب الله [مثل قوله]2تعالى: ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون)) [الأنفال/23] ومثل قوله تعالى: ((وما يضلّ به إلا الفاسقين)) [البقرة/26] وغير ذلك.
ولا بدّ في هذه المسألة للسّنّي والمعتزلي من الرّجوع إلى محض التّسليم للشّريعة وترك محض التّحسين والتّقبيح العقلي في بعض المواضع الدّقيقة التي يجوز غلط العقل فيها لحيرته وتبلّده, وعدم نفوذ نظر بصيرته فاعلم ذلك.